تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل تنجح حكومة البحرين في فرض هيبتها أمام نفوذ عيسى قاسم؟

الحكومة البحرينيّة أمام تحدّ كبير لتثبت صحّة قراراتها بتوسيع صلاحيّات محاكمها العسكريّة في مواجهة العمليّات الإرهابيّة المتصاعدة، ومدى قدرتها الفعليّة على كبح جماح احتجاجات المعارضة الشيعيّة المستمرّة ضدّ حكم آل خليفة منذ شباط/فبراير من عام 2011 في ميدان اللؤلؤة.
A protester, holding a Bahraini flag, confronts a riot police armoured personnel carrier in an attempt to stop it from entering the village of Bilad Al Qadeem south of Manama, January 6, 2015.
  Bahraini police fired rubber bullets and tear gas to scatter protesters who gathered outside the home of Sheikh Ali Salman, a Shi'ite Muslim opposition leader on Monday, witnesses said, after he was remanded in custody for a further 15 days. Around 100 protesters angry at the decision had assembled outside his house

قرّرت المحكمة الجنائيّة الكبرى في العاصمة المنامة بشمال البحرين في 14 مارس الحالي تأجيل النطق بالحكم للمرّة الثانية، ضدّ زعيم الشيعة في البحرين رجل الدين عيسى قاسم إلى 7 أيّار/مايو المقبل، بعد أن تأجّل في 27 شباط/فبراير الفائت إلى 14 آذار/مارس الحاليّ.

وفي اجابته على سؤال "المونيتور" عن سير المحاكمة، قال عبدالرحمن خشرم محامي الدفاع عن عيسى قاسم: أنه لا يتوقع انه يكون هناك تأجيل جديد في جلسة مايو المقبل وان الحكم الذي ستعلنه المحكمة الجنائية يمكن الاستئناف ضده، وانه لا يوجد حتى الان حكم قضائي أو قرار امني باعتقال "قاسم" .

السلطات البحرينيّة اتهمت عيسى قاسم خلال جلسات المحاكمة، بتأسيس تنظيمات تابعة لمرجعيّة سياسيّة طائفيّة متطرّفة ترتبط بالخارج مثل إيران والعراق، وبجمع الأموال من دون تصريح وتهريبها إلى العراق وإيران منذ عام 2009، من ضمنها مبلغ 10 ملايين دولار وجد في حساب مصرفيّ باسمه في "بنك المستقبل" بالبحرين احتجزته السلطات البحرينيّة.

ويبدو أنّ أتباع قاسم، الذين ما زالوا معتصمين أمام منزله في قرية الدراز بشمال غرب البحرين، تضامناً معه منذ أن أعلنت وزارة الداخليّة البحرينيّة في 20 حزيران/يونيو 2016 إسقاط الجنسيّة البحرينيّة عنه، نجحوا في إحراج حكومة البحرين أمام الرأي العام، فهي لا تستطيع إعلان تراجعها عن محاكمة قاسم، ومن جهة أخرى تخشى من التبعات الأمنيّة الغاضبة من الأغلبيّة الشيعيّة في الداخل مثل مسيرات حاشدة او عمليات إرهابية في حال تنفيذ حكم السجن أو الابعاد خارج البحرين أو بهما معا ضدّ قاسم، الذي يقيم حاليّاً في منزله بقرية الدراز بشمال غرب البحرين، وبحماية المئات من الشيعة البحرينيين المستعدّين للموت، "كما يقولون" دفاعاً عن زعيمهم. ولهذا كما يبدو لم تبادر السلطات البحرينية إلى اعتقاله حتى الان ولم تتمكن من إجباره على حضور المحاكمات .

المواجهات العنيفة التي شهدتها قرية المعامير جنوب العاصمة المنامة في 14 مارس الحالي بين اتباع "قاسم" الغاضبين من محاكمة شيخهم وقوات مكافحة الشغب البحريني ترجح أنّ ثمّة ردود أفعال متوقّعة من أتباعه الغاضبين لن تلتزم بالسلميّة في حالة اعلان الحكم وستكون مستعدة فعليا لتنفيذ تهديدات قياداتها الدينية ومنهم ممثل قاسم في إيران الشيخ عبدالله الدقّاق، الذي قال في كانون الثاني/يناير الفائت: إنّ محاكمة قاسم ستشعل حمّامات الدمّ في المنطقة كلّها، وليس البحرين فقط.

ووفقاً لتعديل الفقرة "ب" من المادّة 105 من الدستور البحرينيّ، الذي يحدد صلاحيات المحاكم العسكرية ويمنع تجاوزها لغير العسكريين في النص القديم " يقتصر اختصاص المحاكم العسكريّة على الجرائم العسكريّة التي تقع من أفراد قوّة الدفاع والحرس الوطنيّ والأمن العام، ولا تمتدّ إلى غيرهم إلاّ عند إعلان الأحكام العرفيّة" أصبحت صلاحيات المحاكم العسكرية واسعة وتشمل المدنيين بعد حذف جملتي يقتصر الاختصاص، ولا تمتد إلى غيرهم ، ليصبح نص الفقرة "ب" الجديد "ينظّم القانون القضاء العسكريّ ويبيّن اختصاصاته في كلّ من قوّة دفاع البحرين والحرس الوطنيّ وقوّات الأمن العام".

عليه يمكن إحالة المشاركين في المواجهات المتوقعة ضد قوات الأمن البحريني للمحاكم العسكرية ، وذلك بعد مصادقة ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة على التعديل الجديد خلال شهر من رفعه من قبل رئيس الحكومة للديوان الملكي ليصبح نافذاً.

ورغم أنّ التعديل الجديد، الذي حصل على موافقة 32 نائباً من أصل 35 نائباً حضروا جلسة التصويت في 21 شباط/فبراير الفائت من إجماليّ عدد أعضاء المجلس النيابيّ البحرينيّ البالغ 40 نائباً، سيؤدّي إلى توسيع صلاحيّات المحاكم العسكريّة لتشمل أيضاً المدنيّين الذين سيتهمون مستقبلا بالقيام بأعمال عنف، وأغلبهم شيعة، ضدّ الجنود والمنشآت والمعدّات العسكريّة،

إلاّ أنّ الكثيرين من رجال الدين الشيعة في البحرين وإيران والعراق لم يظهروا اهتمامهم وغضبهم من تعديل الدستور والأحكام التي تعرّض لها أتباعهم الشباب الشيعة في البحرين، بقدر غضبهم المعلن من احتمال خسارتهم المالية الناجمة عن توجّهات الحكومة البحرينيّة لمراقبة جمع "الخُمس" وهي أموال يجمعها رجال دين شيعة يعرفون بالوكلاء الشرعيّين في منطقة الخليج، ومنهم قاسم، الذي يعتمد عليه عدد من كبار المرجعيّات الشيعيّة في إيران والعراق ممّن يحملون صفة "آية الله العظمى" مثل المرجع الدينيّ محمّد سعيد الحكيم في العراق ومرشد الثورة في إيران المرجع علي خامنئي، في جمع "الخُمس" نيابة عنهم من أتباعهم الشيعة سواء أكانوا تجّاراً أم موظّفين وعمّالا ًالذين يدفعون 20 في المئة من دخلهم وأرباحهم الماليّة كواجب ديني إلى الوكيل المحليّ مثل "قاسم" الذي يحتفظ بثلث الأموال لنفسه ويرسل ثلثيها إلى المراجع الشيعية في إيران والعراق الذين يفترض ان يقوموا بتوزيعها على سلالة النبي محمد وهم "آل البيت" والايتام والمساكين.

ولقد أصدر "علماء البحرين"، وهم مجموعة رجال دين شيعة بحرينيّين معارضون لحكم آل خليفة ومقرّبون من إيران، في 28 شباط/فبراير الفائت على مواقعها في فيسبوك وتويتر، بياناً شديد اللهجة اتّهموا فيه السلطات البحرينيّة بأنّها تهدف من محاكمة قاسم إلى تهديد الطائفة الشيعيّة باستهداف فريضة الخُمس".

وقال رئيس القضاء العسكريّ العميد يوسف راشد فليفل أمام البرلمان البحرينيّ في جلسة التصويت على التعديل : إنّ الهدف من التعديل الدستوريّ هو مكافحة الجرائم الإرهابيّة، لا العاديّة.

من جهته، قال رئيس اللجنة التشريعيّة في مجلس النوّاب البحرينيّ محمّد ميلاد خلال جلسة التصويت ذاتها : إنّ التعديل الدستوريّ موجّه للمدنيّين العاملين في المؤسّسات العسكريّة بالدرجة الأولى.

ورغم أنّ أغلب النوّاب الشيعة البالغ عددهم 13 نائباً ممّن فازوا في إنتخابات مجلس النوّاب البحرينيّ في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2014 كمستقلّين بسبب مقاطعة الأحزاب الشيعيّة الرئيسة مثل جمعيّة الوفاق الوطنيّ، التي كانت تعتبر أنّ الإنتخابات بلا جدوى وتكرّس الواقع السياسي القائم على السلطة المطلقة، قد صوّتوا لصالح التعديل الدستوريّ ما عدا 3 نوّاب شيعة فقط امتنعوا عن التصويت، إذ لفت اثنان منهم، وهما جميلة السمّاك وعلي العطيش إلى أنّ التعديل يحتاج إلى مزيد من الدراسة، وطالبا بالتريّث وعدم الاستعجال. أمّا الثالث مجيد العصفور فأشار إلى أنّ النصّ الجديد مفتوح وغير منضبط، ويمكن إساءة استخدامه ضدّ المدنيّين، إلاّ أنّ نائباً شيعيّاً بحرينيّاً من ضمن الموافقين على التعديل، طلب عدم ذكر اسمه، قال ردّاً على سؤال لـ"المونيتور" عن سبب تصويتهم لصالح التعديل ومدى اقتناعهم بتطمينات الحكومة بحصر استخدام القانون الجديد ضدّ الإرهابيّين فقط، وليس ضدّ المعارضة السلميّة: إنّ بعض الذين وافقوا على التعديل ما زالت لديهم شكوك في الدوافع الحقيقيّة للتعديل وفي التعهّدات التي سمعوها من المسؤولين العسكريّين والأمنيّين بعدم إساءة استخدام القانون الجديد ضدّ المعارضين السياسيّين، ولم نقتنع بكلام رئيس اللجنة التشريعيّة في مجلس النوّاب محمّد ميلاد، خصوصاً تبريره للتعديل الدستوريّ بأنّه موجّه للمدنيّين العاملين في المؤسّسات العسكريّة فقط، ورغم اننا لم نجد ضرورة لتعديل النص القديم ولم نرضى عن النص الجديد، الا اننا اضطررننا للموافقة خضوعا لرغبة ملك البحرين في اجراء التعديل الدستوري، رغم ما نتوقّعه من خسارة في الشارع الشيعيّ، إلاّ أنّ خسارتنا في حال رفضنا ستكون أكبر فاخترنا أخفّ الضررين.

وفي ظلّ استمرار بقاء قاسم في البحرين وبقاء الاعتصامات حول منزله واستمرار التوتّرات السياسيّة بين إيران ودول الخليج، لا يمكن التنبؤ بمدى نجاح حكومة رئيس وزراء البحرين خليفة بن سلمان آل خليفة التي تعاني من أزمات إقتصاديّة وسياسيّة في التفاهم مع المعارضة السياسيّة، ولا بقدرة المحاكم العسكريّة على مواجهة العنف المتصاعد في البحرين منذ عام 2011.

More from Ibrahim al-Hatlani

Recommended Articles