تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

العراق.. الهروب الكبير!

Mourners pray at the coffin of a victim killed during an attack on a prison in Taji, during a funeral at the Imam Ali shrine in Najaf, 160 km (100 miles) south of Baghdad July 22, 2013. Sixteen soldiers and six militants were killed during an attack on the prison on Sunday in Taji, around 20 km (12 miles) north of Baghdad, but guards managed to prevent any inmates escaping. The attack was conducted simultaneously and followed a similar pattern as the attack on Abu Ghraib jail, where hundreds of convicts, in

خلّفت عمليّة مهاجمة سجنَي "أبو غريب" و"التاجي" في بغداد في 22 تموز/يوليو الجاري، صدمة على كل الأصعدة، تفرض إعادة حسابات ليس فقط في تقدير إمكانات تنظيم "القاعدة" وإنما في تقدير إمكانات الجهد الأمني العراقي.

وكانت مواقع إلكترونيّة مقرّبة من تنظيم "القاعدة" قد نسبت في اليوم نفسه عمليّة اقتحام سجنَي "أبو غريب" و"التاجي" إلى "دولة العراق والشام الإسلاميّة"، وهو الاسم الذي أعلنه زعيم تنظيم "دولة العراق الإسلاميّة" أبو بكر البغدادي بعد إعلان دمج تنظيمه مع تنظيم "جبهة النصرة" السوري في نيسان/أبريل الماضي.

وقد تراوح عدد الهاربين من السجن ما بين 500  و 1000 سجين، بحسب ما أفاد عضو هيئة الأمن والدفاع البرلمانيّة حاكم الزاملي الذي اعتبر أن غالبيّتهم من كبار عناصر "القاعدة" المعتقلين، وأن العمليّة خطّط لها ونفّذها تنظيم "القاعدة" بحرفيّة ودقّة ليثبت بشكل مستمر امتلاكه إمكانات تفوق تقديرات القوى الأمنيّة لها.

أعلن "تنظيم القاعدة" بعد يوم واحد من الحادثة، مسؤوليّته عن عمليّة الاقتحام، وأصدر بياناً حمل توقيع "الدولة الإسلاميّة في العراق وبلاد الشام" جاء فيه أن الهجوم هو "استجابة لدعوة المجاهد الشيخ أبو بكر البغدادي بتعهدّه بخطة (تحطيم الجدران) المباركة فقد تحرّكت ألوية المجاهدين على سجنَي التاجي وأبو غريب بعد أشهر من الاستعدادات والتخطيط لاستهداف أكبر سجنَين تحت سيطرة الحكومة". أضاف أن "ألوية المجاهدين قامت على أثر ذلك بتحرير أكثر من 500 نزيل من السجنَين".

من جهته، لم يخل البيان الحكومي الذي صدر بعد يوم واحد من الحادثة، من المفاجئة. فالبيان الذي أقرّ بتنسيق وتخطيط مسبق للهجومَين، تحدّث أيضاً عن وجود تواطؤ ما بين بعض العاملين في السجن وعناصر التنظيم المهاجمين.

وجاء في البيان الذي صدر عن وزارة الداخليّة في أعقاب اجتماع ل"خليّة الأزمة" التي يتزعّمها رئيس الحكومة نوري المالكي، أن "السجنَين تعرّضا إلى هجومَين إرهابيَّين مبنيَّين على تخطيط مسبق، تخلّلهما قصف بعشرات قذائف الهاون، استهدفا بنايتَي السجنَين والدفع بعناصر انتحاريين يرتدون أحزمة ناسفة تخلّلها محاولة اقتحام بسيارات مفخّخة استهدفت إحداها البوابة الرئيسة لسجن أبو غريب، وأخرى استهدفت البوابة الثانية، كما استهدفت سيارتَين مفخّختين سجن التاجي ببغداد لم تسفرا عن شيء".

وأوضحت الوزارة أن هذه "الهجمات جاءت تمهيداً لاقتحام السجنَين المذكورَين من قبل العصابات الإرهابيّة، في حين طوّقت القوات الأمنيّة وبشكل سريع مكانَي الحادثة وفرضت إجراءات أمنيّة مشدّدة وسيطرت على الموقف الأمني"، مضيفة أن "القوات الأمنيّة قتلت عدداً من الإرهابيّين خارج أسوار السجنَين في أثناء محاولتهم اقتحامهما، كما تمّ التصدي لعدد من السجناء خلال محاولتهم الفرار والتعرّض إلى القوّات الأمنيّة".

وقالت الوزارة إن "الحادثة أسفرت عن هروب عدد من النزلاء في سجن أبو غريب (لم تحدّد عددهم) ولم يتمكّن أحد من نزلاء سجن التاجي من الفرار بسبب تصدّي قوات الأمن لهم ومنعهم"، وإن "البحث ما زال جارياً عن الفارين من سجن أبو غريب، وإن قوات الأمن دعت الأهالي إلى التعاون معها والإبلاغ عن الفارين".

وشدّدت على أن "التحقيقات الأوليّة التي أجرتها خليّة الأزمة، أثبتت وجود تواطؤ ما بين بعض الحراس الإصلاحيّين والعصابات الإرهابيّة المهاجمة"، وتابعت أن "خليّة الأزمة شكّلت لجنة عليا من الأطراف المعنيّة والدوائر ذات العلاقة لتشخيص أسباب الحادثة".

وكان مدير دائرة الإصلاح المركزي اللواء حامد الموسوي وهو المسؤول عن السجون العراقيّة، قد أوضح خلال مؤتمر صحافي عقده أنه بالتزامن مع عمليّة الاقتحام حدثت أعمال شغب داخل قاعات السجناء صاحبها انقطاع مفاجئ في الكهرباء"، وأن "حصيلة القتلى والجرحى من منتسبي دائرة الإصلاح العراقيّة بلغت ثمانية قتلى و14 جريحاً. أما عدد القتلى من السجناء فبلغ 21 سجيناً في حين جرح 25".

لكن معلومات حصل عليها "المونيتور" من مصادر حكوميّة رفضت الكشف عن هويّتها، كشفت أن أعداد القتلى والجرحى خلال الحادثة تفوق الرقم الذي أعلنه الموسوي، وأن من بين الهاربين من سجن "أبو غريب" وزير الحرب في دولة العراق الإسلاميّة عدنان إسماعيل نجم عبد الله الدليمي والمعروف بإسم أبو عبد الرحمن البيلاوي.

وتضارب المعلومات حول الحادث مبرّر في ضوء عدم قدرة الأجهزة الأمنيّة العراقيّة وأجهزة الاستخبارات المسؤولة عن استقاء المعلومات على توقّع مثل هذه الهجمات، على الرغم من أن السجون كانت على الدوام هدفاً مركزياً لتنظيم "القاعدة".

ويذكر أن زعيم "القاعدة" في العراق أبو بكر البغدادي كان قد أعلن في 22 تموز/يوليو الجاري عمليّة باسم "هدم الأسوار" لتحرير سجناء التنظيم، وأن تنفيذ عمليّة أبو غريب جاء في اليوم نفسه لذلك الإعلان في 22 تموز/يوليو.وهذا التزامن ليس مصادفة. فتاريخ تنفيذ العمليّة مثّل بدوره رسالة فيها الكثير من التحدّي للقوى الأمنيّة العراقيّة، التي يبدو أنها أهملت بشكل كامل قراءة هذا التاريخ وإمكان تنفيذ عمليّة كبيرة فيه، ولم تكتشف الترابط الزمني بين الحدثَين حتى بعد تنفيذ عمليّة أبو غريب والتاجي نفسها.

والخطّة التي اعتمدها المهاجمون كبيرة جداً، وتتطلب إمكانات هائلة وتنقّلات مدروسة، وتواجد فاعل على الأرض.

ويصف أحد قادة الأمن العراقيّين تفاصيل العمليّة لـ"المونيتور" بالقول إنها "مرعبة". فهي  بدأت مساء ليلة 22 تموز/يوليو بقصف طاول السجَنين بأكثر من مئة قذيفة هاون ومن جهات مختلفة، وقد تزامن ذلك مع تنفيذ هجمات كبيرة على وحدات عسكريّة تتمركز على مقربة من السجنَين لإشغالها وتحريكها من مواقعها إلى مواقع أبعد. من ثم كان تفجير بوابات السجنَين بأربع سيارات مفخّخة على أقلّ تقدير في وقت متزامن، قبل أن يدخل انتحاريون إلى السجن، وذلك بالتزامن مع اضطرابات كبيرة وعمليّة إحراق للأسرّة وبلبلة أحدثها سجناء تابعون لتنظيم القاعدة داخل السجن نفسه لإشغال حراسه والتمهيد للخروج إلى باحاته الخارجيّة قبل المغادرة إلى خارج أسوار السجن.

إن الغياب الأمني الذي صاحب عمليّة اقتحام سجن أبو غريب، يثير أكثر من علامة استفهام جديرة بأن تكون مدخلاً لفهم طبيعة تفكير القوى الأمنيّة العراقيّة:

- كيف تمكّن المهاجمون بداية من تحديد ساعة صفر للعمليّة تأتي متطابقة تماماً مع لحظة إصدار زعيمهم إعلانه حول حملة "هدم الأسوار"، وقد قال حينها إنها سوف تستمرّ عاماً كاملاً. هل هذا يعني أن يوم تنفيذ العمليّة كان النهاية الرسميّة لحملة "هدم الأسوار"؟ وهل يدلّ ذلك على قناعة الإرهابيّين بأن التاريخ بحدّ ذاته لن يتبادر إلى أذهان المسؤولين الأمنيّين والاستخباريّين في العراق؟

- كيف نجح المهاجمون في إطلاق مئة قذيفة هاون على السجنَين في أقلّ من ساعة واحدة؟ فمثل هذا القصف يحتاج إلى إمكانات جيوش وليس مجرّد مقاتلين متفرّقين ومختبئين بحسب الاعلانات الرسمية.

- كيف تمكّن السجناء من مغادرة قاعاتهم والهرب، مع العلم أن الساعة التي نفّذت فيها العمليّة أتت مسائيّة؟ بحسب قوانين السجون حول العالم، فإن السجناء يكونون في مثل هذا الوقت داخل زنزاناتهم بعد إجراء التعداد المسائي لهم، ولا تسمح إدارات السجون في العادة بخروج السجناء إلى ساحات السجن الخارجيّة إلا صباحاً.

- ما هو عدد الهاربين من السجن فعلاً؟ فباستثناء إعلان عضو البرلمان حاكم الزاملي عن هروب ما بين 500 و 1000 سجين، لا يوجد أي إعلان رسمي واضح عن عدد هؤلاء. أما وسائل الإعلام فتتداول أرقاماً متباينة يصل بعضها إلى 3000 هارب. فهل ثمّة خلل في تحديد عدد نزلاء السجن في الأساس، أو في تعداد أسماء هؤلاء النزلاء؟ وهل من مشكلة في تحديد أسماء الهاربين فعلاً؟

- كيف نجح المهاجمون في إشغال وحدات عسكريّة كبيرة تقدّر بنحو فرقتَين عسكريّتَين تتمركز بالقرب من السجنَين؟ وما هي القوّة التي شغلت تلك القطعات؟ وما هي المعلومات التي سرّبت لها وضللتها؟

- كيف تمكّن تسعة انتحاريّين فقط بحسب البيانات الرسميّة من اقتحام سجن مثل "أبو غريب" تصل مساحته إلى أكثر من 1،15 كيلومتراً مربعاً، بعد أعمال توسيع شملته وإضافة استحكامات أمنيّة كبيرة منذ تأسيسه في خمسينيات القرن الماضي؟تلك الاسئلة وغيرها الكثيرّ ستبقى غامضة وغير مجاب عنها. ومن الطبيعي أن تجد التبريرات الرسميّة العديد من الأسباب لاقتحام السجنَين وأن تلقي اللوم على تواطؤ حرّاس أو على تخطيط من قبل دول خارجيّة. لكن كلّ ذلك لا يلغي حقائق على الأرض تضع القوات الأمنيّة العراقيّة في دائرة المشكوك في كفاءتها، حتى بعد عشر سنوات من حربها المتواصلة مع التنظيمات المسلحة على الأرض والتي يفترض أن تكون قد أكسبتها خبرات استثنائيّة.

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial