تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

رعب القدس: انتفاضة فلسطينية أم هجوم من تنفيذ "الدولة الإسلامية"؟

يشير الهجوم بالشاحنة في القدس إلى أنه ليست للانتفاضة الفلسطينية قواعد أو إطار عمل أو هرمية قيادية.
Israeli soldiers work at the scene where police said a Palestinian rammed his truck into a group of Israeli soldiers on a popular promenade in Jerusalem January 8, 2017. REUTERS/Ronen Zvulun TPX IMAGES OF THE DAY - RTX2XYKA

خرج شاب فلسطيني يقود شاحنة عن طوره في الثامن من كانون الثاني/يناير الجاري ودهس جنوداً إسرائيليين، ما أسفر عن مقتل أربعة جنود ثلاثة منهم نساء، في متنزه أرمون هنتسيف جنوب شرق القدس. بعد بضع ساعات، حضر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى مكان الاعتداء معلناً: "نعرف هوية المهاجم الذي كان يدعم الدولة الإسلامية بحسب ما توحي به كل المؤشرات". وفقاً لنتنياهو، تهبّ رياح "الدولة الإسلامية" في كل مكان، بما في ذلك القدس.

وقد اعتبر نتنياهو أن استخدام شاحنة لشنّ الهجوم هو نسخةٌ عن عمليات دهس نفّذها تنظيم "الدولة الإسلامية" بواسطة الشاحنات على غرار الاعتداء الذي شهدته مدينة نيس الفرنسية والهجوم على سوق لعيد الميلاد في برلين. ولفت أيضاً إلى أن الهجمات بواسطة الشاحنات تجسّد المبادئ التأسيسية التي يقوم عليها تنظيم "الدولة الإسلامية": زرع الموت والدمار بمختلف الوسائل المتاحة وفي كل الأماكن الممكنة. تساعد هذه النظرية رئيس الوزراء على إبعاد الضرر عن صورة "رجل الأمن" التي يسعى إلى الظهور بها في نظر الرأي العام على الرغم من الهجوم؛ وتمنحه نوعاً من العذر لمساواة القدس بالمدن الغربية. نعم، تهبّ رياح "الدولة الإسلامية" المرعبة هنا أيضاً، بحسب نتنياهو، وهي رياح مهلكة يصعب جداً التصدّي لها أو محاربتها.

في الثامن من كانون الثاني/يناير الجاري، توقّفت حافلة عسكرية في متنزه أرمون هنتسيف الخلاّب في القدس. ترجّل عشرات الطلاب في كلية تدريب الضباط التابعة للجيش الإسرائيلي من الحافلة للاستماع إلى شروحات من أحد الأدلاء السياحيين. فجأةً، اقتحمت شاحنة بيضاء متوسطة الحجم المكان، واندفعت بقوة نحو الرصيف، ودهست بوحشية الجنود الذين كانوا يتنظّمون بعد ترجّلهم من الحافلة. توقّف سائق الشاحنة، فادي القنبر، من جبل المكبر في القدس الشرقية بعد بضعة أمتار، وقاد الشاحنة نحو الخلف لدهس الجرحى من جديد. في هذه المرحلة، تقدّم الدليل مسرعاً نحو القنبر وأطلق رصاصات عدة باتجاهه من مسدسه. غير أن القنبر واصل هجومه المسعور. ثم تقدّم ضابطان من الجيش الإسرائيلي وفتحا النيران على الإرهابي بواسطة أسلحتهما الشخصية. أُردي القنبر بعد نحو دقيقة على وحشيته الشديدة التي أسفرت عن مقتل أربعة طلاب عسكريين وإصابة 15 آخرين نُقِلوا إلى المستشفيات المجاورة. واحدٌ على الأقل من الجنود المصابين حالته حرجة.

هذه كانت وقائع هجومٍ إرهابي يتحدّى التوقعات. لم يتعرض القنبر للتوقيف سابقاً، ولم يكن ناشطاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يكن يُعرَف عنه أنه إسلامي متشدّد أو حتى أنه شخص متديّن. غير أن لحيته الشبيهة بلحى السلفيين ربما تكشف عن جنوحه مؤخراً نحو التشدد في معتقداته. ليس واضحاً بعد إذا كان قد استلهم الهجوم من هجمات أخرى نفّذها تنظيم "الدولة الإسلامية" بواسطة الشاحنات، أو إذا كان قد اتخذ قراره بصورة تلقائية عندما وقع نظره على الجنود الإسرائيليين في المتنزه.

في تشرين الأول/أكتوبر 2015، اندلعت الانتفاضة الفردية المسمّاة أيضاً انتفاضة السكاكين. وقد أفلتت من عقالها على امتداد أشهر عدّة قبل أن تبدأ بالانحسار إلى أن بلغت ما بدا أنه موتها النهائي في الأسابيع الأخيرة. يُظهر الهجوم بالشاحنة أن شرارة الانتفاضة لم تنطفئ. ليست لديها قوانين، ولا قواعد، ولا هرمية. إنها انتفاضة عفوية مجنونة ذات أمزجة متغيّرة داخل المجتمع الفلسطيني. يبدو أنها مستوحاة فعلاً من نمط الهجمات التي يشنّها تنظيم "الدولة الإسلامية" والتي يمكن مشاهدتها عبر مختلف شاشات التلفزة أو الكمبيوتر في الشرق الأوسط. ولا تتوافر سوى وسائل محدودة لمكافحة هذه الظاهرة. بل إنه من الأجدى بالإسرائيليين أن يعتادوا على الوضع الجديد ويركّزوا على الحد من المخاطر.

في العام 2016، أورد جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) أنه من بين جميع المجتمعات المسلمة في مختلف أنحاء العالم، العرب الإسرائيليون هم الأقل دعماً لتنظيم "الدولة الإسلامية" وأيديولوجيته. في ليل الثامن من كانون الثاني/يناير الماضي، خلال اجتماع للحكومة الأمنية، أشار الشاباك إلى تسجيل ارتفاع ملحوظ في دعم العرب الإسرائيليين لتنظيم "الدولة الإسلامية"، بحسب مصادر أمنية. إذا كان صحيحاً أن العرب الإسرائيليين، الذين هم مواطنون في إسرائيل، بدأوا يميلون نحو "الدولة الإسلامية"، لعل ذلك ينطبق بصورة أكبر على عرب القدس الشرقية أو فلسطينيي الأراضي. تُثبت هذه البيانات أن إلحاق الهزيمة بتنظيم "الدولة الإسلامية" في ساحة المعركة، كما في سوريا والعراق، أسهل بكثير من هزم أيديولوجيته التأسيسية وكبح رياح الجنون التي تعصف عبر المجتمعات المسلمة في مختلف أنحاء العالم، وتجرف معها عدداً كبيراً من الشبّان.

إسرائيل أفضل تدرّباً وخبرةً من البلدان الغربية في التعامل مع ظاهرة الإرهاب، لكنها لا تزال غير محصّنة ضد الهجمات الناجحة. فالواقع الذي تعيشه القدس، حيث لا يوجد فصل جغرافي بين جزئَي المدينة الموحّدة ظاهرياً، يُتيح لأي شاب فلسطيني أن يصعد عشوائياً في شاحنة ويدهس كل من يقف في طريقه، إذا رغب في ذلك.

في هذه الأثناء، قرّرت الحكومة الإسرائيلية تكثيف إجراءاتها على الأرض في مواجهة أنصار "الدولة الإسلامية". وقد أُعلِن مساء الثامن من كانون الثاني/يناير أن إسرائيل ستضع داعمي التنظيم في الحجز الإداري عبر اعتقالهم من دون توجيه تهم إليهم أو تحديد موعد للمحاكمة. هذا الإعلان الذي يهدف إلى تهدئة الرأي العام، قد يستوفي أو لا يستوفي المعايير القانونية للمحاكم. يُجيز الحجز الإداري اعتقال السجناء الأمنيين من دون محاكمة لفترات طويلة بالاستناد إلى مواد استخباراتية سرّية. في مختلف الاحتمالات، سوف تطعن محكمة العدل العليا بالحجز الإداري على خلفية "دعم" تنظيم إرهابي، مهما كان هذا الإرهاب دموياً.

لقد ألقى جهاز الشاباك والشرطة القبض على تسعة أفراد من عائلة القنبر وفرضا إغلاقاً على جبل المكبر. حضر نتنياهو ووزير الدفاع أفيغدور ليبرمان إلى مكان الهجوم لإعطاء انطباع بأن كل شيء تحت السيطرة والإدلاء بتصاريح صدامية لوسائل الإعلام. هكذا جرت الأمور في السابق، وسوف تستمر على هذا المنوال في المستقبل أيضاً. من الواضح أنه لا يلوح أي حل حقيقي في الأفق.

وكأن هذا كله لا يكفي، فقد أيقظ الهجوم من جديد السجال العام المليء بالسموم الذي انطلق في أعقاب إدانة الجندي الإسرائيلي إيلور عزاريا بقتل مهاجم فلسطيني مصاب في الخليل في آذار/مارس 2016. يزعم بعض اليمينيين أن عشرات الضباط والجنود فرّوا من أمام الشاحنة القاتلة يوم الأحد الماضي بسبب "تأثير عزاريا" – بعبارة أخرى، خشيوا التورط في المتاعب في حال أقدموا على إطلاق النار على سائق الشاحنة. في الواقع، ليس لهذا الزعم أي أساس من الصحة: ففي حين فرّ عدد كبير من الجنود، سحب عدد لا بأس به سلاحهم لإطلاق النار على الإرهابي. يتسبّب هذا الخطاب في إشعال الصراع السياسي من جديد بين اليمين واليسار في إسرائيل، وهو صراع وُجِد ليبقى شأنه في ذلك شأن الهجمات الإرهابية.

More from Ben Caspit

Recommended Articles