تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

النساء المصريّات يخرجن عن صمتهنّ وسط تسليط الضوء عالميّاً على التحرّش الجنسيّ

فيما تمنح الحملات على مواقع التواصل الاجتماعيّ الكثير من النساء فرصة الكلام والتعبير في مصر، ما زال هناك أمور كثيرة ينبغي القيام بها في البلد في ما يتعلّق بالتحرّش الجنسيّ.
Egyptian protesters hold up placards and shout slogans during a demonstration in Cairo against sexual harassment on February 12, 2013. Egyptian protesters took to the street again to demand an end to sexual violence, as campaigns against the repeated attacks in central Cairo pick up steam. Sexual harassment has long been a problem in Egypt, but recently the violent nature and frequency of the attacks have raised the alarm.   AFP PHOTO / KHALED DESOUKI        (Photo credit should read KHALED DESOUKI/AFP/Gett

قبل سنتين، تعرّضت سميّة طارق المعروفة في الإعلام المصريّ بـ "فتاة المول"، لتحرشّ جنسيّ في مركز للتسوّق في مصر الجديدة شرقي القاهرة. وعندما طاردت المتحرّش بشجاعة، اعتدى عليها جسديّاً قبل أن يصل حرّاس الأمن لإنقاذها. وقد التقطت كاميرات المراقبة مشاهد الحادثة، وتمّ توقيف الرجل.

وتحدّثت طارق عن تفاصيل الحادثة المروّعة في برنامج حواريّ على قناة "النهار" التلفزيونيّة الخاصّة. لكنّ مقدّمة البرنامج، ريهام سعيد، اتّهمتها بأنّها " تسبّبت لنفسها بالتحرّش بسبب ارتدائها قميصاً بلا كمّين". وعرضت المقدّمة أيضاً صوراً خاصّة لطارق وهي ترتدي ثوب سباحة حصل عليها فريق الإعداد من هاتف طارق الخليويّ – من دون الحصول على إذن مسبق منها.

واعتبرت سعيد أنّه "إذا ارتدت المرأة ملابس فاضحة ومثيرة، فليس مفاجئاً أن تتعرّض للتحرّش".

وأثارت تصاريحها غضب المدافعين عن حقوق المرأة والناشطين الإلكترونيّين الذين أطلقوا حملة على وسائل التواصل الاجتماعيّ مطالبين بتوقيف البرنامج. فرضخت إدارة "النهار" لضغوط الناشطين، وعلّقت برنامج سعيد لأشهر عدّة، وحُكم على المتحرّش بالسجن لمدّة شهر واحد وبدفع غرامة قيمتها مئة جنيه مصريّ (حوالى 6 دولارات أميركيّة).

لكن القصّة لم تنتهِ عند هذا الحدّ.

ففي وقت سابق من هذا الشهر، بعد سنتين بالضبط من اليوم الذي تعرّضت فيه طارق للاعتداء، هاجمها المعتدي مجدداً بقصد الانتقام منها. فانتظرها خارج مقهى بالقرب من منزلها وشطب وجهها بأداة حادّة (تعتقد طارق أنّها سكّين جيب أو شفرة). ثمّ هرب وتركها تنزف على الرصيف.

ونُقلت طارق إلى المستشفى وهي مصابة بجرح ممتدّ من خدّها الأيمن إلى شفتها.

وقالت لاحقاً في مقابلة بُثّت على موقع "المصري اليوم" الإخباريّ الخاصّ: "احتجتُ إلى 50 قطبة لإغلاق الجرح المفتوح في وجهي". وحذّرت طارق، التي كانت الجهة اليمنى من وجهها متورّمة إلى حدّ كبير وعينها مغمضة بالكامل، النساء من عدم الإبلاغ عن حوادث التحرّش "وإلا تعرّضن لمصير مشابه".

وقالت: "تخاصمتُ مع عائلي وخسرتُ الكثير من أصدقائي. قبل الإبلاغ عن التحرّش، فكّرن في ما قد يحصل لكنّ. فقد ينتهي الأمر بكنّ مثلي، مع ندبة دائمة على وجوهكنّ. لو عاد الزمن بي إلى الوراء، لما فعلتُ ذلك مجدداً".

لقد كسرت النساء المصريّات الصمت بشأن العنف الجنسيّ منذ فترة قصيرة. فقبل انتفاضة 2011 التي أجبرت الرئيس السابق حسني مبارك على التنحّي، كان عدد النساء اللواتي أبلغن عن تعرضهنّ لتحرّش جنسيّ قليلاً، ونادراً ما تحدّث الإعلام عن حوادث التحرّش والعنف الجنسيّ.

وقالت علياء سليمان، مديرة الاتصّال في منظّمة "خريطة التحرّش"، وهي منظّمة مصريّة تطوّعية غير حكوميّة تسعى إلى وضع حدّ للتحرّش الجنسيّ، لـ "المونيتور": "كانت النساء يخشين أن يتمّ لومهنّ على الاعتداء أو أن يجلبن العار لعائلاتهنّ". وأشارت إلى أنّ أكثريّة الضحايا القلائل الذين تشاركوا قصصهم عبر منصّة "خريطة التحرّش" الإلكترونيّة، التي أطلقت سنة 2010، فعلوا ذلك من دون ذكر أسمائهم.

لكنّ الوضع تغيّر مع الثورة.

وقالت سليمان: "حصل تحوّل كبير منذ العام 2011. فمع كسر حاجز الخوف والكلام عن الحريّة والعدالة الاجتماعيّة، أصبحت النساء أكثر إدراكاً لحقوقهنّ وبدأن يرفعن الصوت بشكل متزايد بشأن هذا الموضوع. وقد شجّعت التغطية الإعلاميّة المتزايدة لحوادث التحرّش الجنسيّ منذ الانتفاضة عدداً أكبر من النساء على كسر الصمت. وكانت نساء كثيرات يعتقدن أنّ التحرّش يعني تحسّس الجسم أو الاعتداء الجسديّ، لكنهنّ بتن يعرفن أنّهنّ لسن مجبرات على تحمّل التحرّش اللفظيّ أيضاً".

وعلى الرغم من التطوّر المحرز في مجال مكافحة التحرّش الجنسيّ، ما زالت نساء كثيرات يخشين التعرّض للوم أو النبذ إذا أبلغن عن التحرّش، خصوصاً في مكان العمل، على حدّ قول سليمان.

وبحسب دراسة أجرتها منظّمة الأمم المتّحدة سنة 2013، تعرّض نحو 99% من النساء المصريّات لـ "شكل من أشكال التحرّش"، و"أبلغ 47% من النساء المطلّقات أو المنفصلات عن تعرّضهنّ لعنف منزليّ". وينتشر التحرّش بشكل كبير في مصر إلى درجة أنّ بعض المدافعين عن الحقوق وصفوه بأنّه "وباء". وقد أدّت سلسلة من حالات الاعتداء الجنسيّ الوحشيّ في أماكن الاحتجاج منذ انتفاضة كانون الثاني/يناير 2011 والضغوط الكبيرة التي مارستها مجموعات المجتمع المدنيّ إلى إصدار قانون طال انتظاره يجرّم التحرّش والاعتداء الجنسيّ في تموز/يوليو 2014. وفيما شجّع هذا القانون، الذي اعتبره صندوق الأمم المتّحدة للسكّان في مصر "خطوة مهمّة نحو ضمان سلامة النساء والفتيات المصريّات في الأماكن العامّة"، عدداً أكبر من النساء على الإبلاغ عن حوادث التحرّش، يبقى أن يصبح رادعاً فعّالاً للمعتدين. وقالت سليمان: "ذلك لأنّ رجالاً كثيرين ما زالوا لا يدركون أنّهم قد يواجهون عقوبة جنائيّة أو لأنّ بعضهم ما زال يعتقد أنّه يستطيع استهداف النساء والإفلات من العقاب".

وفي منتصف تشرين الأول/أكتوبر، صنّف استطلاع أجرته "مؤسّسة تومسون رويترز" القاهرة على أنّها "المدينة العملاقة الأكثر خطورة على النساء"، ما أثار جدلاً واسعاً في مصر. واستند المسح، الذي شمل 19 "مدينة صاعدة تضمّ أكثر من 10 ملايين نسمة"، إلى مقابلات مع 20 خبيراً وأجوبة 380 شخصاً تمّ استطلاع آرائهم عبر شبكة الانترنت. وركّز على مدى الحماية التي تتمتّع بها المرأة من العنف الجنسيّ ومن الممارسات الثقافيّة المؤذية، وعلى ما إذا كان للمرأة نفاذ إلى الموارد الماليّة والرعاية الصحيّة والتعليم. ووفقاً للخبراء في مجال حقوق المرأة، ازدادت معاملة المرأة في العاصمة المصريّة سوءاً منذ انتفاضة 2011. فقد أعطت الحكومة الاقتصاد المتدهور الأولويّة على حساب حقوق المرأة ومسائل أخرى. لكنّ مسؤولين من المجلس القوميّ للمرأة – الهيئة الحكوميّة المسؤولة عن معالجة شؤون المرأة المصريّة – اعتبروا أنّ حقوق المرأة تحسّنت في السنوات الأخيرة مع إعلان الرئيس عبد الفتّاح السيسي عام 2017 "عام المرأة المصريّة". وشدّدت إيمان الشريف، وهي عضو بارز في المجلس القوميّ للمرأة، على أنّ "النساء يتمتّعن حالياً بتمكين سياسيّ واقتصاديّ" وأنّهنّ وصلن إلى مراكز رفيعة في مختلف المجالات. وسألت في مقابلة بثّتها شبكة "بي بي سي العربيّة: "لدينا امرأة محافظة وعدد من النساء النائبات ونساء جنرالات في الجيش. من يمكنه القول إنّ النساء المصريّات لم يحصلن على حقوقهنّ؟".

وانتقد المجلس القوميّ للمرأة، في بيان رسميّ أصدره في 18 تشرين الأول/أكتوبر، نتيجة المسح باعتبارها "غير مقبولة" و"بلا أساس"، مضيفاً أنّ النتيجة تتعارض مع نتائج "دراسات جديّة قائمة على أبحاث معمّقة" تستند استنتاجاتها إلى مؤشّرات إحصائيّة "موثوقة" وأجريت باستخدام وسائل معترف بها دولياً وذات مصداقيّة مثبتة. وجاء في البيان ما يأتي: "نحن مدركون تماماً للتحدّيات التي تواجهها المرأة المصريّة، وتعمل الدولة على تخطّيها من خلال استراتيجيّة مخطّط لها بدقّة تهدف إلى تمكين المرأة بحلول العام 2030". وأشار البيان إلى إنجازات إيجابيّة تمّ تحقيقها في السنوات الأخيرة، من بينها "تشريعات صديقة للمرأة وزيادة الوعي بشأن حقوق المرأة وتغيّر ذهنيّة الرجال ومواقفهم تجاه المسائل المتعلّقة بالمرأة".

وتزامن نشر المسح مع حملة #أنا أيضاً على مواقع التواصل الاجتماعيّ التي حثّت النساء في العالم أجمع على تشارك قصصهنّ مع التحرّش الجنسيّ بهدف تسليط الضوء على حجم هذه المشكلة. وفي ظلّ انتشار الحملة بسرعة، تحدّت نساء مصريّات كثيرات المعايير الاجتماعيّة بالانضمام إلى نساء من حول العالم وتشارك تجاربهنّ مع التحرّش الجنسيّ علناً على "فيسبوك" و"تويتر". وبعد ساعات من إطلاق الحملة، نشرت الناشطة جيجي ابراهيم التغريدة الآتية: "#أنا أيضاً تماماً ككلّ امرأة في هذا البلد #مصر".

ومع أنّ الحملات على مواقع التواصل الاجتماعيّ، مثل #أنا أيضاً ومنصّة "خريطة التحرّش" الإلكترونيّة، تسمح للكثير من النساء المصريّات بالتعبير عن آرائهنّ و، بحسب المحلّلين، "تضفي طابعاً ديمقراطياً على النسويّة"، ما زال هناك أمور كثيرة ينبغي القيام بها في مصر. وقالت رئيسة جمعيّة نهوض وتنمية المرأة، إيمان بيبرس، لـ "المونيتور": "يجب أن يتحمّل جميع أفراد المجتمع – نساء ورجال – مسؤوليّاتهم. نادراً ما يتقدّم الشهود العيان للإدلاء بشهاداتهم. ويجب أن يتوقّف الإعلام عن لوم الضحايا وتصويرهم على أنّهم "نساء خبيثات". ويشكّل إنفاذ القوانين التي تحمي المرأة والإقرار بحجم العنف الجنسيّ في البلد خطوتين في الاتّجاه الصحيح أيضاً".