تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

قرار دينيّ جديد في غزّة يثير سخط المجتمع النسويّ

أثار إصدار القضاء الشرعيّ في غزّة بـ7 شباط/فبراير الماضي قراراً دينيّاً جديداً في غزّة يقضي بمنح الأزواج الحقّ في تطليق زوجاتهم من دون منحهنّ حقوقهنّ أو الحدّ الأدنى من الحقوق، غضب المؤسّسات النسويّة والناشطات في مجال حقوق المرأة، على اعتبار أنّه يصبّ في صالح الرجل وسيساهم في زيادة حالات الطلاق في المجتمع الفلسطينيّ.
RTX1CNM9.jpg

مدينة غزّة - أصدر القضاء الشرعيّ في قطاع غزّة بـ7 شباط/فبراير الماضي قراراً دينيّاً جديداً يقضي بمنح الزوج الحقّ في رفع قضيّة "التفريق للشقاق والنزاع" ضدّ الزوجة في حال تعرّضه للعنف فعلاً أو قولاً على يديها، ممّا أثار استياء المجتمع النسويّ، كون هذا القرار يمنح الزوج فرصة واسعة لتطليق زوجته من دون منحها حقوقها. وقبل إصدار هذا القرار، كان رفع قضايا كهذه متاحاً أمام الزوجة فقط، كون الرجل يمتلك الحقّ الطبيعيّ في إيقاع الطلاق منفرداً من دون أسباب أو رفع أيّ قضايا في المحاكم، حيث يمكن للزوجة من خلال رفع هذه القضيّة، انتزاع الطلاق من زوجها في حال أثبتت تعرّضها للعنف الجسدي والأذى، مع منحها كامل حقوقها الزوجيّة، من بينها المهر المؤخّر وقيمة أثاث البيت المتّفقان عليهما في عقد الزواج.

وشهد عام 2015 في غزّة، 20778 حال زواج و3281 حال طلاق بنسبة 15.8 في المئة، وفقاً لإحصائيّة نشرها المجلس الأعلى للقضاء الشرعيّ في 24 كانون الثاني/يناير الماضي.

وفي هذا الإطار، أشار رئيس محكمة الإستئناف الشرعيّة في غزّة عمر نوفل لـ"المونيتور" إلى أنّ القرار الجديد جاء "لتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة ولكسر احتكار المرأة رفع دعاوى قضائيّة كهذه".

ولفت إلى أنّ القضاء الشرعيّ اتّخذ هذا القرار، بعدما تبيّن في عدّة قضايا تفريق للشقاق والنزاع رفعتها زوجات ضدّ أزواجهنّ، أنّ الأزواج هم الضحايا وليس العكس، مشيراً إلى عدم وجود أيّ إحصاءات سابقة حول أعداد الرجال الذين يتعرضون للعنف على أيدي زوجاتهم في غزّة، موضحاً أنّ ثمّة إجراءات قضائيّة تتّخذ في حال أقدم أيّ زوج على رفع قضيّة تفريق للشقاق والنزاع ضدّ زوجته، وقال: "إذا أثبت الرجل تعرّضه للعنف من زوجته يمنح القاضي الزوجين مدّة شهر للإصلاح. وفي حال فشل ذلك، يطلب القاضي تعيين موكّلين من عائلتي الزوجين للإصلاح بينهما مجدّداً. وفي حال فشلا، يتمّ تحديد مقدار الحقوق الماديّة الّتي يجب أن يدفعها الزوج إلى الزوجة، وفقاً لحجم العنف الّذي تعرّض له على يدّ زوجته، وقد يصل إلى عدم منح الزوجة أيّ حقوق إذا كان العنف شديداً ومؤذياً".

واستهجنت مديرة مركز شؤون المرأة في غزّة آمال صيام إصدار قرار كهذا كونه "يصبّ في صالح الرجل، ولا يحقّق أيّ مساواة بين الزوجين، ويشجّع على الطلاق"، وقالت لـ"المونيتور": "قانون الأحوال الشخصيّة الفلسطينيّ بطبيعته منحاز للرجل، فالرجل يستطيع تطليق زوجته في أيّ وقت ومن دون أيّ أسباب ومن دون الحاجة إلى رفع أيّ قضية، حيث يتوجّب على الرجل في هذه الحال دفع حقوق الزوجة الماديّة، ولكن مع هذا القرار الجديد، بات يحقّ للرجل رفع قضيّة التفريق للشقاق والنزاع لتطليق زوجته من دون منحها حقوقها".

أضافت: "فيما يضع القضاء عقبات أمام الزوجة في حال استخدمت حقّها في رفع هذه القضيّة لإجبار زوجها على تطليقها، وأهمّها إثبات تعرّضها للعنف وجلب شهود للشهادة على ذلك، وهذه شروط صعبة للغاية أمام الزوجة الفلسطينيّة الّتي تعيش في بيئة مجتمعية منغلقة مع زوجها".

وأوضحت أنّ قانون الأحوال الشخصيّة ممتلئ بالثغرات الّتي تتيح للرجل فرصة للمماطلة في منح زوجته المطلّقة حقوقها أو ربّما لإجبارها على التنازل عن حقوقها من أجل منحها الطلاق، وقالت: "لذلك، يتوجّب على القضاء إلغاء هذا القرار وإجراء تعديلات كبيرة في القانون من أجل منح المرأة حقوقها وحمايتها من العنف، وليس إصدار قرارات جديدة لصالح الرجل".

ومن جهته، رأى أستاذ علم النفس الإجتماعيّ في الكليّة الجامعيّة للعلوم التطبيقيّة بغزّة إياد الشوربجي أنّ القرار الجديد يشير إلى تنامي ظاهرة العنف ضدّ الرجل الناتجة من تدهور الأوضاع الإقتصاديّة، وقال لـ"المونيتور": "تزداد فرص تعرّض الأزواج للعنف على أيدي زوجاتهم، عندما يرفضون طلبهنّ بالطلاق، بسبب عدم القدرة على دفع حقوقهنّ الماديّة. كما أنّ هناك زوجات تجرّأن على أزواجهنّ ومارسن العنف ضدّهم بسبب اليقين بأنّ أزواجهنّ لن يطلقونهنّ لعدم قدرتهم على دفع الأعباء الماليّة الناتجة من الطلاق".

وأشار إلى أنّ القرار الجديد جاء لينقذ أولئك الأزواج، لافتاً إلى أنّ أشكال العنف ضدّ الرجل مختلفة قد تصل إلى حدّ القتل، مذكراً بآخر هذه الحوادث، حيث أقدمت امرأة في نهاية كانون الثاني/يناير الماضي على قتل زوجها طعناً في خانيونس بجنوب قطاع غزّة، وقد عزت الشرطة دوافع الجريمة إلى "مشاكل زوجيّة بين الطرفين".

وبدورها، أبدت الناشطة الحقوقيّة زينب الغنيمي، وهي مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونيّة للمرأة في غزّة، استياءها من إصدار هذا القرار، وقالت لـ"المونيتور": "لا ننكر أنّ هناك رجالاً معنّفون، فهم نسبة بسيطة للغاية لا تكاد تذكر أمام حالات العنف ضدّ المرأة، ولكن المشكلة تكمن في إسراع القضاء الشرعيّ بإنصاف أولئك القلّة من الرجال، وترك النساء المعنّفات من دون حقوق وقوانين تحميهنّ".

وأشارت إلى أنّ هذا القرار "يمنح الرجال فرصة كبيرة للإدعاء بأنّهم معنّفون من أجل التخلّص من حقوق الزوجة الماديّة بعد الطلاق".

وفي المقابل، أكّدت زينب الغنيمي تزايد العنف ضدّ المرأة في غزّة، وقالت: "رغم أنّ آخر إحصاءات مسح العنف في الأراضي الفلسطينيّة صدرت عام 2011، إلاّ أنّنا لا نشعر بأنّ هناك متغيّرات إيجابيّة منذ ذلك العام، بل لمسنا تغيّرات سلبيّة على مستوى العنف ضدّ المرأة".

وتشير إحصاءات مسح العنف الصادرة عن مركز الإحصاء الفلسطينيّ في عام 2011 إلى أنّ هناك 51.1 في المئة من النساء في غزّة تعرّضن للعنف على أيدي أزواجهنّ.

وبالنّسبة إلى عمر نوفل، فهو يدافع عن إصدار هذا القرار، إذ قال: "هذا القرار مأخوذ عن قانون الأحوال الشخصيّة المعمول به في الضفّة الغربيّة، ومن باب توحيد القوانين بين غزّة والضفّة قرّرنا تطبيقه".

أمّا الغنيمي فقالت: "القضاء الشرعيّ في غزّة ينتقي من قوانين الضفّة الغربيّة بما يصبّ في مصلحة الرجل، ولا يأخذها جملة وتفصيلاً. ومثال على ذلك، ففي الضفّة الغربيّة تمّ تحديد حضانة المرأة المطلّقة لأبنائها حتّى بلوغ سنّ الـ15 عاماً. أمّا في غزّة فحضانة المرأة المطلّقة لأبنائها تنتهي عند بلوغهم سنّ التّاسعة فقط".

ورغم جهود المجتمع النسويّ في غزّة لتحسين ظروف حياة النساء والحصول على المساواة مع الرجل، إلاّ أنّ إصدار قرارات كهذه تصبّ لصالح الرجال ضربت هذه الجهود بعرض الحائط، وأعادت مستوى حقوق المرأة خطوات إلى الوراء.

More from Rasha Abou Jalal

Recommended Articles