تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل يلجأ الكرملين إلى ضبط النفس في سوريا لجذب ترامب؟

يستبعد مسؤولون روس أن يظهر الرئيس المنتخب دونالد ترامب الطاعة للرئيس فلاديمير بوتين ويدرسون مجموعة واسعة من الخيارات التي سيطرحها الزعيم الأمريكي الجديد بشأن الشرق الأوسط.
Russian President Vladimir Putin chairs a government meeting on economic issues at the Kremlin in Moscow, Russia, November 11, 2016. Sputnik/Kremlin/Mikhail Klimentyev via REUTERS ATTENTION EDITORS - THIS IMAGE WAS PROVIDED BY A THIRD PARTY. EDITORIAL USE ONLY. - RTX2T73B

بعد الاتصال الهاتفي الأول بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس المنتخب دونالد ترامب في 14 تشرين الثاني / نوفمبر، جاء في البيان الصحفي الرسمي ما يلي: "اتفق كل من بوتين وترامب على أن الوضع الحالي للعلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا غير مرضي واتفقا على العمل بلا كلل نحو تطبيع العلاقات والتوصل إلى تعاون بناء إزاء العديد من القضايا. وأضاف البيان إن الطرفين أكدا على ضرورة "العودة إلى التعاون العملي الذى يلبي مصالح البلدين ويؤمن الاستقرار والأمن في العالم ".

في حين رأى البعض أن لهجة الحديث ومضمونه الكامن بمثابة مصدر أمل بتجديد العلاقة بين موسكو وواشنطن، رأى البعض الآخر أن ذلك ما كان سوى تجسيدا لأسوأ المخاوف المرتبطة بعلاقة الرئيسين. وبعد أن كانت معظم التقييمات المرتبطة برئاسة ترامب المحتملة ترجح أن يفوق بوتين ترامب حيلة، كون الأخير مجرد هاو في السياسة الدولية واستنادا إلى إيجابية ملاحظاته المتعلقة ببوتين، إلا أنه يجب النظر إلى هذه البيانات في سياق محدد، ألا وهو انتقاد ترامب لما كان يعتبره تقاعسا وضعفا من أوباما. لذا، من الخطأ افتراض أن هذا يعني أن ترامب سيظهر الطاعة لبوتين إذ إن تعبير ترامب عن احترامه لبوتين يكشف رغبة غير مخفية لديه بحذو حذو الرئيس الروسي كزعيم حاسم وصارم. وبما أن ترامب معروف كمفاوض صعب، لا تتوقع موسكو أن يكون التعامل مع الولايات المتحدة في ما يخص سوريا أو أي بلد آخر بالسهولة المصورة.

وقد حاول فيودور لوكيانوف، محلل السياسة الخارجية الرائد في روسيا في رسالته الشخصية إلى الرئيس الأمريكي المنتخب، لفت انتباه ترامب إلى أمرين مهمين: "أولا، يمكن المساومة على الكثير في 'السياسة الكبرى' - ولكن ليس على كل شيء. ثانيا، فيما قد يتمكن رجال الأعمال من استبدال شركائهم وعدم التعامل معهم، ما من خيار مماثل في السياسة". وحتى لو زرع الاتصال الأول بين بوتين وترامب الأمل بحدوث تغيير إيجابي، يبقى أن نرى كيف سيستوعب ترامب هذه الفلسفة وينفذها من خلال تعامله مع بوتين.

في ما يخص الجبهات السياسة الخارجية، من الواضح أن سوريا تشكل أشق المشاكل للدولتين في المنطقة اليوم في حين تواصل كل من موسكو وواشنطن دعم الأطراف المتحاربة على الأرض في ظل تعزيز متعنت للروايات. إلا أن المشاكل المرتبطة بالتسوية السورية في مرحلة ما بعد الحرب - بما في ذلك وضع دستور جديد، وتشكيل حكومة انتقالية وإعادة إعمار البلاد – فالمفارقة هي أنها تقدم إمكانات هائلة للتعاون. ويبدو أن كل من الطرفين يعتقد أن المرور بالمرحلة العسكرية للوصول إلى عالم الدبلوماسية أمر لا بد منه ولو في غياب طريق واضح. لكن بوتين وترامب، وفقا للبيان صحفي، "اتفقا على ضرورة توحيد الجهود في الحرب ضد العدو الأساسي، أي الإرهاب الدولي والتطرف،" وناقشا "عدة سبل لإيجاد تسوية لسوريا من هذا المنطلق،" وهذا بمثابة الطريق المطلوب أو أقله تمهيد له.

وإذا قرر ترامب التركيز فعليا على محاربة الدولة الإسلامية والمتطرفين الإسلاميين بشكل عام، فمن شأن ذلك أن يخلق أرضية صلبة للتعاون مع موسكو. إلا أن سياسته الفعلية قد تكون أكثر دقة، وهناك عدة عوامل غير معروفة في المعادلة، لا سيما في ظل وجود معارضة حقيقية لهذا التعاون داخل البنتاغون. وإن تغيير هذا الوضع يشكل تحديا خطيرا، والسؤال الرئيس المطروح في موسكو اليوم هو التالي: بما أن ترامب يواجه ضغوطات من كل الجوانب، هل سيضطر لتقديم تنازلات إزاء موقفه من روسيا من أجل التوصل إلى "صفقة" مع مخضرمي واشنطن - بما في ذلك حزبه، حيث مستوى العداء لموسكو مرتفع؟ أم أنه لا يزال مصمما على إصلاح العلاقة مع الكرملين - وإن كان ذلك لأسباب براغماتية تسعى إلى حماية ما يخدم بحسب ترامب مصالح للولايات المتحدة القومية؟

تحاول اليوم موسكو تعزيز رؤية ترامب على المستوى الدولي. ففي الأشهر القليلة الماضية، كانت موسكو تستعد للسيناريو الأسوأ الذي كان سيؤدي انتخاب هيلاري كلينتون إليه – ألا وهو إقامة منطقة حظر جوي في سوريا وزيادة الدعم المالي والعسكري والسياسي للمعارضة السورية. وبما أن هذا السيناريو بات مستبعدا، قد تقدم روسيا على خفض قدراتها الرادعة كورقة مساومة أو وسيلة للتنازل. وحتى الآن، يبدو أن الكرملين يريد أن يرسل رسائل إيجابية إلى رئيس الولايات المتحدة المنتخب من خلال خفض ضرباته العسكرية بشكل كبير وعدم الرد على ما كان يعتبر حتى الآونة الأخيرة استفزازات من حلف شمال الاطلسي وتهدئة الخطاب المناهض للولايات المتحدة، علما أن الانتقاد الروسي الحالي للولايات المتحدة يستهدف النخب الأميركية على العموم - وليس أمريكا كبلد أو حتى كدولة.

لكن إذا كانت آفاق التعاون حول سوريا تبدو واعدة أكثر الآن، قد تكون جبهات أخرى أكثر تعقيدا، فمن المسارات المستخف بها في الشرق الأوسط الصراع حول إيران، إذ إن موسكو بدأت العمل على تحالف تكتيكي مع طهران بشأن سوريا وسط إجماع نسبي على أجندة إقليمية واسعة. قد يُتوقع من ترامب استعادة العلاقات المتراجعة مع دول الخليج، على الرغم من أن النخب الإقليمية تشك بمثل هذا الاحتمال في هذه المرحلة. إلا أنه من غير المرجح أن يتم رفض الاتفاق الإيراني الذي فاوضت عليه إدارة أوباما، على الرغم من أنه سيكون هناك بالتأكيد محاولة لإعادة التفاوض به ليخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية بشكل أفضل. وستراقب موسكو هذا المسار لتستكشف خياراتها.

أما دور الوسطاء الإقليميين فسيتعزز ومعه الحاجة لعلاقات نوعية مع الوسطاء. وقد نجحت روسيا نسبيا في إقامة علاقات جيدة مع مصر وإيران وإسرائيل وحتى تركيا إلى حد ما. لكن على موسكو أن تكون الآن مستعدة لاحتضان واقعا مختلفا: بغض النظر عن شعور الحكام الإقليميين إزاء ترامب، هناك دعوة لبداية جديدة في العلاقات مع الولايات المتحدة في المنطقة. وخير دليل على ذلك كون الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من القادة الدوليين الأول الذين قاموا بتهنئة ترامب إثر فوزه. وإذا استفاد ترامب من هذه الفرصة لاستعادة علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها، قد تضطر موسكو للعمل على نوع مختلف من العلاقات مع هذه الدول.

على نطاق أوسع، تدرس موسكو ما إذا كان ترامب سيعزز رؤية استراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط على غرار الاستراتيجية التي روجها زميل من زملائه في الحزب الجمهوري في عهد الرئيس جورج دبليو بوش. كما أنه سيواجه خيارا كان على كلينتون أن تواجهه أيضا لو تم انتخابها – وهو ما إذا كانت تريد أمريكا وجودا سياسيا أكبر في المنطقة أو تفضل تقليص مشاركتها بهدف مواصلة التركيز على آسيا والمحيط الهادئ أو على القضايا الداخلية في الولايات المتحدة؟ اعتمادا على كيفية معالجة هذه المسائل، إما تنتقل روسيا والولايات المتحدة إلى التعاون أو تنزلقان مرة أخرى إلى الخصومة.

وأخيرا، للتوقيت دور لا يستهان به، فبالنظر إلى أن دورة الانتخابات الأمريكية القادمة تبدأ بعد يوم تقريبا من تنصيب الرئيس الجديد، قد تكون أربع سنوات قصيرة جدا لترامب لإعداد النموذج الصحيح للعلاقات مع موسكو وقصيرة لإغراقها بعد. لذلك، هدفان حيويان اثنان يرتسمان أمام واشنطن وموسكو اليوم: أولا، على قادتهم إنشاء رؤية واضحة وواقعية إزاء ما يرغبون في تحقيقه في غضون عامين، وثانيا، عليهم التصميم على إبقاء خياراتهم مفتوحة لأي فرصة للحد من النزاعات التي قد تنشأ في مرحلة ما كالنزاعات الحالية مثلا.

More from Maxim A. Suchkov

Recommended Articles