تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل ستساعد الصفقة النوويّة الإيرانيّة في إحلال السلام بالمنطقة؟

RTX1KAPN.jpg

أكّد الرّئيس الأميركيّ في خطابه في واشنطن في 14 تموز/يوليو بمناسبة التّوقيع على الإتّفاق النوويّ مع إيران أنّ هذا الإتّفاق سيجعل العالم أكثر أماناً، لأنّه منع من انتشار السلاح النوويّ في منطقة الشرق الأوسط، الّتي تعيش حالاً خطرة من عدم الاستقرار. ولا شكّ في أنّ هذا الإتّفاق قد حدّد من النّشاطات النوويّة الإيرانيّة في شكل كبير، وقلّص من الأزمة التاريخيّة بين إيران والغرب، لا سيما مع التوقيع على خطة العمل المشتركة الشاملة في 14 تموز/يوليو. ولهذين العاملين أثر كبير في ارتفاع احتماليّة السلام في المنطقة، ولكنّ الوضع المعقّد والمتعدّد الجهات في المنطقة، يحتّم علينا النّظر في موضوع العلاقة بين الإتّفاق النوويّ وإحلال السلام في صيغة مركّبة تشمل الجهات الفاعلة الأخرى في المنطقة، بما فيها المحور العربيّ – السنيّ خصوصاً. كما أنّ مسار السلام يرتبط، في شكل أساسيّ، بالمنحى الّذي ستتّخذه إيران في سياستها الإقليميّة بعد هذا الإتّفاق، وما إذا كانت ستستمرّ في تسيير سياستها الأحاديّة الجانب في المنطقة أو تفتح أبواب الحوار مع القوى الإقليميّة الأخرى، وخصوصاً السعوديّة وتركيّا، للتوصّل إلى صيغة شاملة لحلّ الأزمات القائمة في المنطقة.

ومن هذا المنطلق، يجب فهم تصوّرات القوى المنافسة لإيران تجاه الإتّفاق النوويّ، وردود الفعل المحتملة من قبلها بعد التّوقيع عليه. فمن الجهة العربيّة، لقد عبّرت السعوديّة عن قلقها في خصوص الإتّفاق على لسان وزير خارجيّتها عادل الجبير الّذي سافر إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة مباشرة بعد التّوقيع على الإتّفاق للقاء الرّئيس أوباما في 17 تموز/يوليو. كما أنّ الصحف السعوديّة اعتبرت الإتّفاق تحدّياً كبيراً للمملكة، ممّا دعا بعض أعضاء مجلس الشورى السعوديّ إلى المطالبة بتطوير "برنامج نوويّ مماثل لإيران".

وظهر التّنافس التسليحيّ بين إيران والسعوديّة منذ أشهر، قبيل الإعلان عن توقيع الإتّفاق. فقد قام وليّ العهد الثاني ووزير الدفاع السعوديّ محمّد بن سلمان بزيارة غير مسبوقة لروسيا في 17 يونيو/حزيران، تمّ خلالها التّوقيع على ستّ إتّفاقيات استراتيجيّة، أبرزها تفعيل اللّجنة المشتركة للتّعاون العسكريّ، فضلاً عن إتّفاقية تعاون في مجال الطاقة النوويّة. كما عبّرت السعوديّة عن رغبتها في شراء المنظومة الصاروخيّة الروسيّة "إسكندر" ذات القابليّة بالتحكّم بالصواريخ البالستيّة. وقد سبق ذلك، زيارات لفرنسا في أيار/مايو وحزيران/يونيو لوليّ العهد السعوديّ محمّد بن نايف ووليّ العهد الثاني محمّد بن سلمان، شكّلت تقوية العلاقات العسكريّة حجماً كبيراً من هدف هذه الزيارات.

إضافة إلى ذلك وبحسب مسؤولين سعوديين، هناك شعور عربيّ – سنيّ بأنّ الإتّفاق سيمكّن الجانب الإيرانيّ من الانطلاق أكثر في دعم خصومه الإقليميّين في سوريا ولبنان واليمن والعراق، وسيحصّن النّظام الإيرانيّ أكثر. وبالنّتيجة، يوسّع الصراع القائم في المنطقة ويعمّقه، ممّا يؤدّي إلى المزيد من الحروب والقتال.

وقد أكّد مرشد الثورة الإسلاميّة في إيران علي خامنئي بعيد التّوقيع على الإتّفاق في 17 يوليو/تمّوز أنّ إيران، رغم الإتّفاق الحاصل، لن تتنازل عن دعم حلفائها في المنطقة بفلسطين واليمن وسوريا والعراق والبحرين. وأدّى ذلك إلى انزعاج الحكومة البحرينيّة الّتي استدعت في 19 تموز/يوليو السفير الإيرانيّ مرتضی صنوبری لديها للاحتجاج على تصريحات قائد الثورة.

ويلاحظ المتابع لسياسة إيران الإقليميّة أنّ هناك رؤيتين مختلفتين داخل البلد: الأولى، للتيّار الإصلاحيّ بقيادة رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني الّذي يعتقد بضرورة الحوار والتّنسيق مع السعوديّة لحلّ الأزمات الإقليميّة، ويدعو باستمرار إلى الانفتاح تجاه السعوديّة، ويدعم العمل على إيجاد إتّفاق إقليميّ معها بعد إتمام الإتّفاق النوويّ مع الغرب. أمّا الثانية فهي للتيّار المتشدّد الّذي يعتقد أنّ إيران نجحت في سياستها الإقليميّة ضدّ المحور السعوديّ وألاّ حاجة للتّنسيق مع السعوديّة في أيّ من الملفّات الإقليميّة في كلّ من العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين. وتنبعث هذه الرؤية من الشعور النرجسيّ بأنّ "إيران ليست دولة مهمّة في الإقليم، بل هي الدولة المهمّة الوحيدة فيه"، وذلك بحسب تصريح أحد المسؤولين الإيرانيّين للمبعوث الدوليّ السّابق إلى سوريا الأخضر الابراهيمي في عام 2013.

وتعدّ قيادات الحرس الثوريّ الإيرانيّ، وتحديداً قائد فيلق قدس قاسم سليماني من المؤيّدين للسياسة التصعيديّة ضدّ السعوديّة في الآونة الأخيرة. ورغم أنّ الحكومة الحاليّة الإيرانيّة إصلاحيّة بطبيعة المشاركين فيها، ولكن إدارة الملفّات الإقليميّة الكبرى لم تكن في يدّ المؤسّسات الحكوميّة الرسميّة مثل الخارجيّة الإيرانيّة، بل في يدّ الحرس الثوريّ وأذرعه الدوليّة كفيلق القدس.

وعليه، يظهر المشهد السياسيّ الآنف الذكر أنّ مجرّد الإتّفاق النوويّ لا يساهم بالضرورة في إحلال السلام في المنطقة، بل من شأنه أن يوسّع الشرخ ويصعّد من التّنافس التسليحيّ والصراع الإقليميّ، وذلك في غياب رؤية مشتركة تجمع المصالح القوميّة للقوى الإقليميّة الفاعلة في المنطقة.

ومن هنا، تظهر الضرورة الملحّة إلى إيجاد توازن قوى وتفاهم بين الأطراف الفاعلة في المنطقة، وخصوصاً إيران والسعوديّة، وهذا الأمر يجب أن يكون الهدف الثاني للإدارة الأميركيّة بعد إنجاز الإتّفاق النوويّ، إذ أنّ في إمكانها الآن القيام بدور الوسيط بين إيران والسعوديّة لتقريب وجهات النّظر بينهما بهدف الحصول على توازن ثابت ومستقرّ في المنطقة.

وفي الحقيقة، إنّ الإتّفاق النوويّ يجب أن يكون بداية لصفقة كبرى تتمّ في شكل مرحليّ بين الأطراف الإقليميّة والدوليّة اللاّعبة في المنطقة، ومن خلال هذه الرؤية الشاملة يمكن أن يساهم الإتّفاق النوويّ في التوصّل إلى سلام إقليميّ. أمّا إذا أخذنا الإتّفاق خارج ذلك السّياق، فبإمكانه أن يلعب دوراً مضادّاً لما هو متوقّع منه، عبر تحوّله إلى مجال لصراع إقليميّ جديد يترك آثاره على مجالات الصراع الفاعلة حاليّاً.

More from Ali Mamouri