تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ترشيح دكروري... يفجّر صداماً مرتقباً بين الرئاسة والقضاء في مصر

يبدو أن قرار قضاة مجلس الدولة المصري بترشيح المستشار يحيى دكروري منفردًا لرئاسة المجلس، بداية صدام مرتقب بين مجلس الدولة والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بعدما لوّح الأخير باستخدام سلطاته القانونية ردًا على القرار المفاجئ والجريء.
A view of the High Court of Justice in Cairo, Egypt, January 21, 2016. Egypt's highest appeals court adjourned the retrial of former president Hosni Mubarak until April on charges over the killing of protesters during the 2011 uprising that ended his 30-year rule. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany - RTX23D41

القاهرة- في 13 أيّار/مايو، فاجأت الجمعيّة العموميّة لقضاة مجلس الدولة المصريّ، الأوساط القضائيّة والسياسيّة المصريّة، بعدما رشّحت المستشار يحيى دكروري منفرداً إلى رئاسة المجلس، باعتباره أقدم الأعضاء في المجلس.

وتنتهي مدة رؤساء هيئات "قضايا الدولة والنيابة الإدارية ومجلس القضاء الأعلى" في 30 حزيران/ يونيو المقبل بينما يختلف الوضع بالنسبة لمجلس الدولة، حيث سيبلغ رئيس المجلس الحالي المستشار محمد مسعود سن السبعين (سن تقاعد القضاة) في 19 تموز/ يوليو، وبحسب القانون الجديد يتعيّن على كل هيئة إرسال أسماء 3 مرشحين وذلك قبل 60 يوماً من خلو المناصب الرئاسية لها.

وقد شكّل ترشيح مجلس الدولة للمستشار يحيى دكروري منفرداً تحدّياً واضح لقانون تنظيم تعيين رؤساء الهيئات القضائية الجديد رقم 13 لسنة 2017 الذي صدّق عليه الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي في 27 نيسان/أبريل الماضي، وسط توقّعات بصدام مرتقب بين الرئاسة ومجلس الدولة.

ويرى مراقبون، أن قرار قضاة مجلس الدولة يتضمن رسالتين للرئيس؛ الأولى أنهم لا يقبلون بسلطته في اختيار رئيسهم ومتمسكين باستقلالهم، والثانية إحراج الرئيس أمام الأوساط السياسية والقضائية فإذا وافق على ترشيح "دكروري" يصبحون منتصرين لرأيهم، أما إذا عاندهم "السيسي" واختار قاضي آخر غير "دكروري" سيظهر بأنه لا يحترم رغبة القضاة في استقلالهم.

وأصرّت الجمعيّة العموميّة التي تمثّل القضاة كافّة في مجلس الدولة، على عدم تطبيق القانون الجديد الذي يلزمها بترشيح ثلاثة قضاة يختار بينهم الرئيس، وتمسّكت بمبدأ الأقدميّة المطلقة، الذي كان معمولاً به قبل إصدار القانون الأخير. وأرسل مجلس الدولة بعد ذلك خطاباً للسيسي في 15 أيار/مايو، بترشيح دكروري فقط.

وردّاً على موقف مجلس الدولة، قال الرئيس السيسي خلال حواره مع رؤساء تحرير الصحف القوميّة في 17 أيّار/مايو، إنّ "القضاء مؤسّسة محترمة تحبّ مصر وتخاف عليها، أمّا بالنسبة إلى مجلس الدولة فقد درس الموضوع في شكل متكامل، ووضع اختياره، وسأتّخذ قراري طبقاً للقانون وللمصلحة الوطنيّة". ويسمح قانون تنظيم تعيين رؤساء الهيئات القضائية الجديد بأن يختار الرئيس المصريّ رئيساً لمجلس الدولة من بين أقدم سبعة قضاة فيه، إذا لم تلتزم الهيئات القضائيّة بترشيح 3 قضاة.

ورأى أستاذ القانون الدستوريّ في جامعة المنصورة الدكتور صلاح فوزي أنّ "ترشيح مجلس الدولة المستشار يحيى دكروري منفرداً غير قانونيّ ولا يعتدّ به، وغير ملزم للرئيس أبداً".

وأضاف فوزي في تصريحات عبر الهاتف لـ"المونيتور"، أنّ مبدأ "الأقدميّة" الذي تتمسّك به الهيئات القضائيّة عرف قديم اتّبعه الرؤساء السابقون لم ينصّ عليه الدستور ولا القانون، لافتاً إلى أنّ قانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972 في المادة رقم 83، أعطى الرئيس سلطة تعيين رئيسه بعد أخذ رأي الجمعيّة العموميّة.

وقال نائب رئيس مجلس الدولة المصريّ المستشار محمود أحمد في تصريحات إلى موقع مدى مصر، في 14 أيّار/مايو، إنّ "الخطوة المقبلة سيحدّدها قرار الرئيس ليكشف عن الهدف الحقيقيّ وراء إصدار القانون". وأضاف أنّه إذا استبعد السيسي القاضي دكروري الذي أصدر حكماً بمصرية جزيرتي تيران وصنافير من رئاسة مجلس الدولة، والقاضي أنس عمارة المحسوب على تيّار استقلال القضاء والذي ألغى أحكامًا بالإعدام التي تستند على تحريات الأمن الوطني، من رئاسة القضاء الأعلى، سيؤكّد كافة الشكوك بأن النظام أطاح بهما بسبب أحكامهما. والتزم مجلس القضاء الأعلى بالقانون وأرسل للسيسي 3 مرشحين بينهم "أنس عمارة"، على عكس قرار مجلس الدولة بترشيح دكروري فقط.

وقال الباحث القانونيّ في وحدة أبحاث القانون والمجتمع في الجامعة الأميركيّة في القاهرة مصطفى شعت، إنّ قرار الجمعيّة العموميّة على الرغم من مفاجأته، إلّا أنّه يعدّ امتداداً لرفض مجلس الدولة الصريح والقويّ للقانون أثناء مناقشته وقبل التصديق عليه، على عكس الجهّات الأخرى.

وفي بداية طرح القانون، عارضه القضاة واعتبروه تعدّياً على مبدأ استقلال القضاء والفصل بين السلطات، قبل أن تمتثل محكمة النقض والنيابة الإداريّة وهيئة قضايا الدولة إليه، وتقدّم مرشّحيها وفق القانون الجديد.

وأشار شعت إلى أنّ "رضوخ 3 هيئات قضائيّة للقانون بإرسال مرشّحيها، وتمرّد مجلس الدولة فقط لم يحرج النظام ولا يضغط عليه بقدر ما أحدث فرقة داخل الهيئات القضائيّة نفسها، وأظهر انقساماً في الرأي لم تشهده مؤسّسة القضاء من قبل".

وأضاف: "القانون حتّى الآن حقّق ما يريده النظام في ضرب استقرار الهيئات القضائيّة، لكي يعيد ترسيم الدور السياسيّ للقضاء ويحجّمه، بعدما برز عقب احتجاجات 30 حزيران/يونيو 2013".

وأوضح: "للمرّة الأولى في تاريخها، لا تعرف الهيئات القضائيّة من رئيسها المقبل، بعدما خرجت مسألة اختياره من يدها وباتت في يدّ الرئيس".

وبعد تمرير القانون في 27 نيسان/أبريل الماضي، أقام المحامي المستقلّ عصام الإسلامبولي، دعوى قضائيّة لإسقاط القانون بدعوى عدم دستوريّته، لاشتماله على مخالفات 25 مادّة في الدستور، فضلاً عن مساسه باستقلال السلطة القضائيّة. وفي الجلسة الأولى، قرّرت المحكمة حجز الدعوى للحكم في 13 حزيران/يونيو المقبل.

وقال الإسلامبولي لـ"المونيتور" إنّ القانون منعدم، كونه صدر بانحراف في سلطة التشريع من قبل البرلمان بعدما وافق عليه دون أن يأخذ رأي القضاة في التعديلات الجديدة حسبما تقول المادّة 185 من الدستور بأن "يؤخذ رأي كل جهة أو هيئة قضائية فى مشروعات القوانين المنظمة لشئونها"، مؤكّداً أنّ مجلس الدولة وقف منتصراً للدستور بإرساله مرشّحاً واحداً فقط، وكان ينبغي على الجهّات القضائيّة كافّة أن تفعل ذلك أيضاً.

أضاف: "مجلس الدولة وضع الأمور في نصابها الصحيح واتّخذ قراراً بما لا يتعارض مع الدستور، وبالتالي هو موقف صحيح وعظيم وشجاع ويحسب لرجال مجلس الدولة".

وأكّد الإسلامبولي أنّ أمام الرئيس خيارين، الأوّل تعيين دكروري التزاماً بقرار الجمعيّة العموميّة لمجلس الدولة، والثاني أن يعاند الرئيس ويختار قاضٍ آخر، وفي تلك الحالة من المرجّح أن يتّجه دكروري إلى مقاضاة الرئيس.

وقال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة القاهرة الدكتور حسن نافعة إنّ "القضاء لا ينبغي أن يعمل بالسياسة إطلاقاً، وينبغي أن يتصرّف كسلطة مستقلّة عن السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة، هذا هو المبدأ الراسخ في أيّ أنظمة سياسيّة فيها قدر ولو ضئيل من الديمقراطيّة"، مضيفاً: "الأنظمة الشموليّة أو الدكتاتوريّة وحدها هي التي تخضع السلطة القضائيّة وأيضاً التشريعيّة إلى ولاية السلطة التنفيذيّة، وهذا ما يحدث الآن في مصر".

وأردف: "ما يحدث في مصر هو إزالة الخطوط الفاصلة بين السلطات وتجميع كلّ السلطات في يدّ رئيس الجمهوريّة، بما فيها الهيمنة على سلطة القضاء"، مشيراً إلى أنّه بموجب القانون الجديد، سيكون للرئيس الكلمة العليا في نهاية المطاف في اختيار القضاة الذين يستطيع أن يتعامل معهم، أو يخضعون إلى أوامره في واقع الأمر".

وتابع: "هو أسوأ قانون صدر في تاريخ القضاء بالكامل، ولم يجرؤ أيّ من الرؤساء السابقين بمن فيهم الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر الذي قام بما عرف بـ"مذبحة القضاء" على تعديل قاعدة الأقدميّة في القضاء، مثلما حدث في قانون الهيئات القضائيّة".

وأضاف: "ما قام به مجلس الدولة ليس تحدّياً للرئيس، لكنّه تعبير عن رفضهم للقانون الذي يهدر مبادئ الدستور واستقلال القضاء، وليس صراعاً سياسيّاً، وإنّما صراعاً حول احترام سلطة القضاء واعتباره سلطة مستقلّة عن السلطة التنفيذيّة".

وأكّد أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة القاهرة: "إذا اعتبر السيسي قرار مجلس الدولة بترشيح دكروري تحدّياً شخصيّاً له، واختار غيره، سيعطي ذلك رسالة سلبيّة جدّاً إلى الشعب المصريّ وإلى الهيئات القضائيّة، وسيبدأ صراع سياسيّ في هذه الحالة بين السلطة القضائيّة والرئاسة، باعتبارها السلطة السياسيّة، وتكون السلطة السياسيّة الخاسر الأكبر في هذه القضيّة".

من المنتظر أن يعلن السيسي، أسماء رؤساء 3 هيئات "قضايا الدولة والنيابة الإدارية ومجلس القضاء الأعلى" قبل يوم 30 حزيران/ يونيو المقبل، أما رئيس مجلس الدولة يعلن اسمه قبل يوم 19 تموز/ يوليو.

More from Muhammed Magdy

Recommended Articles