تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل مصر على شفا عزلة دوليّة بسبب قضيّة التمويل الأجنبيّ؟

Riot police walk in front of graffiti representing anti-military power and Egypt's unrest, which reads "Glory to the unknown", along Mohamed Mahmoud Street during the third anniversary of violent and deadly clashes near Tahrir Square in Cairo November 19, 2014. Egyptian police arrested 25 individuals after four hundred protestors staged a march through downtown Cairo on the anniversary of deadly clashes with security forces three years ago, the interior ministry said on Wednesday.  REUTERS/Amr Abdallah Dals

بدأت خلال الأيّام الماضية، حلقة جديدة في الصراع الدائر بين الحكومة المصريّة من جهة، ومنظّمات المجتمع المدنيّ من جهة أخرى، بعد ما تقرّر إعادة فتح التّحقيق في القضيّة رقم 173 لعام 2011، المعروفة باسم "التّمويل الأجنبيّ لمنظّمات المجتمع المدنيّ"، بعد مرور أكثر من 4 سنوات على تفجيرها، ممّا أثار حفيظة مراقبين حقوقيّين فى الداخل والخارج، واعتبروها انتكاسة لأوضاع حقوق الإنسان وردّة للحريّات العامّة، وتصاعداً متسارعاً في وتيرة الانتهاكات الحقوقيّة، الّتي قد تؤدّي إلى غلق منظّمات مجتمع مدنيّ وحبس القائمين عليها.

لقد كانت البداية في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2011، عندما دهمت قوّات من الأمن بعض مقرّات مراكز المجتمع المدنيّ، من بينها المعهد الديموقراطيّ، المعهد الجمهوريّ الأميركيّ، منظّمة "فريدم هاوس" الأميركيّة، المركز الدوليّ الأميركيّ للصحافيّين، وبعض المنظّمات المصريّة لعدم حصول المنظّمات الأجنبيّة على ترخيص من وزارة الخارجيّة المصريّة أو حصول المنظّمات المصريّة على ترخيص من وزارة التّضامن الإجتماعيّ، الجهة المنوط بها إصدار تراخيص العمل.

ووجّهت الحكومة آنذاك اتّهامات إلى 68 منظّمة حقوقيّة وجمعيّة أهليّة، تتعلّق بتلقّي 60 مليون دولار تمويلاً أجنبيّاً، من آذار/مارس من عام2011 حتّى كانون الأوّل/ديسمبر من العام ذاته، من دون إخطار الجهات الرسميّة في مصر، مع استخدام الأموال لخدمة أهداف أجنبيّة، من بينها التدريب السياسيّ ودعم حملات لممثّلي أحزاب سياسيّة وحشد ناخبين، فضلاً عن إعداد تقارير ترسل إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة، ممّا أخلّ بالسيادة المصريّة وهدّد الأمن والإستقرار في البلاد.

وفي 4 حزيران/يونيو من عام 2013، قضت محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار مكرم عوّاد بسجن من سنة إلى 5 سنوات 43 متّهماً، من بينهم 19 أميركيّاً، وحلّ كلّ فروع جمعيّات ومنظّمات المعهد الجمهوريّ الأميركيّ والمعهد الديموقراطيّ الأميركيّ ومنظّمة "فريدوم هاوس" ومنظّمة المعهد الأميركيّ للصحافيّين ومنظّمة ألمانيّة أخرى، وإغلاق كلّ أماكن هذه المنظّمات في مصر ومصادرة الأموال والأوراق وكلّ ما تمّ ضبطه، وهو ما قوبل بهجوم شديد من وزير الخارجيّة الأميركيّ جون كيري بحيث وصف المحاكمة بـ"السياسيّة"، وبأنّها تتناقض مع المبادئ العالميّة للحريّة المجتمعيّة، وتتنافى أيضاً مع المسيرة إلى الديموقراطيّة، وذلك في اليوم التالي من صدور الحكم.

وبينما اعتبره مراقبون ردّاً على بيان الإتّحاد الأوروبيّ الصادر في 10 آذار/مارس الماضي، الّذي دان أوضاع حقوق الإنسان في مصر، أعادت الحكومة المصريّة فتح التحقيق في قضيّة التّمويل الأجنبيّ في 16 آذار/مارس الماضي، بعد مرور أكثر من أربع سنوات على تفجيرها و6 أيّام فقط من بيان الإتّحاد الأوروبيّ، بسبب ظهور معلومات جديدة في القضيّة، وهو ما دفع بالإتّحاد الأوروبيّ إلى صدور بيان آخر، وصفه البعض بـالـ"شديد اللّهجة"، في 24 آذار/مارس الماضي، ردّاً على قرار إعادة فتح التحقيق، قال فيه: "إنّ الإجراءات الأخيرة الّتي تتّخذها الحكومة المصريّة تجاه العاملين في منظّمات المجتمع المدنيّ من حظر السفر وتجميد الأصول واستدعاء المدافعين عن حقوق الإنسان لا تتماشى مع التزامات مصر لتعزيز واحترام حقوق الإنسان والحريّات الأساسيّة، الّتي كفلها الدستور والمنصوص عليها في إتفاقيّة الشراكة بين الإتّحاد الأوروبيّ ومصر، والّذي هو أساس شراكتنا".

أضاف البيان: "إنّ قرار إحياء ما يسمّى بقضيّة التّمويل الأجنبيّ لعام 2011، والّذي يستهدف شركاء الإتّحاد الأوروبيّ، الّذين لهم أهميّة حاسمة في التطوّر الديموقراطيّ في مصر،  مصدر قلق بالغ.

وطالب مصر بالسماح لمنظّمات المجتمع المدنيّ المستقلّ والمدافعين عن حقوق الإنسان بالعمل من دون تخويف".

وفي 20 نيسان/إبريل، وقبل انعقاد جلسة المحاكمة بساعات قليلة في شأن منع 4 متّهمين وأسرهم من بينهم الناشطان جمال عيد وحسام بهجت من التصرّف فى أموالهم في قضيّة تلقّيهم تمويلاً أجنبيّاً من جهات خارجيّة بمبلغ يزيد على مليون ونصف مليون دولار أميركيّ، أصدر المتحدّث باسم سكرتير عام الأمم المتّحدة بياناً صحافيّاً أعرب فيه عن متابعته عن كثب لكلّ الإجراءات القضائيّة في مصر ضدّ عدد من منظّمات المجتمع المدنيّ والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وطالب البيان بضرورة أن يستفيد المتّهمون من كلّ الإجراءات القانونيّة السليمة ومعايير المحاكمة العادلة، حرصاً على  الدور الّذي يقوم به المجتمع المدنيّ في ضمان وفاء الدول بالتزاماتها التنمويّة والإجتماعيّة والمدنيّة.

وفي أوّل ردّ فعل عنيف من الحكومة المصريّة، أعلنت وزارة الخارجيّة رسميّاً رفضها الكامل لتصريحات المتحدّث باسم سكرتير عام الأمم المتّحدة، وأصدرت بياناَ، في يوم المحاكمة ذاته، أكّدت فيه رفضها التدخّل في عمل القضاء المصريّ، لا سيّما قبل ساعات من التاريخ المحدّد لانعقاد الجلسة الخاصّة بالنظر في قضيّة التمويل الأجنبيّ.

وقال المتحدّث باسم وزارة الخارجيّة المصريّة السفير أحمد أبو زيد: إنّ هذا البيان يعدّ محاولة لاستهداف القضاء المصريّ المستقلّ وترهيبه، بما لا يتّسق مع صلاحيّات ومسؤوليّات الجهة الصادرة عنه، وإدعائها المستمرّ باحترام دولة القانون واستقلال القضاء.

ومن جهته، قال  مدير الشبكة العربيّة لمعلومات حقوق الإنسان وأحد المتّهمين في قضية التّمويل الأجنبيّ الناشط الحقوقيّ جمال عيد في تصريحات خاصّة لـ"المونيتور": إنّ هذه القضيّة سياسيّة ومفبركة، والهدف منها تكميم أفواه النقابات المستقلّة غير الحكوميّة الّتي تتمتّع بالمصداقيّة والاستقلاليّة.

أضاف: "منظّمات المجتمع المدنيّ هي الصوت الوحيد الباقي لانتقاد سياسات الحكومة في المجالات السياسيّة والإقتصاديّة والتنمويّة والحقوقيّة، وهي الّتي توثّق الإنتهاكات الحقوقيّة الّتي تمارسها الدولة. وبالتّالي، إنّ الهدف الأوّل للحكومة هو القضاء على تلك النقابات وترهيب أعضائها، وشحن الرأي العام المصريّ ضدّها".

وعن مقارنة نظام الرئيس عبد الفتّاح السيسي بغيره من الأنظمة الّتي حكمت مصر سواء أكان نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك أم نظام الرئيس السابق محمّد مرسي، قال جمال عيد في تصريحاته لـ"المونيتور": "للأسف الشديد نظام الرئيس السيسي هو أسوأ نظام مرّ على مصر، فلم يكن أحد يجرؤ في العهود السابقة أن يجمّد أموالاً أو يمنع ناشطين من السفر أو يهدّد أحداً من العاملين في المجتمع المدنيّ بالسجن، كما يفعل هذا النظام.

وقرّرت محكمة جنايات القاهرة تأجيل جلساتها إلى 23 أيّار/مايو المقبل، وسط حال من الترقّب لنتائج تلك المحاكمة، الّتي صارت محطّ أنظار دول العالم، من المهتمّين بأوضاع حقوق الإنسان والمدافعين عنها، فهل ستؤثّر تلك المحاكمة سلباً على علاقة مصر الخارجيّة وتهدّدها بالعزلة؟!.

More from Khalid Hassan

Recommended Articles