تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"العراق : اعادة انتاج "المليشيات

Kurdish Peshmerga troops are deployed on the outskirts of Kirkuk, some 250km (155 miles) north of Baghdad December 3, 2012. Iraq's Kurdish region has sent reinforcements to a disputed area where its troops are involved in a standoff with the Iraqi army, a senior Kurdish military official said, despite calls on both sides for dialogue to calm the situation. Picture taken December 3, 2012. REUTERS/Ako Rasheed (IRAQ - Tags: POLITICS MILITARY CIVIL UNREST) - RTR3B6TV

لم تغب المليشيات يوماً عن العراق، فهي متأصلة في تاريخه الحديث، ومتوفرة على الدوام بيد السلطة ومعارضيها، بل ان تعريف الحزب السياسي العراقي خصوصاً مابعد تاسيس الجمهورية العام 1958 ارتبط بفكرة الاجنحة العسكرية، وفرق الاغتيالات، والاجهزة السرية الملحقة بالسلطة او المناهضة لها.

عام 2003 لم يكن اذاً عام اكتشاف المليشيات المسلحة، فآخر نسخة من المليشيات التي شاهدها العراقيون في قبل نيسان (ابريل) من ذلك العام كانت على شكل مقاتلين اجانب استقدمتهم السلطة تحت شعار "المجاهدين" لقتال القوات الاميركية، وسبقهم تأسيس مليشيا "فدائيي صدام" وكل هؤلاء تفرقوا لاحقاً في مليشيات جديدة افرزها واقع ملتبس فرضه الوجود الاميركي في العراق.

فكرة "مقاومة الاحتلال" كانت شعاراً يصعب الاعتراض عليه، لكن هذا الشعار لم يكن في العديد من الحالات اكثر من غطاء للتغاضي عن اسباب اخرى لتشكيل المليشيات، فانهيار الدولة، وتحلل مؤسساتها، وانفتاحها على مراكز قوى خارجية، وتبادل الطوائف الشكوك في نيات بعضها كلها كانت دوافع طبيعية لتشكيل المليشيات، وهي دوافع مازالت موجودة حتى بعد انسحاب الجيش الاميركي.

الهزة الاجتماعية والصدمة الثقافية والمخاوف الفردية والمناطقية والطائفية التي اعقبت العام 2003  لم تسهم في ظهور المليشيات فقط، بل انها افرزت بيئة اجتماعية اما متعاطفة وحاضنة للمليشيات، او مستجيرة بها لغرض الحماية، او خائفة منها وصامتة على تجاوزاتها.

الاعلان عن تشكيل "جيش المهدي" في الجانب الشيعي تزامن مع الاعلان عن عدد من المجموعات المسلحة السنية مثل "الجيش الاسلامي" و"كتائب ثورة العشرين"، وتزامن ايضاً مع دخول "تنظيم القاعدة" الى العراق للاسباب نفسها، وسرعان ما تناسلت المجموعات المسلحة بشكل سريع وتعددت واصبحت خريطتها اكثر تعقيداً من المتوقع، وكانت حتى العام 2005 تلتزم شعار "مقاومة الاحتلال" و "محاربة عملائه" لكن معظمها غير وجهته بين عامي 2006 و 2008 لتكون طرفاً في الحرب الاهلية التي حصدت ارواح الالاف من العراقيين، وتداخلت في هذا الوقت شعارات "الدفاع عن الطائفة" مع "المقاومة".

التداخل في الشعارات لم يكن بدوره مطلقاً ، فـالشق العراقي من "تنظيم القاعدة" اعلن في وقت مبكر ان اهدافه لاترتبط بوجود القوات الاميركية، وحربه لن تتوقف برحيلها، ومثله فعل تنظيم "الطريقة النقشبندية" الذي يقوده عزة الدوري زعيم حزب البعث.

في الجانب الشيعي لم تكن مواقف مجموعات مثل "كتائب حزب الله" و"عصائب اهل الحق" واضحة في القاء السلاح من عدمه، فيما كانت المجموعات التي تشضت وفقدت نفوذها في الشارع مع تجميد "جيش المهدي" تنتظر بدورها اية فرصة للعودة.

ظهور واثق البطاط وهو رجل دين شيعي معمم للحديث عن تشكيل مليشيا باسم "جيش المختار" بهدف معلن هو "الدفاع عن الشيعة" قبل اسابيع لم يكن مفاجئاً، مثلما لم يفاجيء احد تحول تنظيم "الصحوة" في الانبار بقيادة الشيخ احمد ابو ريشة الى معارضة الحكومة والدفاع عن اهل السنة، فالبيئة التي تغذي فكرة المليشيات مازالت موجودة وقادرة على صهر مليشيات قديمة باخرى جديدة، وتنويع نطاق الشعارات والاهداف لتصبح اكثر وضوحاً.

في مناسبات مختلفة طالب التركمان في كركوك وتلعفر بتشكيل مليشيات خاصة بهم تحت رعاية الدولة، لحمايتهم من الهجمات التي يتعرضون لها، ومثلهم طالب الشبك في الموصل، وبعض المسيحيين في العراق كانت لهم مطالب مشابهة في سهل نينوى، وتلك المطالبات ليست منفصلة عن ارث كرسه الحاكم المدني الاميركي بول برايمر باقرار دمج المليشيات في اجهزة الجيش والشرطة ابتداء من عام 2003 واستمر الى سنوات لاحقة.

وفي نطاق توزيع موازين القوة الرسمية اليوم فأن الاكراد في اقليم كردستان العراق، يمتلكون قوة مسلحة خاصة بهم "البيشمركة" يصل عديدها الى 200 الف مقاتل على الاقل ، والشيعة في جنوبه يسيطرون عملياً على النسبة الاكبر من قوات الجيش والشرطة بنسبة تصل الى اكثر 600 الف مقاتل، ويؤكد الاكراد ان "البيشمركة" هي جزء من منظومة الدفاع العراقية، ويقول الشيعة ان الظروف والمخاوف الارهابية هي التي بررت اضفاء مسحة "شيعية" على القوى الامنية والجيش العراقي، ويقول السنة في المقابل ان تلك المعادلة ظلمتهم، وهم لم يتوقفوا عن الحديث عن غياب "التوازن" في توزيع القوى المسلحة.

وبعيداً عن مبررات الخريطة العسكرية تلك، فأن دلالاتها تشير الى نزعة المكونات العراقية الثلاثة (السنة والشيعة والاكراد) الى حماية نفسها عبر قوات تابعة لها وليس لاي من المكونات الاخرى.

في تلك النقطة البالغة الحساسية وحولها، تدور الكثير من المشكلات العراقية اليوم، والمعادلة تبدو مفارقة الى حدي بعيد ، فمن جهة ان المضي الى تكريس بناء الجيش العراقي وقوى الامن على اساس الطوائف والتوسع في دمج المليشيات والمجموعات المسلحة فيه سيعني ان هذا الجيش سرعان ما يصبح سلاح تهديد خارج الدولة للدفاع عن تلك الطوائف، ومن جهة اخرى فأن عدم الانتباه الى التوازن في تمثيل الطوائف في القوى الامنية والجيش سيعني ان الاحزاب السياسية في بيئة يسودها الفساد والشكوك وعدم التوافق سوف تسعى الى الاستئثار بالامكانات العسكرية والامنية لصالحها او لصالح الطائفة التي تمثلها.

تلك المحنة تخص في الحقيقة الابعاد التكوينية للدولة العراقية، تتعلق بالدرجة الاساس بهوية الدولة ، هل ستمضي باتجاه ان تتحول الى "دولة مكونات" وتوافقات، ام انها ستكون دولة "مركزية" صارمة، هل ستعترف بان نطاق التعايش داخلها يتم عبر مفهوم "المواطنة" الذي يلغي بالضرورة الحاجة الى جيوش للدفاع عن الطوائف؟ ام ان الشكوك بين المكونات اكثر تعقيداً من محاولات اعادة موائمتها وقسرها في نطاق "مواطنة" شكلية تنتج بيئة مفاهيمية مضطربة؟.

الاجابة عن تلك الاسئلة فقط من شأنه حسم الجدل حول المليشيات وتحولاتها ومآلاتها.