تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مصر... أكثر من 3 تريليون جنيه من الديون وقرارات إقتصاديّة أصعب في الطريق

تنتظر مصر موجة جديدة من غلاء الأسعار بسبب شروط قرض صندوق النقد الدوليّ، في الوقت الذي لم تستفيق فيه البلاد بعد من القرارات الإقتصاديّة الصعبة التي تمّ اتّخاذها في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي.
Central Bank of Egypt's headquarters is seen in downtown Cairo, Egypt, November 3, 2016. Picture taken November 3, 2016. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany - RTX2S4YT

القاهرة: في 17 أيّار/مايو من عام 2017، أشار كريس جارفيس، رئيس بعثة صندوق النقد الدوليّ إلى مصر في تصريحات لقناة سي بي سي المصرية، إلى أنّ مجلس الصندوق سيوافق في غضون أسابيع على صرف الشريحة الثانية من القرض الموقّع مع مصر بقيمة 1.25 مليار دولار، لافتاً في تصريحاته إلى أنّ الحكومة المصريّة يجب أن تكبح التضخّم، مؤكّداً تفاؤل الصندوق بجهود مصر لإلغاء دعم منتجات الطاقة على مدى 3 سنوات.

ويذكر أنه في 11 آب/أغسطس من عام 2016، أعلن جارفيس أنّه تمّ التوصّل إلى إتّفاق مع الحكومة المصريّة يسمح بحصول مصر على  قرض بقيمة 12 مليار دولار لدعم برنامج الحكومة للإصلاح الإقتصاديّ لمدّة 3 سنوات. ومن أجل الحصول على القرض، اضطرّت مصر الإلتزام ببرنامج إقتصاديّ، خطواته الأولى هي تحرير سعر صرف الدولار الأميركيّ أمام الجنيه ورفع الدعم المحروقات البتروليّة، وهو القرار الذي تمّ اتّخاذه في 3 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2016.

وفي 11 نوفمبر، وبعد القرارات الإقتصاديّة، تسلّم البنك المركزيّ المصريّ 2.75 مليار دولار من صندوق النقد الدوليّ، ويمثّل هذا المبلغ الشريحة الأولى من قرض الصندوق البالغ 12 مليار دولار. وأدّت هذه القرارات إلى ارتفاع معدّل التضخّم بنسبة كبيرة، حيث وصل المعدّل إلى 31.5 في المئة خلال نيسان/إبريل الماضي.

لم يكن قرض صندوق النقد الدوليّ، هو القرض الوحيد الذي تسعى مصر إلى الحصول عليه، فهناك إتّفاق على قرض آخر مع البنك الدوليّ بقيمة 3 مليارات دولار، تسلّمت مصر الدفعة الثانية منه في آذار/مارس من عام 2017.

إلى جانب قروض المؤسّسات الدوليّة، وافق مجلس النوّاب المصريّ في 3 أيار/ مايو على قرض بين مصر وصندوق النقد العربيّ بقيمة 332 مليون دولار لدعم العجز الكليّ في ميزان المدفوعات الناشئ عن التراجع الحادّ في عائدات السياحة.

ولكن... هل تستطيع مصر الالتزام بسداد ديونها الخارجيّة؟

أشار الخبير الإقتصاديّ الدكتور وائل النحاس إلى أنّ سياسة الاستدانة المصريّة هي طريق "للهلاك"، وقال لـ"المونيتور": إنّ مصر تعاني من مشكلات إقتصاديّة مركّبة ومعدّل تضخّم مرتفع للغاية. وفي الوقت نفسه، تستنزف الدولة احتياطيات الدولار في مشاريع مثل العاصمة الإداريّة الجديدة.

ورأى أنّ الأزمة ليست في الاستدانة وحسب، ولكن في توجيهها إلى مشاريع غير مهمّة في هذا الوقت، وقال: "يجب أن تستثمر الحكومة في مجالات التعليم والصحّة، وإعادة تشغيل المصانع المتوقّفة عن العمل نتيجة الأزمات الاقتصادية".

واعتبر أنّه "كان من الخطأ اللّجوء إلى صندوق النقد الدوليّ منذ البداية"، مشيراً إلى أنّ حجم الدين العام وصل إلى 3 تريليون جنيه في 3 سنوات، وهو رقم صعب، وقال: "بدءاً من 1 تمّوز/يوليو المقبل وهو بداية العام المالي الجديد 2017/2018، ستشهد البلاد موجة صعبة جدّاً في ارتفاع الأسعار، أصعب من الموجة السابقة، بسبب شروط صندوق النقد الدوليّ المتمثلة في خفض فاتورة الدعم الحكوميّ للخدمات المقدّمة إلى المواطنين في قطاعات الطاقة". ورأى أنّ التّعامل الحكوميّ مع الأزمة الإقتصاديّة خاطئ تماماً.

وبحسب شروط صندوق النقد الدوليّ، يجب أن تخفّض مصر دعم الطاقة إلى 1.75 في المئة من الناتج المحليّ خلال هذا العام، على أن تخفّضها لاحقاً إلى أقلّ من 0.5 في المئة، وإعداد خطّة عمل لإعادة الاستقرار الماليّ إلى الهيئة العامّة للبترول التي تعاني من مليارات الديون لشركات البترول الأجنبية، وزيادة الإنفاق الإجتماعيّ بمقدار 25 مليار جنيه على الأقلّ، وفرض ضريبة على نشاط البورصة.

من جهته، رأى أستاذ التمويل والاستثمار في جامعة القاهرة هشام إبراهيم أنّ الحكومة المصريّة يجب أن تقيّم التجربة السابقة والتي تمثلت في الشريحة الأولى من قرض صندوق النقد وشروطها، فمعدّل التضخّم ارتفع بنسبة كبيرة. كما أنّ اللجوء إلى رفع سعر الفائدة في البنوك سيؤدّي إلى توقّف الإنتاج، متسائلاً: "لماذا يلجأ المستثمر إلى العمل في الوقت الذي سيوفّر له البنك فيه فائدة تصل إلى 20 في المئة على أرصدته وودائعه؟".

ورأى هشام إبراهيم أنّ الخطأ ليس في سياسة الاستدانة بحدّ ذاتها، بل إنّ الاستدانة ضروريّة بسبب عجز الموازنة، ولا بديل، لكنّ المشكلة الحقيقيّة في معدّل النمو الإقتصاديّ الذي تتوقع مصر أن يصل إلى 4% في العام المالي الحالي وقال: "إذا ارتفع معدّل النمو الإقتصاديّ، فلا قلق من الديون، لأن أرباح ذلك النمو ستتمكن من سدادها، لكنّي أرى أنّ الحكومة لا تسير في الاتّجاه الصحيح لجلب الاستثمارات بسبب رفع أسعار الفائدة، لأنّ هذا الأمر سيجعل المستثمر يضع أمواله في البنك ويتوقّف عن الإنتاج.

ورفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة الرئيسية 200 نقطة أساس (2%) خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية التابعة له، الأحد 21 أيار/مايو.

وقال البنك في بيان في 21 أيار/ مايو إنه زاد سعر الفائدة على الودائع لأجل ليلة واحدة إلى 16.75 بالمئة بدلا من 14.75 بالمئة، ورفع سعر فائدة الإقراض لليلة واحدة إلى 17.75 بالمئة من 15.75 بالمئة، في أول زيادة منذ رفع الفائدة 300 نقطة أساس دفعة واحدة في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 إثر تعويم الجنيه.

وأكّد هشام إبراهيم أنّ الحكومة فشلت في زيادة الموارد، رغم رفعها أسعار الكهرباء وتقليل دعم البترول، لافتاً إلى أنّ الحكومة ستلجأ مرّة أخرى إلى تقليص فاتورة الدعم، وهو قرار صعب إجتماعيّاً في ظلّ الارتفاع الكبير بالأسعار، وقال: "رغم تردّي الوضع الإقتصاديّ، إلاّ أنّ هناك أملاً، فمثلاً سيصبح قطاع البترول قطاعاً داعماً للإقتصاد المصري بقوة، بعد الاكتشافات البتروليّة في البحر المتوسّط وأبرزها اكتشافات امتياز ظهر".

أضاف: "يجب أن تنتهي العمليّة الإصلاحيّة بسرعة، فهذا هو الأمل الوحيد، لأنّ كلّما طالت المدّة سترتفع الأسعار، وهو ما يزيد من الغضب المجتمعيّ،" مؤكداً أنّ "الحلّ يبدأ بخفض معدّل التضخّم وخفض سعر الفائدة".

ورغم القرارات الإقتصاديّة الصعبة التي اتّخذتها الحكومة في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، لا يلمس المواطن تحّسناً في أوضاعه المعيشيّة، في الوقت الذي ينتظر فيه ضربة أخرى في تموز/يوليو المقبل من خلال ارتفاع جديد في الأسعار وفي معدّل التضخّم بسبب الخفض المتوقع في الدعم مع بداية العام المالي الجديد.

ووصل حجم الدين العام المصريّ، بحسب تصريحات الرئيس عبد الفتّاح السيسي، إلى أكثر من 3 تريليون جنيه، وهو الرقم الذي يثير تساؤلات عدّة حول طرق السداد، وكيف ستكون حياة المصريّين أفضل في ظلّ هذا الإقتصاد المكبّل بالديون؟

More from Ismael El-Kholy

Recommended Articles