تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

في مصر... أصحاب المتاجر والمقاهي والمؤسّسات مجبرون على إقامة الحملة الانتخابيّة للسيسي

لافتات دعم السيسي تملأ جميع المدن في مصر وتثير السخرية قبل الانتخابات، فهل هي في عشق الرئيس أم بالإجبار؟
Sisi_Egypt.jpg

القاهرة: وسط الازدحام المرهق في ميدان السيّدة زينب الشهير، على بعد بضعة كيلومترات من ميدان التحرير في وسط القاهرة، حيث ينتشر الباعة الجائلون، محاولين استمالة المتسوّقين والموظّفين في مؤسّسات القطاع العامّ المحيطة، أصبحت عشرات اللافتات المؤيّدة للرئيس عبد الفتّاح السيسي التي تسيطر على الميدان، وتسدّ النظر على لوحات المحلّات والمتاجر الموجودة في الميدان، إحدى العلامات الأكثر بروزاً ولفتاً للانتباه، غير أنّ أغلب هذه اللافتات موقّعة من أصحاب المتاجر والمطاعم والمقاهي في الحيّ، في الوقت الذي تستعد البلاد لانتخابات رئاسية في 26 إلى 28 مارس الجاري، وهي التي تبدو محسومة مسبقا.

خلال الأسابيع الأخيرة، يلقى الانتشار المفرط للّوحات الدعائيّة للرئيس السيسي، أغلبها يحمل تأييد أصحاب المتاجر والشركات وحتّى المقاهي، سخرية واسعة في الشارع المصريّ وعلى مواقع التواصل الاجتماعيّ، فكتب أحد المستخدمين منشور "نحن لا نسير في شوارع مصر ولكن في حساب انستجرام السيسي"، بينما تداول آخرون صورة تضم لوحة دعم كتب عليها: "جانثر وجميع عاملي سنترال بارك يؤيّدون الرئيس"، في إشارة إلى المقهى الشهير في المسلسل الأميركيّ Friends وغيرها، تفاعل روّاد مواقع التواصل الاجتماعيّ مع امتلاء الشوارع المصريّة بلوحات تأييده.

يوضح محمّد أحمد -طلب تغيير اسمه لحمايته- عامل في مطعم كشري مطلّ على ميدان السيّدة زينب، لـ"المونيتور" أنّه منذ أسبوعين، جاءت عربات الشرطة والبلديّة في المنطقة وأخلت الميدان من الباعة الجائلين خلال الساعة الثامنة صباحاً، تلتها شاحنات ضخمة تحت رقابة الشرطة، وعلّقت عدداً من اللوحات المؤيّدة للرئيس، بعضها موقّع باسم المحلّات التجاريّة، مضيفاً بابتسامة: "انظر إلى اللوحة أمام متجري، أنا لم أعلّقها، السلطات هي من جاءت ووضعتها هنا".

وأضاف: "في الأيّام التالية، علّقت المحلّات لوحات تأييد للرئيس"، موضحاً أنّ مسؤولين في البلديّة طافوا على بعض المحلّات واقترحوا عليها تعليق لوحات تأييد، في حين علّقها آخرون من جرّاء أنفسهم، خشية أن يظهروا أمام الشرطة والبلديّة في الحيّ بأنّهم لا يريدون فوز السيسي بفترة رئاسيّة ثانية".

يشير العامل إلى أنّ هناك استياء كبيراً لدى أصحاب المتاجر في المنطقة من سياسات الرئيس، لكن ليس لديهم خيار آخر، لا سيّما أنّهم يدركون أنّ الانتخابات محسومة، وعليهم إظهار دعمهم لعدم التعرّض إلى مضايقات من البلديّة والشرطة.

يشرح العميد السابق في الشرطة المصريّة محمّد محفوظ، والذي أعد الكثير من الدراسات حول دور الشرطة في الحياة المصرية لـ"المونيتور": "من الواضح أنّ هناك ضغوطاً تمارسها الأجهزة الأمنيّة والمحلّيّات على أصحاب المتاجر والمؤسّسات الخاصّة من أجل إعلان تأييدها السلطة"، موضحاً: "الفترة الرئاسيّة الأولى للسيسي كانت صعبة على أصحاب المتاجر والمحلّات الذين شعروا بالاستياء من التعويم والتضخّم، وما سبّباه من انخفاض القوّة الشرائيّة لدى المصريّين، لذا فما الذي يدفع أصحاب المتاجر وحتّى رجال الأعمال الذين تعرّضت تجارتهم إلى ضربات موجعة، إلى إظهار دعمهم للحكومة بحماس ودفع أكثر من 800 جنيه لتعليق لافتة"؟

ويوضح محفوظ نفوذ الأجهزة الأمنيّة والمحلّيّات في ظلّ النظام الحاليّ -خصوصاً في الأحياء– بأنّها باتت تلعب دور الموجّه والآمر، وحتّى مرتكب الخروق، من دون أن تكون عليها ضوابط أو متابعة من الأجهزة الرقابيّة في الدولة.

ويكشف الشرطيّ السابق عن المضايقات التي يمكن أن يواجهها أصحاب المتاجر إذا لم ينصاعوا إلى هذه الأوامر، بوقف التصاريح، أو تكسير أدوات المتاجر خلال حملات التفتيش، وكذلك التذرّع بأسباب صحّيّة أو مخالفات لقواعد العمل لغلق المتاجر موقّتاً.

كما يرى أستاذ العلوم السياسيّة والاجتماعيّة في جامعة حلوان في القاهرة عمّار علي حسن لـ"المونيتور" أنّه بشكل عام يلجأ أصحاب المتاجر والمقاهي إلى إعلان دعمهم للنظام من أجل تفادي أيّ صدام مع الشرطة والسلطة المحلّيّة أو تداعيات انتقاميّة منها.

غير أنّ هذه الضغوط على أصحاب المتاجر والمحلّات في القاهرة شكّلت فرصة بالنسبة إلى دور طباعة الإعلانات في مصر، هذا ما يوضحه علي محمّد، وهو موظّف في دار طباعة في أرض اللواء في الجيزة لـ"المونيتور"، قائلاً إنّ بين 20 و25 تاجراً وصاحب محلّ يأتون إلى داره يوميّاً من أجل طلب طبع لافتات تأييد للرئيس السيسي، موضحاً أنّ داره تنتج ما يقارب الـ120 متراً يوميّاً من اللوحات المطبوعة والتصاميم، بطلبات من أصحاب المتاجر.

وأضاف علي محمد" " طلب مني الكثير من هؤلاء طباعة لوحات تحمل التصميم ذاته وحينما سألتهم عن مصدر هذه التصميمات أجابوا بأن الشرطة اعطتهم هذه التصميمات."

ويعترف طه السيّد، وهو صاحب متجر عطور في السيّدة زينب، بأنّ اللافتة التي علّقها أمام متجره كلّفته 800 جنيه (46 دولار) ، شاملة الطباعة والأخشاب التي علّقها عليها، في حين قال آخرون إنّ اللافتة كلّفتهم ما يقارب الـ1000 جنيه (57 دولار)، وتصل إلى أكثر من ذلك حسب الأحجام والجودة.

لكن بالنسبة إلى أصحاب المقاهي، فالمطلوب منهم دعم أكثر، يشرح محمّد هاشم – طالب بتغيير اسمه لحمايته- وهو صاحب مقهى في شارع شامبليون في وسط البلد، لـ"المونيتور"، موضحاً أنّ أفراد شرطة جاؤوا إلى المقهى منذ أسبوعين، وطلبوا حصر عدد العمّال فيه، وأعطوه 4 قمصان مكتوب عليها "انزل شارك من أجل مصر"، وأمروا العمّال بارتدائها خلال فترات العمل.

يوضح خبير أجنبيّ في مركز بحثيّ دبلوماسيّ في القاهرة -طالب بعدم ذكر اسمه- أنّ الحكومة المصريّة تعتمد في حشدها في الشارع من أجل السيسي على النوّاب المحلّيّين والأحزاب السياسيّة التي أصبحت صوتاً للنظام، مثل حزب النور والمصريّين الأحرار، وكذلك رؤساء الأحياء والشرطة وغالبيّة النقابات.

وتابع: "الجميع يحاول إظهار دعمه للسيسي من أجل الحفاظ على علاقات جيّدة مع السلطات، فهو أفضل لتجارتهم، لأنّه في مصر يمكن للسلطات بسهولة غلق متاجر أو مقاهٍ"، مشيراً إلى أنّه على الرغم من هذه الدعاية، إلّا أنّ التوقّعات تقول إنّ نسبة المشاركة ستكون محرجة للنظام في هذه الانتخابات.

في 24 كانون الأوّل/ديسمبر الماضي، عقدت حملة "علشان تبنيها" مؤتمراً ضخماً في فندق في القاهرة تحت عنوان "المصريّون يجبرون السيسي على الترشّح لفترة رئاسيّة ثانية"، زعم خلاله المنظّمون جمع توقيعات أكثر من 12 مليون مواطن لدعم إعادة انتخاب السيسي.

ويؤكّد عمّار علي حسن أنّه على الرغم من تراجع شعبيّة السيسي، إلّا أنّه يحاول تقديم نفسه كـ"مرشّح الشعب"، فليس هو الذي يريد الترشّح لفترة رئاسيّة ثانية وإنّما الشعب هو الذي يريده، من خلال الكثير من الحملات التي تظهر للمواطن بأنّ أشخاصاً عاديّين يريدون استمرار حكمه، في حين أنّ هذه الحملات مدعومة في شكل غير مباشر من أجهزة الدولة، مثل حملة "علشان تبنيها" و"يلّا سيسي" و"كلّنا معاك من أجل مصر" وغيرها، بينما تبدو الحملة الرسميّة للسيسي غائبة من أجل إفساح المجال أمام هذه الحملات الشعبيّة.

More from A correspondent in Egypt

Recommended Articles