نبض مصر

هل يرفع الخطاب الديني منسوب النيل في مصر؟!

p
بقلم
بإختصار
تؤدّي المؤسّسات الدينيّة دوراً متنامياً في توعية المصريّين على ضرورة ترشيد استهلاك مياه النيل، وتوقّع المعنيّون بتلك القضيّة نجاح تلك المؤسّسات في ذلك الدور، بينما رأى آخرون أنّ ذلك الدور المتنامي يعبّر عن عدم انتقال الدولة المصريّة إلى المدنيّة، وذهب المعارضون إلى أنّ الدولة تستغلّ المؤسّسات الدينيّة للتغطية على فشلها في إدارة ملف سدّ النهضة وتأثيره على حصّة مصر من مياه النيل.

القاهرة — في 3 تمّوز/يوليو من عام 2013، اجتمع عبد الفتّاح السيسي، عندما كان وزيراً للدفاع، بممثّلي القوى السياسيّة للاتفاق على خطوات الإطاحة بالرئيس المعزول محمّد مرسي ونظام الإخوان المسلمين، ولم يغب عن مشهد الاجتماع كلّ من شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب وبابا الإسكندريّة وبطريرك الكرازة المرقسيّة تواضروس الثاني. ورغم الإطاحة بالإخوان المحسوبين على معسكر مناهضي المدنيّة والساعين إلى تأسيس الدولة الدينيّة، ما زالت المؤسّسات الدينيّة حاضرة في كلّ خطوات الدولة واستراتيجيّاتها حتّى ولو كانت استراتيجيّة ترشيد استهلاك المياه في شباط/فبراير وآذار/مارس من عام 2018.

وشكّلت الحكومة المصريّة، في 6 شباط/فبراير من عام 2018، لجنة حكوميّة باسم "لجنة ترشيد استهلاك المياه" من وزراء الزراعة عبد المنعم البنّا والموارد المائيّة والريّ الدكتور محمّد عبد العاطي والأوقاف محمّد مختار جمعة لوضع استراتيجيّة لترشيد استهلاك المياه. وكانت وزارة الأوقاف الأكثر حضوراً في أنشطة تلك الاستراتيجيّة، وكان آخرها ورشة العمل المشتركة بين برنامج المياه في منظّمة الأمم المتّحدة للطفولة "اليونيسف" ووزارة الريّ والموارد المائيّة والشركة القابضة لمياه الشرب تحت عنوان "حياتنا في كلّ نقطة مياه"، التي انعقدت في 1 آذار/مارس من عام 2018.

حضر ورشة العمل ممثل عن وزارة الأوقاف مدير عام التكليفات والعضو الفنيّ في مكتب وزير الأوقاف أشرف فهمي، ممثل عن مشيخة الأزهر حسن خليل، ممثّل الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة قسّ كنيسة السيّدة العذراء مريم في مطروح متّى زكريا، وأخذوا في الاعتبار أنّ الأزهر يعتبر شريكا أساسيّاً للأوقاف في إدارة المساجد، حيث أنّ خرّيجي الأزهر أو الحاصلين على إجازة منه وحدهم حاليّاً المسموح لهم بالخطابة في المساجد بموافقة الأوقاف، وأنّ الكنائس خاضعة لإشراف وزارة الأوقاف.

وعرض ممثّلو الأوقاف والأزهر والكنيسة خطّة المؤسّسات الدينيّة لتوعية المواطنين على أهميّة المياه وحثّ كلّ الأديان على الحفاظ على ذلك المورد كجزء من خطّة الدولة أو لجنة "ترشيد استهلاك المياه".

وكانت الخطّة الدينيّة محور اهتمام العديد من الصحافيّين، ولم تكن المشاركة في الورشة السابقة وحدها أبرز أنشطة الأوقاف والمؤسّسات الدينيّة المصريّة في برنامج ترشيد استهلاك المياه، إذ نظّمت كنائس ومساجد ومديريّات أوقاف وكليّات ومعاهد أزهريّة عدّة، ندوات وورش عمل عديدة في مختلف محافظات مصر لتوعية المشاركين في تلك الندوات والورش على أهميّة ترشيد استهلاك المياه. نظمت أوقاف كفر الشيخ ندوة يوم 2 آذار \ مارس، كما نظّمت كنيسة مارجرجس بجراجوس ندوة حول ترشيد استخدام المياه في 21 شباط \ فبراير في محافظة قنا، ونظمت جامعة الأزهر في سوهاج ندوتين في 7 شباط \ فبراير و 10 آذار \ مارس.

كما يذكر أنّ وزارة الأوقاف بادرت بتوعية المواطنين على مخاطر الإفراط في استهلاك المياه وضرورة الترشيد قبل تشكيل لجنة "ترشيد استهلاك المياه"، في 6 شباط/فبراير من عام 2018، حيث خصّصت وزارة الأوقاف خطبة الجمعة في 10 كانون الثاني/يناير للحديث عن "نعمة المياه وضرورة الحفاظ عليها وترشيد استهلاكها"، بينما خصّصت الكنيسة عظة عيد الغطاس في 18 كانون الثاني/يناير للتوعية على ضرورة ترشيد استهلاك المياه.

في هذا السياق، قال أشرف فهمي لـ"المونيتور": إنّ اختيار الحكومة لوزارة الأوقاف والمؤسّسات الدينيّة لتكون جزءاً من استراتيجيّة ترشيد استهلاك المياه هو أمر طبيعيّ لأسباب عدّة، "أوّلاً لأنّ الشعب المصريّ سواء أكان مسلماً أم مسيحيّاً هو شعب متديّن بطبعه وشديد التأثر بالجانب الدينيّ في أيّ قضيّة، ثانياً لأنّ وزارة الأوقاف مختصّة بالقضايا الدينيّة بحكم إشرافها على المساجد والكنائس، وقضيّة المياه ليست قضيّة سياسيّة أو قضيّة موارد فقط، وإنّما هي قضيّة حياتيّة واجتماعيّة عامّة تدخل فيها الجوانب السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والدينيّة والإداريّة والتخطيطيّة".

وبسؤاله عن ملامح خطّة الأوقاف لتوعية المواطنين على ترشيد الاستهلاك، قال فهمي: تمّ تخصيص خطبة جمعة كلّ 4 أشهر للتحدّث عن أهميّة المياه وفضلها على الإنسان وعن تعليمات الدين الإسلاميّ بعدم الإسراف والحفاظ على الموارد بما فيها المياه، مع التنسيق مع الكنيسة لتخصيص بعض الوعظات للغرض نفسه.

وأشار إلى أنّ هناك بروتوكول تعاون تمّ توقيعه أخيراً بين وزارة الأوقاف ووزارتيّ الزراعة والموارد المائيّة والريّ، وهو ينصّ على أن تنظّم وزارة الأوقاف أكثر من 100 ندوة شهريّاً على مستوى الجمهوريّة لوضع بدائل للاستهلاك المتزايد للميا وطرق المحافظة عليها.

واتّفق معه في الرأي حسن خليل ومتّى زكريا، إذ لفت الأوّل في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ الدور المتنامي للمؤسّسات الدينيّة في توعية المواطنين لا يتعارض مع مدنيّة الدولة واستقلال صناعة القرار عن المؤسّسات الدينيّة، مشيراً إلى أنّ التوعية على القضايا الاجتماعيّة هي واجب أساسيّ لرجال الدين.

أمّا زكريا فقال لـ"المونيتور": إنّ قضية الحفاظ على المياه قضيّة عامّة، وليست قضيّة سياسيّة، ولا أحد يختلف عليها سواء أكان مسلماً أم مسيحيّاً أم مؤيّداً أم معارضاً للنظام. وبالتّالي، إنّها قضيّة كلّ المؤسّسات، بما فيها الفنيّة والثقافيّة والجامعات والمدارس والمساجد والكنائس.

من جهته، أشار الكاتب الصحافيّ المحسوب على التيّار العلمانيّ في مصر خالد منتصر في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ دور المساجد والكنائس في قضيّة المياه هو جهد مشكور، إلاّ أنّه "يحمل في طيّاته خطورة استمراريّة تأثّر المواطن بما هو دينيّ أكثر ممّا هو علميّ وثقافيّ، رغم أنّ الإسراف في استهلاك الموارد المائيّة هو أمر ضارّ وخاطئ في العديد من الإثباتات العلميّة، ولا يحتاج إلى فتوى أو نصيحة من شيخ أو قسّ. ولذلك، لا بدّ أن تسعى الدولة إلى تربية الأجيال المقبلة على اتّباع ما هو مؤكّد علميّاً في القضايا العلميّة، ولا يعني ذلك أيّ تقليل من دور الدين في حياتنا".

وقال المحلّل السياسيّ المعارض المقيم في الولايات المتّحدة الأميركيّة أحمد غانم خلال تصريحات لـ"المونيتور" عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعيّ "فيسبوك": إنّ نظام السيسي يسخّر رجال الدين من الأوقاف والأزهر والكنيسة لإيهام المصريّين بأنّ أزمات المياه التي ستلحق بمصر قريباً سببها الإسراف في الاستهلاك، وأنّ حلّها ترشيد الاستهلاك، رغم أنّ تلك الأزمات ستكون من جرّاء فشل نظامه في إيجاد حلّ لأزمة تشغيل سدّ النهضة وتأثير السدّ على حصّة مصر من مياه النيل.

واختلف معه في الرأي مدير برنامج المياه بفرع منظّمة "اليونيسف" في مصر إيهاب جبريل، إذ لفت في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ كلّ حملة توعية لا بدّ أن تخاطب الجمهور من خلال القنوات التي يفضّلها ذلك الجمهور، مشيراً إلى أنّ الشعب المصريّ ربما يفضّل التوعية من خلال القنوات الدينيّة أكثر من الإعلاميّة، والدليل أنّ حملات إعلاميّة عدّة في التسعينيّات وبداية الألفيّة لم تنجح.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept