تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف سترّد تونس على اغتيال القياديّ القسّامي محمّد الزواري؟

استفاقت مدينة صفاقس في جنوب تونس، في 15 كانون الأوّل/ديسمبر 2016 على عمليّة اغتيال طالت مهندس طيران وأكاديميّ يدعى محمّد الزواري. واتّهمت كتائب عزّ الدين القسّام، الذراع العسكريّ لحركة المقاومة الإسلاميّة الفلسطينيّة حماس، إسرائيل باغتيال الزواريّ لأنّه أحد القادة الذين أشرفوا على مشروع طائرات الأبابيل، فيما أكّد وزير الداخليّة التونسيّ الهادي المجدوب أنّ جهازاً أمنيّاً أجنبيّاً يقف وراء العمليّة. وقالت الحكومة التونسيّة إنّها ملتزمة بتتبّع الجناة الضالعين في العمليّة داخل أرض الوطن وخارجه، بكلّ الوسائل القانونيّة.
RTX2VW43.jpg

استفاقت مدينة صفاقس في جنوب تونس، على عمليّة اغتيال طالت مهندس طيران وأكاديميّ يدعى محمّد الزواري (49 عاماً) رمياً بالرصاص داخل سيّارته وأمام منزله. بعد يومين من العمليّة، أصدرت كتائب عزّ الدين القسّام، الذراع العسكريّ لحركة المقاومة الإسلاميّة الفلسطينيّة حماس، في 17 كانون الأوّل/ ديسمبر، بياناً اتّهمت فيه إسرائيل باغتيال الزواري وتوعّدت بالردّ. وقال البيان إنّ الزواري" قد التحق في صفوف المقاومة، وانضمّ إلى كتائب القسّام قبل 10 سنوات، وهو أحد القادة الذين أشرفوا على مشروع طائرات الدرون الأبابيل1".

وأكّد وزير الداخليّة التونسيّ الهادي المجدوب، خلال ندوة صحافيّة عقدها في 20 كانون الأوّل/ديسمبر أنّ "جهازاً أمنيّاً أجنبيّاً يقف وراء عمليّة اغتيال الزواري بسبب نشاطه العلميّ وارتباطاته الإقليميّة". فكيف سيكون تعاطي الدولة التونسيّة مع الجناة الضالعين في العمليّة؟

في المقابل، لم يصدر أيّ بيان رسميّ في إسرائيل حول اتّهامات حماس، باستثناء التعليق المقتضب الذي صرّح به وزير الدفاع الإسرائيليّ أفيغدور ليبرمان. ونقلت الإذاعة الإسرائيليّة عن ليبرمان قوله خلال مؤتمر نقابة المحامين الذي عقد في تلّ أبيب في 21 كانون الأوّل/ديسمبر، ردّاً على سؤال حول الزواري: "إذا ما قتل شخص في تونس، فمن المفترض ألّا يكون نصيراً للسلام، فإسرائيل تفعل ما يجب القيام به للدفاع عن مصالحها". وعلى الرغم من عدم وجود اعتراف إسرائيليّ رسميّ بالحادثة وغياب أيّ اتّهام تونسيّ لإسرائيل، إلّا أنّ كلّ المؤشّرات تدلّ على بصمات جهاز الموساد الإسرائيليّ الواضحة في العمليّة. ويعزّز ذلك، النشاط العلميّ للزواري في مجال الطائرات من دون طيّار، وانتماؤه إلى حركة حماس. فهذه العمليّة شبيهة إلى حدّ كبير بعمليّة اغتيال القياديّ في كتائب القسّام محمود المبحوح، في فندق في مدينة دبي في كانون الثاني/يناير 2010، والتي تورّط فيها جهاز الموساد.

أثارت عمليّة إغتيال محمد الزواري، جدلاً واسعاً في تونس، وغضباً شعبيّاً دفع بالآلاف للخروج في مظاهرات مندّدة ومطالبة الحكومة التونسيّة بالردّ، وبسنّ قانون يجرّم التطبيع مع إسرائيل. من جانبها، قالت الحكومة التونسيّة، في بيان لها في 18 كانون الأوّل/ديسمبر إنّ "الدولة ملتزمة بتتبّع الجناة الضالعين في عمليّة اغتيال المرحوم محمّد الزواري داخل أرض الوطن وخارجه، بكلّ الوسائل القانونيّة وطبقاً للمواثيق الدوليّة". كما قرّر رئيس الحكومة يوسف الشاهد، في 22 كانون الأوّل/ديسمبر، إقالة محافظ ولاية صفاقس ومدير إقليم الأمن في المحافظة ومدير الأمن في منطقة صفاقس الجنوبيّة، حيث تمّت عمليّة الاغتيال.

ويقول الكاتب والمحلّل السياسيّ محمّد بالطيب لـ"المونيتور" إنّ "خيار الردّ المتاح أمام الحكومة التونسيّة هو التقدّم بشكوى إلى مجلس الأمن الدوليّ ضدّ إسرائيل بتهمة انتهاك السيادة. وهو الأمر الذي قامت به تونس في أعقاب الغارات الإسرائيليّة ضدّ مقرّات منظّمة التحرير الفلسطينيّة في ضاحية حمّام الشطّ في 1 تشرين الأوّل/أكتوبر 1985، والتي أودت بحياة 50 شهيداً و100 جريح، عندما أدان مجلس الأمن الغارة الإسرائيليّة، التي سمّيت بالساق بالخشبيّة، وطالب بتعويضات ماديّة لتونس. لكنّ العائق أمام التوجّه إلى مجلس الأمن هو كيفيّة إثبات الجرم على جهاز الموساد الإسرائيليّ. فكي يحظى أيّ قرار لمجلس الأمن بالقبول، يجب أن يبنى على ملفّ قانونيّ دقيق وأدلّة إثبات واضحة، وهذا من مسؤوليّة الأجهزة الأمنيّة التونسيّة".

وفي هذا السياق، قال وزير الخارجيّة التونسيّ خميس الجهيناوي خلال جلسة أمام البرلمان، في 24 كانون الأوّل/ديسمبر، إنّ وزارته "تنتظر نتائج الأبحاث الأمنيّة والتحقيقات التي أذنت بها النيابة العموميّة لتشرع في تكوين الملفّ الذي يسمح بملاحقة المتورّطين في عمليّة الاغتيال، ولو أنّ الوزارة انطلقت عبر بعثاتها الديبلوماسيّة في رصد كلّ ما من شأنه أن يفيد الملفّ من تصريحات أو اعترافات وغيرها من المعطيات". وكشف الجهيناوي أنّ "تونس على اتّصال بالسلطة الفلسطينيّة التي وعدت بتقديم كلّ المعطيات المتوافرة لديها، وهي خطوة ضروريّة لإثراء الملفّ الذي يجب أن يكون مستوفياً كلّ الوثائق والأدلّة التي تمكّن من تتبّع المتورّطين في عمليّة الاغتيال".

ويضيف بالطيب: "لئن كانت خيارات الردّ خارجيّاً لدى الحكومة التونسيّة محدودة ولكنّها يمكن أن تقوم بخطوات على المستوى الداخليّ، من شأنها أن تكون بمثابة الردّ غير المباشر على هذه الجريمة. وأهمّ هذه الخطوات هي لإقرار قانون يجرّم كلّ أشكال التطبيع مع إسرائيل ويعزّز المقاطعة السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة ضدّ إسرائيل". وأقامت تونس علاقات ديبلوماسية واقتصادية مع إسرائيل في العام 1996 والتي تواصلت حتى أيلول/ سبتمبر 2000، عندم قُطعت العلاقات في أعقاب إندلاع إنتفاضة الأقصى في فلسطين.

من جانبه، يرى الصحافيّ نزار مقني في حديث إلى "المونيتور" أنّ "عمليّة اغتيال المهندس محمّد الزواري كشفت عن اختراق أمنيّ تعاني منه تونس، وردّ الحكومة على هذه العمليّة الإجراميّة يجب أن يكون بالمزيد من تعزيز الأمن وتحصين البلد من الاختراقات الأجنبيّة". ويضيف مقني: "الحكومة أعلنت عن تأسيس مركز وطنيّ للاستخبارات، مهمّته تجميع المعلومات والتنسيق بين مختلف الأجهزة الاستخباراتيّة، وضبط الخيارات الاستراتيجيّة في مجال الاستعلامات وتحليلها. ولكن أرى أنّ مثل هذا الإجراء يبقى منقوصاً، وأنّه يجب الذهاب نحو تأسيس وكالة مخابرات مركزيّة وليس مركز تنسيق، يمكن أن توجّه العمل الاستخباريّ، وتتحكّم فيه وتبعده عن أيّ تجاذب أو توظيف سياسيّ ممكن".

أخيراً، تحتاج تونس إلى ملفّ قانونيّ صارم الصياغة وواضح الأدلّة لإثبات جرم الاغتيال ضدّ الموساد الإسرائيليّ والظفر بإدانة دوليّة، هو أقصى ما يمكن أن تفعله، وأقصى ما يمكن أن تحصل عليه. فهذه ليست المرّة الأولى التي ينفّذ فيها الموساد عمليّة اغتيال في تونس، فقد شهدت العاصمة تونس في نيسان/أبريل 1987 مقتل الرجل الثاني في منظّمة التحرير الفلسطينيّة خليل الوزير المعروف بأبي جهاد، على يدّ مجموعة من عملاء الموساد تسلّلت عبر البحر إلى بيته في ضاحية سيّد بوسعيد، كما فكّكت السلطات التونسيّة في عام 1993 خليّة تابعة إلى الموساد مزروعة داخل مقرّات منظّمة التحرير الفلسطينيّة، يقودها ديبلوماسيّ فلسطينيّ يدعى عدنان ياسين. لكن في المقابل، يطرح اليوم أنصار المقاومة الفلسطينيّة في تونس، أحزاباً ومنظّمات، خيارات غير مباشرة للردّ عل الجريمة الإسرائيليّة ملخّصة في قانون رسميّ يجرّم أشكال التطبيع مع إسرائيل كافّة في ظل وجود مشروع قانون بذلك، طرحته الجبهة الشعبية اليسارية منذ العام 2015 ينتظر النقاش داخل البرلمان، خصوصاً بعد رفض البرلمان السابق تضمين فصل يجرّم التطبيع في الدستور الجديد في عام 2014.

More from Ahmed Nadhif

Recommended Articles