تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حكم نهائيّ بحجب "يوتيوب" شهراً في مصر... هل تستطيع السلطات تنفيذه؟

بعد نحو 6 سنوات من نشر يوتيوب مقاطع من فيلم "براءة المسلمين" المسيء للرسول محمد، أصدرت المحكمة الإداريّة العليا في مصر، في 26 أيار/مايو حكماً نهائيّاً يلزم الحكومة بحجب موقع "يوتيوب" لمدّة شهر كعقوبة على بثّه تلك الفيديوهات، وسط تساؤلات حول إقدام الحكومة المصريّة على تنفيذ الحكم.
GettyImages-151986456.jpg

القاهرة - في 26 أيّار/مايو، أصدرت المحكمة الإداريّة العليا في مصر برئاسة رئيس مجلس الدولة المصريّ المستشار أحمد أبو العزم حكماً نهائيّاً يلزم الجهاز القوميّ المصريّ لتنظيم الاتصالات بغلق موقع الفيديو "يوتيوب" وحجبه لمدّة شهر كعقوبة على بثّه مقاطع فيديو من فيلم مسيء للرسول محمّد في حزيران/يونيو من عام 2012، وسط تساؤلات حول إقدام الحكومة المصريّة على تنفيذ الحكم.

والفيلم حمل اسم "براءة المسلمين" وانتجه نيقولا باسيلي نيقولا، ونشرت مقاطع منه على يوتيوب في حزيران/يونيو من عام 2012، ما دفع المحامي المصري محمّد حامد سالم إلى رفع دعوى قضائية لمعاقبة يوتيوب إلى أن أصدرت محكمة القضاء الإداريّ في 9 شباط/فبراير من عام 2013، حكماً أولياً بغلق موقع "يوتيوب" شهرًا، لكن الحكومة لم تنفذه طوال تلك السنوات وطعنت عليه.

بيد أن المحكمة، التي تعدّ الأعلى في البلاد وأحكامها ملزمة للحكومة، أيّدت حكم محكمة القضاء الإداريّ بعد نحو 5 سنوات من صدوره، بغلق موقع "يوتيوب" المملوك لشركة خدمات الإنترنت الأميركيّة العملاقة "جوجل"، بعدما أثار عرض الفيلم عاصفة من الاحتجاجات العنيفة في البلاد خلّفت مئات المصابين.

سالم الذي رفع القضية قال لـ "المونيتور" إنّ الحكم يعدّ ثأراً لكرامة المصريّين بعد الإساءة إلى رسولهم.

وقالت المحكمة العليا في أسباب تأييدها للحكم: "إنّ عرض مقاطع الفيلم على يوتيوب، أثّر على الأمن القوميّ الداخليّ، بعدما استغلّه مثيرو الفتن لتغذية الطائفيّة وضرب الوحدة الوطنيّة في البلاد، واجتاحت التظاهرات وأعمال العنف الكثير من أرجاء البلاد للتنديد بهذا الفيلم المسيء" .

واعتبرت المحكمة، الحكم بمثابة "ردع وإنذار لتلك المواقع ولكلّ من تسوّل له نفسه العبث بالمعتقدات والثوابت الدينيّة والروحيّة للشعب المصريّ، بحجّة حريّة الفكر والتعبير لإثارة البغضاء والكراهيّة بين أبناء الشعب الواحد، وتقسيمه إلى أحزاب وشيع متصارعة غير متّحدة على عبادة الإله الواحد".

ولفت في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ "يوتيوب يدفع ثمن تلاعبه بمعتقدات الشعوب العربّية والإسلامية"، مشيراً إلى أنّ عرض الفيلم تسبّب في انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا في أعقاب ثورات الربيع العربيّ.

وفي 12 أيلول/سبتمبر من عام 2012، تعرّضت القنصليّة الأميركيّة في بنغازي إلى هجوم نفّذه مسلّحون، احتجاجاً على الفيلم الأميركيّ المسيء للرسول، الأمر الذي أسفر عن مقتل السفير الأميركيّ لدى طرابلس جي كريستوفر ستيفنز "خنقاً"، و3 أميركيّين.

وأكّد محمّد حامد سالم أنّ لا رقابة كافية على محتويات موقع "يوتيوب" التي تنشر، ولا بدّ من اتّخاذ مزيد من الضوابط لضمان احترام ثقافات الشعوب ومعتقداتها.

وعن تنفيذ الحكم، رأى أنّ الحكومة المصريّة ملزمة بحجب الموقع من خلال منع وصول المستخدمين المصريّين الذين يصل عددهم إلى 70 مليون مستخدم إليه، وقال: "إنّ الحكومة رفضت حجب الموقع عقب صدور الحكم الأوّل في عام 2013 بحجّة أنّه من الصعب حجبه، لكنّها الآن تستطيع، مثلما فعلت مع المواقع الإلكترونيّة التي تحرّض ضدّ الدولة".

وحتّى أيلول/سبتمبر الماضي، حجبت السلطات المصريّة أكثر من 400 موقع إلكترونيّ، من بينها مواقع صحافيّة وحقوقيّة، منها موقع منظّمة "هيومن رايتس ووتش" الأميركيّة لاتّهامها بالتحريض ضدّ الدولة، بحسب المفوضيّة المصريّة للحقوق والحريّات.

ولم تعلن الحكومة المصريّة والجهاز القوميّ لتنظيم الاتصالات – المسؤول عن تنفيذ الحكم- موقفاً رسميّاً في شأن الحكم أو آليّات تنفيذه، فيما نقل موقع "اليوم السابع" المحليّ عن مسؤول في جهاز الاتصالات أنّهم ينتظرون وصول الصيغة الرسميّة للحكم، لبحث إمكانية تنفيذه.

بيد أنّ مراقبين وخبراء في عالم الاتصالات تحدّثوا لـ"المونيتور"، استبعدوا فكرة إقدام الحكومة على حجب موقع الفيديوهات الشهير. علمًا بأن الحكومة ملزمة بتنفيذ الحكم فور انتهاء إجراءات تسلمها الصيغة الرسميّة للحكم التي عادة ما تستغرق نحو شهر.

وقال باحث في أمن المعلومات بجامعة "النيل" المصريّة المهندس وليد حجّاج: إنّ الجهاز القوميّ للاتصالات المصريّ يستطيع أن يحجب موقع يوتيوب فنيّاً مثلما حجبت مواقع إلكترونيّة عدّة خلال العام الماضي، ولكن لا أظنّ أنّ الحكومة المصريّة ستقدم على تلك الخطوة لأسباب عدّة.

وأوضح في حديث لـ"المونيتور" أنّ مصر دولة ليست ذات مركز قوّة اقتصاديّ أو تكنولوجيّ أو سياسيّ مثل الصين أو الولايات المتّحدة الأميركيّة تستطيع الضغط على الشركات مزوّدة خدمة الإنترنت، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنّ حجب يوتيوب سيتسبّب في تأثّر الخدمة بموقع "جوجل"، وقال: إنّ "جوجل" و"يوتيوب" يقدّمان خدمات كثيرة إلى المستخدمين في مصر، من بينهم المؤسّسات الحكوميّة. كما أنّ مصر لا تملك البدائل لتلك الخدمات.

وأضاف: "أتمنّى أن نستطيع تنفيذ الحكم حتّى نكون أداة ضغط على الشركات المقدمّة للخدمة وأن نكون قادرين على معاقبتها إذا أخطأت في حقّنا وقامت بشيء يضرّ بالدولة، لكنّ الواقع يثبت غير ذلك".

من جهته، اعتبر الخبير في مجال الاتصالات هشام عبد الغفّار، أنّ تنفيذ الحكم يتوقّف على قرار سياسيّ، متسائلاً: "هل تستطيع الجهات الحكوميّة تحمّل التكلفة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة التي ستنتج من حجب يوتيوب، الذي يتبع لشركة جوجل؟ بالطبع لا".

ولفت في حديث لـ"المونيتور"، إلى أنّ يوتيوب له تأثير طاغِ على مناحي الحياة في مصر. وبالتّالي، الحكم لا يتماشى مع الواقع الذي يشهد اقتصاديّات واستثمارات كبيرة بالموقع، الذي أصبح مجال عمل للعديد من أصحاب المحتوى، مؤكّداً أنّ الحكومة المصريّة سبق وخاطبت شركة يوتيوب في خضم أزمة نشر مقاطع الفيلم المسيء وشرحت لها الموقف. ولقد تعاونت للغاية، وحذفت غالبيّة روابط.

ومع تصاعد وتيرة التطرّف في العالم، إنّ تعرّض "يوتيوب" إلى الضغوط السياسيّة والانتقادات دفعه للجوء إلى تقنيّات الذكاء الاصطناعيّ لرصد المحتوى المحظور وحذفه مثل التحريض على العنف والكراهيّة والتطرّف.

وأشار أستاذ علم الاجتماع السياسيّ في الجامعة الأميركيّة بالقاهرة، سعيد صادق، لـ"المونيتور"، إلى أنّ الحكم لا يمكن تنفيذه، ولن تنفّذه الحكومة، وقال: إنّ الحكومة ومؤسّساتها ستتضرّران بشدّة في حال حجبه، ونحن في الجامعات أصبحنا نعتمد عليه في تدريس الطلاّب.

وأكّد صادق أنّ هناك طرقاً أخرى لمواجهة تلك الفيديوهات بتنظيم حملات توعية كبيرة على مستوى الجمهوريّة لرفع الوعي لدى المواطنين، وأيضاً زيادة وعي الشباب.

ورغم أن رئيس مجلس الدولة المصري الأسبق، محمد حامد الجمل أكد لـ"المونيتور"، إن الحكومة ملزمة بتنفيذ الحكم تطبيقًا للشرعية الدستورية والقانونية للبلاد مهما كانت الصعوبات. إلا أنه لا يبدو أن الحكومة ستقدم على تننفيذه.