تونس تشدّد العقوبات في قضايا التحرّش والعنف ضدّ المرأة

قدّمت وزارة المرأة التونسيّة، مشروع قانون جديد إلى مجلس نوّاب الشعب، يتعلّق بالقضاء على العنف ضدّ النساء، مشدّدة فيه العقوبات ضدّ جرائم العنف والتحرّش التي تستهدف المرأة، خصوصاً في الفضاء العام. لكنّ القانون لا يكتفي بتجريم العنف الجسديّ والجنسيّ، بل يعاقب في فصوله على الاستغلال الاقتصاديّ الذي تتعرّض إليه النساء في العمل، وخصوصاً في القطاع الخاصّ والتمييز في الرواتب وعدم التكافؤ في الفرص بين المرأة والرجل. لكنّ المشروع الجديد يبقى رهناً للتعديلات التي يمكن أن تطاله خلال النقاشات تحت قبّة البرلمان.

al-monitor .

المواضيع

women in the workforce, women in society, violence against women, tunisian society, tunisian constitution, sexual harassment, prison, draft law

أغس 11, 2016

قدّمت وزارة المرأة التونسيّة، منتصف شهر يوليو/تموز الماضي، مشروع قانون جديد إلى مجلس نوّاب الشعب (البرلمان)، يتعلّق بالقضاء على العنف ضدّ النساء، ويشمل وفقاً لفصله الثاني كلّ "أشكال العنف المسلّط على المرأة أساسه النوع الاجتماعيّ، مهما كان مرتكبوه وأيّاً كان مجاله من دون تمييز على أساس الوالدة أو اللون أو العرق أو الدين أو الفكر أو السنّ أو الجنسيّة أو الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة أو الحالة المدنيّة أو الصحيّة أو اللغة أو الإعاقة". ووصلت فيه العقوبات إلى حدّ السجن عامين كاملين وغرامة بخمسة آلاف دينار (2200 دولار تقريباً) ضدّ المتحرّشين. بل إنّ مشروع القانون يعاقب في فصله الـ16 بـ"السجن مدّة عام كلّ من يعمد إلى مضايقة امرأة في مكان عموميّ، بكلّ فعل أو قول أو إشارة من شأنها أن تنال من كرامتها أو اعتبارها أو تخدش حياءها"، الأمر الذي أثار موجة من السخرية على مواقع التواصل الاجتماعيّ، البعض عبر عنها بنشر صور ساخرة ونكاتاً حول عواقب التحرش بعد طرح هذا القانون، معتبراً أن حتى نظرات الإعجاب البسيطة والابتسامات تجاه المرأة في الشارع يمكن أن تلقي بصاحبها في السجن، وأضاف بعضهم، ساخراً، إن الأطفال الذين سيبتسمون للنساء في الشوارع سيعاقبون بضعهم في الإصلاحية.

وقد تميّزت فصول القانون الجديد بتشديد العقوبات ضدّ مرتكبي جريمة العنف والتحرّش مقارنة بما تنصّ عليه أحكام القانون الجزائيّ المعمول به حاليّاً، والذي يعاقب في فصله 266 مرتكب جريمة التحرش الجنسي بــالسجن مدة عام وبغرامة مالية قدرها ثلاثة آلاف دينار(1300دولار) ، والتي ستلغى بموجب هذا القانون، لو تمّ إقراره من طرف نوّاب البرلمان.

هذا التشديد في العقوبات، جاء في سياق ظهور أرقام مفزعة حول العنف المسلّط على النساء في تونس. فقد كشفت دراسة صدرت تحت عنوان "العنف المبنيّ على النوع الاجتماعيّ في الفضاء العام"، نشرها مركز الدراسات والبحوث والتوثيق والإعلام حول المرأة، في آذار/مارس 2016، عن أنّ 53% من النساء تعرّضن إلى العنف في الفضاء العام. وتشير الدراسة، التي امتدّت بين عامي 2012 و2015، إلى أنّ 41% من النساء المستجوبات تعرّضن إلى العنف الجسديّ في الأماكن العامة، فيما عاشت 75% منهنّ عنفاً جنسيّاً في الفضاء العام، أي في الشوارع وفي أماكن العمل. ويعرّف مشروع القانون الجديد العنف ضدّ المرأة بأنّه "كلّ اعتداء ماديّ أو معنويّ أو جنسيّ أو اقتصاديّ ضدّ المرأة أساسه التمييز بسبب الجنس، والذي يتسبّب بإيذاء أو ألم جسديّ أو نفسيّ أو جنسيّ أو اقتصاديّ للمرأة، ويشمل أيضاً التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان من الحقوق والحريّات، سواء في الحياة العامّة أم الخاصّة".

لكنّ الجدل والسخرية، اللذين رافقا صدور مشروع القانون، وركّزا على التشديد في عقوبة جريمة التحرّش، حجبا ما سيقدّمه القانون من دفع كبير لفرصة المرأة التونسيّة في كسب مواقع متقدّمة اجتماعيّاً واقتصاديّاً، من خلال تعزيز المساواة مع الرجل وتجريم كافة أشكال التميّز. فقد شمل مفهوم العنف ضدّ المرأة في فصول القانون الإيذاء الاقتصاديّ، إذ يجرّم في فصله الثالث، الاستغلال الاقتصاديّ للنساء، معرّفاً إيّاه بأنّه "كل فعل أو امتناع عن فعل من شأنه حرمان المرأة من الموارد الاقتصاديّة كالحرمان من المال أو الأجر أو الاحتياجات الحيويّة، والتحكّم في الأجور أو المداخيل، وحظر العمل أو الإجبار عليه"، كما يجرّم في الفصل نفسه كلّ "تفرقة أو استبعاد أو تقييد يكون من آثارها أو أغراضها النيل من الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريّات على أساس المساواة في الميادين المدنيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة".

وتواجه المرأة في تونس، صعوبات كبيرة في مجال العمل، إذ تعاني من التمييز على مستوى الرواتب مقارنة بالرجل، الذي يحصل عادة على راتب أعلى من المرأة لقاء العمل نفسه الذي يقومان به، خصوصاً للعاملين في القطاع الخاصّ، إذ يمنع قانون الوظيفة العموميّة، والذي ينظم العمل في القطاع الحكوميّ والصادر في العام 1983، في فصله الـ11، أيّ شكل من أشكال التمييز بين الرجل والمرأة. ويقول الخبير القانوني، مازن كورشيد، إن "العمل في القطاع الخاص بتونس تنظمه "مجلة الشغل"، وهو القانون الذي ينظم العمل في القطاع الخاص، وهذا القانون يؤكد في فصله الخامس على منع التميز بين الرجل والمرأة في الخضوع لأحكام القانون بصفة عامة، لكنه لا يشير بوضوح إلى مسألة المساواة في الرواتب. لكن يبقى القانون دائماً نص نظري ما لم يتنزل في وعي الناس، ولذلك تخالف بعض المؤسسات القوانين وتمنح النساء رواتب أقل من الرجال".

وتكشف دراسة أنجزتها الجمعية التونسية للحراك الثقافي، وهي منظّمة مدنيّة محلّيّة، حول انتهاكات حقوق المرأة العاملة في القطاع الزراعيّ الخاص، نشرت في آذار/مارس 2016، عن تمييز في الأجور بين النساء والرجال، في العمل نفسه والمهمّة نفسها بلغ 99℅، وقد ركّزت الدراسة على منطقة سيدي بوزيد، وسط البلاد. كما كشفت عن وجود انتهاكات للحقوق الاقتصاديّة والاجتماعيّة للنساء العاملات في القطاع الفلّاحيّ. إذ صرّحت 36% منهنّ أنّهن يمارسن عملاً يمثّل خطورة على الصحّة، كالتعرض للشمس ورفع الأحمال الثقيلة، كما كشفن عن تعرّضهنّ إلى التحرّش الجنسيّ داخل أماكن العمل. ويتعارض هذا التمييز مع فصول في الدستور التونسيّ الجديد، الذي تمّ اعتماده في عام 2014، إذ يؤكّد في فصله العشرين أنّ "المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز". ويشير في فصله الـ46 إلى أنّ "الدولة تلتزم بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة، وتعمل على دعمها وتطويرها، وتضمن تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمّل مختلف المسؤوليّات وفي كلّ المجالات"، خصوصاً أنّ تونس قد صادقت في عام 2014، على الاتّفاقيّة الأمميّة للقضاء على كلّ أشكال التمييز ضدّ المرأة، المعروفة اختصاراً بـ"سيداو".

لكن التحدّي أمام أيّ قانون، يبقى دائماً في مدى مساهمة هذا النصّ القانونيّ في تحسين وضعيّة المرأة في الواقع، وخصوصاً فصول المشروع الجديد، التي تجرّم التحرّش والعنف وتمنع التمييز ضدّ النساء في مجالات العمل. وتقول الناشطة النسوية، فاطمة الرياحي، في حديث للمونيتور :" إن المرأة تتعرض للكثير من الضغوطات عند التبليغ عن جرائم العنف والتحرش الجنسي من طرف المجتمع والعائلة وحتى من رجال الشرطة، وتتحول، للأسف، في كثير من الحالات من ضحية إلى مذنبة، إذ يعتبرها البعض هي المسؤولة عن التحرش بسبب ملابسها أو تصرفاتها، وكثيرات من الضحايا يمتنعن عن التبليغ والتوجه للقضاء خوفاً من كل هذه الضغوطات، لذلك يجب أن يتلقى هؤلاء الدعم والمساندة من المجتمع المدني من خلال التوعية بحقوقهن ودفعهن لفضح هذه الجرائم، لأن الصمت ودرء الفضيحة والإفلات من العقاب لن يكون إلا في صالح مرتكبي العنف والتحرش."

في المقابل، لا تزال العديد من القوانين والإجراءات الحكوميّة في تونس، لا تلائم الفصول الواردة في الدستور التونسيّ، الذي تمّ إقراره في عام 2014، والتي تلزم بإقرار المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في مختلف المجالات وتمنع التمييز ضدّ النساء، فمثلاً مازالت النساء في تونس لا يتمتعن بالمساواة في الميراث، إذ يستأثر الرجل بالنصيب الأوفر، تطبيقاً للنص الديني: "للذكر مثل حظ الأنثيين"، وفقاً للباب الرابع من قسم الميراث في مجلة الأحوال الشخصية ، في المقابل تطالب الحركة النسائيّة بتعديل هذه القوانين، فيما تنشغل السلطة التشريعيّة في البلاد بتغيير الحكومة والتصويت على الحكومة الجديدة والاهتمام بمسائل مكافحة الإرهاب ومعالجة الأزمة الاقتصاديّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو