تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"الرّجل الشبح" في بيروت... حدثان في يومين: سليماني ونصرالله

soleimani.png

حدثان طبعا المشهد السياسيّ اللبنانيّ في الأيّام الأخيرة من كانون الثاني 2015، حدثان ينتظر أن يكون لهما تأثير على أحداث أكثر من شهر، أوّلاً الزيارة الّتي تسرّب خبرها عبر الإعلام، والّتي قام بها إلى بيروت "الرّجل الشبح"، كما يسمّيه بعض الغرب الجنرال الإيرانيّ قاسم سليمانيّ، وهو قائد فيلق القدس في الحرس الثوريّ الإيرانيّ، وذلك في 29 كانون الثاني الماضي . وثانياً، مضمون الخطاب الذي ألقاه في اليوم التّالي، الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله، خصوصاً لجهة موقف الحزب من اسرائيل والمواجهة المستجدّة والمتطوّرة معها.

وعن زيارة سليماني يمكن التوقّف عند نقاط عدّة كمؤشّرات معبّرة، ودلالات لا يمكن فهم الخطوة من دونها:

أوّلاً: أهميّة الرّجل في موقع القرار الإيرانيّ، وخصوصاً موقعه ضمن خارطة العمل الميدانيّ لإيران، فحيث تكون مواجهات تخوضها طهران مباشرة، يكون قاسم سليماني. في العراق، وفي سوريا، وحتّى في اليمن، ثمّة حضور، ولو من بعيد، للرّجل. حضور استشاريّ أو تدريبيّ أو ميدانيّ، بحسب كلّ حال وموقع وظرف. أمّا المستجد اليوم، فيبدو أنّ حال بيروت وموقعها وظروفها فرضت حضور سليماني إليها.

ثانياً: إنّ الرّجل جاء إلى بيروت، من دون أن يعلن عن مضمون زيارته، باستثناء ما يمكن تقديره من أنّه التقى بالتّأكيد قيادات "حزب الله"، وفي مقدمها أمينه العام السيّد حسن نصرالله، مع كلام عن تشاور في الأوضاع بين القائدين اللبنانيّ والإيرانيّ.

ثالثاً: إنّ تسريب خبر "الزيارة السريّة"، جاء في شكل صورة مأخوذة عبر هاتف ذكيّ لا غير، وعبر قناة "الميادين"، وهي محطّة تلفزيونيّة تبثّ من بيروت، وموثوقة الخبر، نظراً إلى كونها قريبة من القيادات الإيرانيّة، كما من "حزب الله" نفسه، ممّا يوحي بأنّ تكتيكاً إعلاميّاً قُصد من وراء ذلك. تكتيك يراد منه إضفاء معالم إضافيّة من ملامح "الأسطورة" والشخصيّة السريّة على الرّجل الّذي تنسج حول اسمه، أخبار وأساطير حربيّة ومخابراتيّة.

رابعاً: إنّ الصورة الّتي سرّبت، كانت على ضريح القائد العسكريّ الرّاحل لـ"حزب الله" عماد مغنيّة، الّذي اغتيل في انفجار في دمشق في 12 شباط 2008. ويتردّد دوماً أنّ مغنيّة كان صديقاً قريباً لسليماني. فضلاً عن أنّ الضريح الّذي زاره المسؤول الإيرانيّ، وتلا أمامه صلواته، كان قد انضمّ إليه قبل أيّام، جثمان جهاد، الابن الثاني لعماد مغنيّة، وهو الّذي سقط في 18 كانون الثاني، في غارة اسرائيليّة في القنيطرة السوريّة، على سيّارة كانت تقلّ الشاب جهاد وعناصر آخرين من "حزب الله"، مع جنرال إيرانيّ آخر، يقال أيضاً إنّه صديق لقاسم سليماني نفسه، ممّا أدى إلى مقتلهم جميعاً.

أمّا خامس المؤشّرات وآخرها، فكلّ الكلام الّذي قيل عقب تلك الغارة، عن أنّ قرار "حزب الله" في الردّ عليها والانتقام لمقاتليه، سينطلق من اعتبار أنّ العدوان الاسرائيليّ المذكور، جعل كلّ الخط الممتدّ من الناقورة عند البحر المتوسط غرباً في جنوب لبنان، وحتّى الجولان السوريّ المحتلّ شرقاً، جبهة واحدة، يتعامل معها "حزب الله" وحلفاؤه على أنّها خاضعة لأمر عمليّات واحد.

وهكذا، تصير زيارة قاسم سليماني إلى بيروت حدثاً استثنائيّاً. حدث تفسيره الأوّليّ والمرجّح، هو البحث في كيفية المواجهة المستجدّة بين "حزب الله" وحلفائه من جهة، وبين اسرائيل وحلفائها من جهة أخرى، لا في لبنان وحسب، كما كان حاصلاً منذ مطلع الثمانينيّات، بل هذه المرّة، في لبنان وسوريا أيضاً.

حدث أوّل لم يلبث أن استكمل واتّضح أكثر في الحدث الثاني في اليوم التالي، حين أطلّ الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله، تلفزيونيّاً في 30 كانون الثاني، على جمهوره المحتشد لمناسبة "تكريم شهداء القنيطرة"، ليعلن عن سقوط قواعد الاشتباك السّابقة، الّتي كانت قائمة بين حزبه واسرائيل. قواعد الاشتباك الّتي تحدّث نصرالله عن سقوطها، غير مكتوبة طبعاً، غير أنّها تحوّلت نوعاً من العرف الواقعيّ على أرض الجنوب اللبنانيّ، منذ انتهاء العدوان الاسرائيليّ على لبنان في تمّوز 2006، وصدور القرار 1701 عن مجلس الأمن الدوليّ، الّذي قضى بوقف الأعمال الحربيّة بين الطرفين، من دون إعلان وقف للنار. ومنذ ذلك الحين، صارت المناوشات بين الطرفين محدودة العدد، ومحدّدة في المكان والزمان، بحيث باتت خاضعة إلى مبدأ الردّ المتناسب مع الفعل، إذا تسلّلت دوريّة اسرائيليّة عبر الحدود، ردّ عليها "حزب الله" موضعيّاً. وإذا تسلّلت عناصر من الحزب في اتّجاه مزارع شبعا الّتي تحتلّها اسرائيل ويعتبرها لبنان أرضاً لبنانيّة، ردّت اسرائيل بقصف المتسلّلين وطرق توغّلهم وانسحابهم داخل المنطقة لا غير. هذه القواعد القائمة على حصر المواجهات بين الطرفين، هي ما أعلن نصرالله سقوطها في 30 الشهر الماضي، مؤكّداً أنّه "من الآن فصاعداً، أيّ كادر من كوادر حزب الله المقاومين، أيّ شاب من شباب حزب الله يقتل غيلة سنحمّل المسؤوليّة للإسرائيليّ، وسنعتبر أنّ من حقّنا أن نردّ في أيّ مكان وأيّ زمان، وبالطريقة الّتي نراها مناسبة".

More from Jean Aziz (Lebanon Pulse)

Recommended Articles