تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تنظيم القاعدة" .. والعودة الى ستراتيجية اختطاف المناطق السنية"

RTR3EFV4.jpg

"تنظيم القاعدة يسبق الجهود الامنية العراقية بخطوة او اثنتين".. ليست تلك جملة افتراضية ، بل واقع حال يتم الاعتراف به حتى لدى الاجهزة الامنية التي بدأت تدريجياً تتخلى عن خطاب تقليدي سابق يقلل من خطورة التنظيم ومساحة انتشاره ومستوى تخطيطه.

لكن الاعتراف الرسمي العراقي "الخجول" بالعجز عن قراءة نمط تفكير "القاعدة" وتوقع خطواته المقبلة والاهداف التي من الممكن استهدافها، لم يتم ترجمته حتى اليوم الى رؤية مهنية واضحة المعالم تتجاوز اجراءات الحشد العسكري في شوارع المدن وتنفيذ اعمال اعتقال عشوائية والاعتماد على منظومة استخبارية تفتقر الى المهنية.

"كلمة السر" التي اطلقها الرئيس الاميركي السابق جورج دبليو بوش نهاية العام 2006 لتقويض تنظيم القاعدة اعتمدت على عنصرين اساسيين الاول استقطاب خصوم القاعدة المحليين من داخل الوسط السني مايشمل المجموعات المسلحة التي رفعت السلاح ضد الجيش الاميركي قبل ذلك التاريخ، والثاني بناء منظومة عريضة من مصادر المعلومات تنتشر في المناطق المتوقع ان ينتشر فيها التنظيم.

"خطة بوش" امتدت الى ضرب المليشيات الشيعية التي انتشرت حينها في جنوب العراق، لكن ليس من خلال خلق مليشيات جديدة مضادة على طريقة "تنظيم الصحوة" وانما باستخدام القوات العسكرية العراقية التي تغلب عليها الصفة الشيعية، وادركت القوات الاميركية حينها ان من الصعب تحقيق توازن طائفي وعرقي داخلها.

بعد نحو ستة اعوام من ذلك التاريخ ، ومع تخلي الحكومة العراقية عن "خطة بوش" بتخليها عن مليشيا "الصحوة" وشبكة معلومات الجيش الاميركي التي كانت تضم نحو 100 الف مصدر معلومات، لم يعد غريباً ان تضرب بغداد 14 سيارة مفخخة في يوم واحد الاسبوع الماضي مع ان قوات الامن كانت اغلقت كل منافذ المدينة امام القادمين اليها من مدن اخرى قبل ايام!

اللافت في تفجيرات بغداد الاخيرة انها جميعاً نفذت من دون اضطرار تنظيم القاعدة الى التضحية بانتحاريين للقيام بها، وذلك مؤشر له دلالاته، فسلاح الانتحاريين يستخدم عندما لايكون بالامكان مهاجمة هدف من دون استخدام عناصر مفخخة.

وما يمكن الانتباه اليه ايضاً في هذا الشأن ان تنظيم القاعدة استخدم انتحاريين لاستهداف اهداف حكومية او سجون او مقرات امنية كما حدث منتصف كانون الثاني (يناير) الماضي في كركوك، لكنه يلجأ الى التفجيرات الموجهة عن بعد عندما يكون الهدف المقصود اسواقاً او تجمعات لاتنال اهتماماً امنياً كافياً.

قد تبدو تلك الملاحظة بديهية في نشاط اي مجموعة مسلحة، لكنها جوهرية لفهم طبيعة تفكير تنظيم القاعدة واهدافه المستقبلية، فمن جهة يكشف اختيار اهداف سهلة مثل الاسواق ومراكز تجمع عمال او طلاب ان التنظيم يحول بوصلته الى اهداف تحمل دلالات سياسية واعلامية، تثبت وجوده بشكل فاعل على الساحة، ومن جهة ثانية يستثمر التنظيم اجواء الشد الطائفي في البلاد لاحياء الظروف التي سمحت باندلاع الحرب الاهلية (2006 – 2008).

تتبع خريطة هجمات القاعدة تمنح للمختصين على الدوام تصوراً اقرب الى الواقعية عن نمط تفكير قيادات القاعدة في كل مرحلة من المراحل الخمس التالية:

المرحلة الاولى (2003 – 2004) : كانت تتطلب التكيف مع دعوات مقاومة الاحتلال الاميركي ورفع الشعارات الوطنية، وكانت الهجمات ترتبط مع هذا الغرض، فالتنظيم اعتمد بشكل اساسي على تجذير وجوده في مناطق غرب وشمال العراق وبغداد، وكسب اكبر عدد من المناصرين، او مايعرف في الادبيات السلفية "التمكين".

المرحلة الثانية (2005 – 2006) : انتقل التنظيم الى مرحلة مسك الارض والسيطرة عليها، وكان قد امتلك عدداً كبيراً من المتطوعين العرب المستعدين لتنفيذ هجمات انتحارية، وساعدته معركة الفلوجة (2005) في عرض نفسه كمدافع عن سنة العراق، فشرع منذ ذلك الحيد بتنفيذ هجمات كبرى ضد اهداف شيعية مهدت لضرب مرقد الامامين العسكريين (مرقد شيعي مقدس) في سامراء واندلاع الحرب الاهلية.

المرحلة الثالثة (2007 – 2008) يمكن اعتبارها المرحلة الاكثر خطورة في عمل التنظيم بالانتقال من التكتيكات التقليدية (التفجيرات، القصف بالصواريخ، المواجهات، احتلال الارض، اعلان دولة العراق الاسلامية) الى تكتيكات اكثر تعقيداً فرضتها متغيرات "خطة بوش" وانقلاب البيئة السنية التي احتضنه عليه وطرده من الانبار اهم معاقله.

في تلك المرحلة وللمرة الاولى قرر تنظيم القاعدة اختبار العمل السري والتنظيم الخيطي وزرع خلايا نائمة في مدن شيعية بعيداً عن الضغوط الامنية، ومن هناك انتج اجيالاً تتعامل مع المتغيرات الامنية كامر واقع وتتكيف مع حالة الانهيار التي اصابت العمل المسلح لصالح تطور اداء القوى الامنية العراقية، وتضاعف خبرة القوات الاميركية في قراءة نياته.

المرحلة الرابعة (2009 – 2010) كانت ستراتيجية تنظيم القاعدة تتجه الى تنفيذ عمليات كبرى في توقيت واحد تستهدف رموز الدولة ومؤسساتها، وتمهد الى الانقضاض على تلك المؤسسات حال انسحاب القوات الاميركية، واستعان لهذا الغرض بانتحاريين محليين من النساء والاطفال والرجال وحتى المتخلفين عقلياً، كما انه تحول في تلك المرحلة الى تنفيذ عمليات اغتيال باسلحة كاتمة للصوت ولاهداف معلومة مسبقاً.

المرحلة الخامسة (2011 – 2012) كانت اختباراً حقيقياً لستراتيجية التنظيم، على مستوى زرع الخلايا في المناطق الشيعية، فاستهدف انتحاريو "القاعدة" للمرة الاولى ممؤسسات ومراكز جيش وتجمعات لزوار شيعة في مدن جنوب العراق، وتلك اشارة الى نقل التنظيم ساحة عملياته الى مساحات جديدة وغير متوقعة من القوى الامنية العراقية.

حتى انطلاق التظاهرات السنية نهاية العام الماضي كانت الاستراتيجية العراقية لمحاربة "القاعدة" تتركز على الخيار العسكري والامني، فالاعتقالات وتطويق المدن والتضييق على حياة الاهالي وعسكرة المجتمع عبر نشر مئات الالاف من المقاتلين في الشوارع ، هي الاسلحة الوحيدة المتاحة بيد الدولة في مواجهة تنظيم يطور الياته وتحركاته واختراقاته باستمرار ويتكيف في كل مرة مع اي متغير امني.

كان الخلل الاوضح في تلك الاستراتيجية انها لم تحاول تدعيم الاعتدال في الاوساط السنية كاحد الاسلحة في الحرب. لم تهتم كثيراً بمواجهة "تنظيم القاعدة" بثقافة التصالح والتسامح وحل الازمات الاجتماعية والسياسية، ولم تنتبه الى تنمية اقتصاد المناطق المؤهلة لظهور التنظيم فيها ، كما انها لم تلجأ الى حماية ودعم الاعداء التقليديين للتنظيم في المناطق السنية من شيوخ العشائر ورجال الدين وقادة المجموعات المسلحة السابقة.

في غياب نظام عدالة عراقي واضح الملامح، وتصاعد شكاوى سنة العراق من التهميش والاذلال، كان انطلاق التظاهرات مؤشراً بالغ الخطورة حول نيات تنظيم القاعدة واسلوب استثمار حالة الغليان السني لصالحه.

من الصعب افتراض ان التنظيم الذي بنى نظامه الايدلوجي على تكفير الشيعة وتحليل قتلهم سيكون محايداً امام التظاهرات، فهي بالنسبة اليه فرصة ذهبية لاستعادة ماخسره على يد "خطة بوش" من المقاتلين ورجال الدين والعشائر.

ضرب الاهداف الشعبية الشيعية المتاحة ليست مهمة جديدة للقاعدة، لكنها ستكون مهمته الرئيسية خلال المرحلة المقبلة. سيطرح التنظيم نفسه كمدافع عن المكون السني، وسيعمل جاهداً على انزلاق التظاهرات الى مواجهات مسلحة وحرب اهلية جديدة، وسيدعم بالتأكيد كل الدعوات التي بدأت تتصاعد من هنا وهناك لانفصال سنة العراق في تناغم مع متغيرات الثورة في سوريا والتي يعرفها تنظيم القاعدة باعتبارها "حرب سنية".

الحكومة العراقية تركت التظاهرات تصعد من خطابها تدريجياً من دون ان تعمل بشكل جدي على معالجة الاسباب التي انطلقت من اجلها، على امل استثمار تصاعد الخطاب الطائفي لعدد من منابر التظاهرات في تدعيم موقفها (الحكومة) على المستوى الشيعي الداخلي.

لكن هذه السياسة في غاية الخطورة ، لانها تتعامل برعونة مع كارثة حقيقية تتعلق بفسح المجال لتنظيم القاعدة لاستعادة حاضنته التقليدية السنية التي فقدها.

الخبر الجيد ان نسبة العداء لتنظيم القاعدة في المناطق السنية مازال كبيراً، وان خطاب التظاهرات يدين بشكل عام اعمال القاعدة وهجماتها ويركز على وحدة البلاد والرغبة بتعايش عادل بين المكونات، لكن الخبر السيء ان السلطات العراقية التي لم تتمكن سابقاً من فهم نمط تفكير تنظيم القاعدة كما يجب، وفشلت في كسب قلوب العرب السنة عندما كانت الفرصة مواتية لذلك، لايبدو انها بمعرض البحث في معالجات كبيرة وشجاعة للخلل الاجتماعي والقانوني والسياسي الذي من شأنه منع "القاعدة" من اختطاف المناطق السنية مرة اخرى.   

More from Mushreq Abbas

Recommended Articles