عدد قليل من الشعراء المنشدين الجوالين الذين يُعرفون بـ "الدانقباج" يؤدون القصص الكردية

p
بقلم
بإختصار
في البلدة القديمة في مدينة ديار بكر، تم تأسيس دار الدانقباج لبعض رواة القصص الكردية المتبقين لمحاولة الحفاظ على تقاليدهم، فيما تتجه الأجيال الشابة نحو موسيقى ثقافة البوب لنقل معاناة الشعب.

ديار بكر، تركيا – يؤدي محمد اينس أغنيات عن النضال والحزن في فناء صغير وهو يصلّي في مسبحته في يده. يبلغ محمد 62 عاماً وهو طويل القامة ولحيته رمادية قصيرة. علّمه والده إنشاد الشعر منذ 46 عاماَ. يُعرف محمد بـشاعر "الدانقباج" وهو من بين العشرات من رواة القصص الكردية الذي يحافظون على هذا التقليد الذي بدأ يتلاشى. يؤدي هؤلاء أغنيات تستذكر تاريخ شعوبهم.

يتجمع أمثال اينس في الدار الذي خصصته لهم البلدية المحلية في عام 2007 في البلدة القديمة في مدينة ديار بكر، حيث يجد المئات من الأكراد العزاء بعد معاناتهم المآسي والاضطهاد.

يشعل اينس سيجارة في دار الدانقباج ويقول للمونيتور "نؤدي أغنيات عن الحب والحرب ونُعبر عن تاريخنا من خلال أغنياتنا".

لطالما حرم الأكراد في تركيا من تاريخ خاص بهم. عام 1980، تم تجريم إستخدام اللغة الكردية بعد انقلاب عسكري دموي [عام 1980] سقطت عقبه البلاد تحت الأحكام العرفية وتم تفويض الجيش لمداهمة الآلاف من اليساريين والنشطاء الأكراد وسجنهم وقتلهم.

تتهم الدولة الدانقباج بالقيام بمحاولات انفصالية من خلال تحدثهم بلغتهم الأم، مما يضطر بهم للتجول بتحفظ عبر القرى لتقديم أدائهم لشعوبهم. كلما وصل أحدهم إلى مدينة ما، تختار هذه المدينة شخصين لمراقبة الجنود الأتراك فيما يتجمع بقية السكان في بيت الضيافة للاستماع الى غناء الدانقباج.

منذ بداية الحرب [عام 1984] بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، أنتج الدانقباج تاريخ عن معاناة شعبهم غير المعترف به من قبل الدولة.

يقول محمد سينار وهو من سكان ديار بكر ويقوم بزيارات متكررة الى دار الدانقباج، "كنا نستمع إلى أشرطتهم المسجلة سراً في قريتنا".

بالرغم من تشريع استخدام اللغة الكردية في مجال النشر والتسجيل في عام 1991، قام أعضاء حزب العمال الكردستاني أحياناً بإحباط الدانقباج سعياً منه لترسيخ الثقافة الكردية في كفاحه المسلح ضد الدولة. وكمجموعة اشتراكية لم يقم هذا الحزب أبداَ بالترويج للدانقباج معتبراً إياهم من المستفيدين من الماضي الإقطاعي.

غير أنه مع إستمرار الدانقباج بإنشاد قصص عن القمع الحكومي تطورت علاقتهم مع حزب العمال الكردستاني إلى الأفضل.

خلال معركة كوباني الرمزية في خريف 2014، حيث انضم مئات من الأكراد من شرق تركيا إلى صفوف حزب العمال الكردستاني للدفاع عن مجتمعهم المضطهد من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، توافدت أسر المسلحين إلى دار الدانقباج. في تلك السنة، تم تسجيل المئات من الأغاني الجديدة مما أدى إلى تسجيل فصل جديد في التاريخ الكردي أيضا.

في هذا السياق، أكد تحسين الترك، 64 عاماً، ذو الشارب الرمادي الكثيف والأسنان الصفراء المُتسخة، وهو أحد شعراء الدانقباج، أن تهديد داعش كان حافزاً له لإنتاج الموسيقى في ذكرى أولئك الذين فقدوا أرواحهم في القتال ضد هذا التنظيم.

وقف تحسين ووضع يده اليمنى خلف ظهره ممسكاً برسغه الأيسر وأضاف "عائلتي تحارب داعش ونحن بحاجة لإنتاج تاريخ صادق لأطفالنا".

تضم ديار بكر ثلاثين منشد من الدانقباج، يقضي معظمهم أيامه برفقة نظرائه. ورغم أن أياً منهم يحصل على راتب، يقول كثيرين منهم أن المال بالنسبة لهم تضحية رمزية فداءً لراحة شعبهم.

في الخامس من حزيران، بعد يوم من انفجار قنبلة أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص في تجمع سياسي حاشد في ديار بكر، سُمعت في جميع أنحاء المدينة أغاني الدانقباج التي وضعها أصحاب المتاجر. في ذلك اليوم، وقف اينس خارج مدخل دار الدانقباج لمواساة أولئك الذين يدخلون لتكريم الموتى.

ينفخ سينار دخان سيجارته في الفناء الخلفي ويقول "لا نستطيع أن نثق بالكتب التاريخية التي وضعتها الحكومة، علينا أن نستمع إلى شعر الدانقباج لفهم نضالنا وهويتنا".

في حين لا تزال أصول تقاليدهم المتوارثة متباينة جراء تنوع جذورها، يشير العديد من منشدي الدانقباج أنه تم توارث هذا الفلكلور في أغلب الأحيان من النساء اللواتي كن تنشدن هذا النوع من الشعر حداداً على أحبائهن.

في سياق آخر، تبرز مخاوف لدى كثيرين في القرية من عدم قيام الجيل القادم بإنتاج نوع جديد من الدانقباج، فظهور ثقافة البوب ​​والتحضر السريع يجذبان المزيد من الشباب بعيداً عن هذا التقليد الذي يرجع تاريخه إلى 5000 سنة.

في هذا الإطار أفاد محمد غولي، وزير السياحة التابع لحزب الشعب الديمقراطي الموالي للأكراد أن الوزارة سعت لتعريف الشباب الكردي على هذا الفولكلور غير أن عدد قليل منهم، إن وجد، أبدى اهتمامه بتعلّم هذا الفن. فالشباب الذين يهاجرون إلى المدن الكبرى يفضلون إنتاج الروايات الكردية من خلال الفن المعاصر مثل السينما والمسرح.

أضاف غولي "لا نستطيع إجبارهم. نُقدم جولات في دار الدانقباج للطلبة الأكراد الشباب ونحن على استعداد لتدريب كل من يبدي إهتمامه."

لا يزال دار الدانقباج حتى اليوم عامل جذب سياحي متزايد يستقطب ما يقارب سبعين ألف زائر سنويا.

غير أن غولي أكد أن الحكومة لم تسدي الأكراد أي خدمة بما أن الحقوق الثقافية هي حرّيات قاتلوا من أجلها من دون إكتسابها بشكل كامل. وفيما يخشى هذا الأخير إضمحلال هذا التقليد قريباً، يبقى البعض واثقاً من أن هذا الفولكلور الكردي سيستمر لأجيال عدة."

يدير اينس أذنه للاستماع إلى الأداء الأخير ويؤكد أن تقليد الدانقباج سيستمر طالما هناك كردي واحد على قيد الحياة. 

هذا المقال جزء من سلسلة مقالات عن التراث الثقافي في الشرق الأوسط. لقراءة المزيد، اضغط هنا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : pkk, kurds in turkey, kurds in syria, kurdish rights, kurdish issue, kobani, diyarbakir, culture

Mat Nashed is an investigative journalist covering Middle East-related news. Focusing on black markets and migration, he has reported from Turkey, Lebanon and Tunisia, with his work appearing on VICE and Al-Jazeera. On Twitter: @matnashed

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept