تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"داعش" يربك المناطق المحرّرة بالتفجيرات

مع خسارته المستمرّة أمام القوّات العراقيّة، يقوم تنظيم "داعش" بتفجيرات عدّة في المناطق التي حرّرت من سطوته أخيراً، بهدف إرباك الوضع الأمنيّ فيها وخلق حال من اللاّثقة بين القوّات الأمنيّة وسكّان تلك المدن.
Residents inspect a market after a bomb attack in Fallujah, west of Baghdad, August 3, 2014. Picture taken August 3, 2014. REUTERS/Stringer (IRAQ - Tags: CIVIL UNREST POLITICS) - RTR414ZS

 عادت التفجيرات إلى مدينة الفلّوجة - غربيّ العراق، بعد خمسة أشهر من إعلان القائد العام للقوّات المسلّحة حيدر العبادي تحريرها. ومن غير المتوقّع أن تنفجر سيّارة مفخّخة في المدن الغربيّة أو الشماليّة في العراق، فإنّ أغلب المفخّخات انفجرت في بغداد وجنوب البلاد.

وإنّ التفجير الأخير كان الخميس في 17-11- 2016، عندما انفجرت سيّارة مفخّخة في قضاء عامريّة الفلّوجة - غربيّ الأنبار. واستهدفت السيّارة حفل زفاف في القضاء الذي يُقاتل منذ أكثر من عامين بجانب القوّات الحكوميّة العراقيّة ضدّ تنظيم "داعش". وأظهر مقطع الفيديو الخاص بتفجير العرس في ناحية عامريّة الفلّوجة، الذي انتشر على مواقع التواصل الإجتماعيّ، العشرات من الحاضرين للحفل يرقصون الدبكة العربيّة، وهم يعتقدون أنّهم تخلّصوا من السنوات التي عاشوها في ظلّ حكم تنظيميّ القاعدة و"داعش"، إلاّ أنّ سيّارة مفخّخة حوّلت الزفاف إلى مأتم.

وأشار تنظيم "داعش" في بيان تبنّيه التفجير، إلى أنّه استهدف تجمّعاً لما أسماهم بـ"صحوات الردّة". وبحسب بيان التنظيم، فإنّ التفجير لم ينفّذه إنتحاريّاً، بل تمّ بواسطة سيّارة ملغومة وضعت بالقرب من مكان إقامة حفل الزفاف.

وعزت الحكومة المحليّة في محافظة الأنبار أسباب التفجير إلى العمليّات العسكريّة التي تشنّها القوّات الحكوميّة العراقيّة ضدّ التنظيم في الموصل. واعتبرته ردّة فعل على الخسائر التي يتلقّاها التنظيم في مناطق تواجده.

وكشف عضو اللّجنة الأمنيّة في مجلس محافظة الأنبار راجع بركات العيساوي عن وجود عبوات ناسفة وسيّارات مفخّخة في مدينة الفلّوجة لم تنفجر بعد، وقال: "هناك أماكن لم تفتّشها القوّات الأمنيّة حتّى الآن. وفي هذه الأماكن عبوات ناسفة وسيّارات مفخّخة لم تنفجر بعد".

وبعد يوم من التفجير، اعتقلت القوّات الأمنيّة في محافظة الأنبار 7 أشخاص يشتبه بأنّهم على صلة بالتفجير، الذي استهدف حفل زفاف في قضاء عامريّة الفلّوجة، لكنّ السلطات الأمنيّة العراقيّة لم تكشف حتّى الآن عن نتائج التحقيقات التي تجريها مع المعتقلين المشتبه بهم.

وفي ٢١ أيلول/سبتمبر، نشر "المونيتور" قصّة صحافيّة حذّرت أثناء التحليل من احتماليّة أن يستمرّ تنظيم "داعش" في الإعتماد على جيوبه في المناطق المحرّرة، وهو ما قد يسهم في زعزعة الوضع الأمنيّ فيها، رغم تخلّصها أخيراً من سيطرة تنظيم "داعش".

وأكّد رئيس جمهوريّة العراق فؤاد معصوم في بيان صحافيّ أصدره بـ١٨ تشرين الثاني/نوفمبر أنّ العمليّة لن تمرّ من دون قصاص عادل وسريع، لكنّ تأكيده يبدو مثل التأكيدات السابقة لكثير من المسؤولين العراقيّين، الذين وعدوا بالاقتصاص من مرتكبي العمليّات الإرهابيّة، لكنّهم لم يفلحوا.

وتعيش محافظة الأنبار وضعاً أمنيّاً مقلقاً، حيث الاستنفار الأمنيّ والمراقبة المكثّفة لحدود المحافظة، تحسّباً لأيّ هجمات جديدة قد يشنّها التنظيم، وهذا يعني أنّ هناك جيوباً ما زالت تعمل داخل المحافظة لصالح التنظيم، ولم يتمّ تطهيرها في شكل كامل.

لقد شكّل تفجير حفل الزفاف في عامريّة الفلّوجة حدثاً مهمّاً بالنّسبة إلى العراقيّين، خصوصاً على موقع "فيسبوك"، فمدينة مثل الفلّوجة لم يُتوقّع أن تشهد أيّ تفجير بعد تحريرها من تنظيم "داعش"، نظراً لتواجد عدد كبير من القوّات الأمنيّة فيها، لكنّ القصّة الإنسانيّة للحدث شغلت الشارع العراقيّ، وجعلتها محور أغلب الأحاديث.

وإنّ التفجير الذي حدث في عامريّة الفلّوجة، لم يكن الأوّل في منطقة محرّرة من تنظيم "داعش"، ففي ١٤ تشرين الثاني/نوفمبر، انفجرت سيّارتين مفخّختين بالقرب من مقرّات حكوميّة في قضاء الفلّوجة، وأسفرتا عن مقتل وإصابة 24 شخصاً.

وجاء تفجير عامريّة الفلّوجة بعد يومين من وعد أطلقه راجع بركات العيساوي، الذي توعّد بعدم تكرار التفجيرات التي حدثت في ١٤ من الشهر الحاليّ، وأمثال هذه الوعود غير المحقّقة تعمّق الفجوة بين المسؤولين الأمنيّين في العراق والمواطنين.

ونتيجة التفجيرين الأوّلين اللّذين ضربا مقرّات حكوميّة في الفلّوجة منتصف الشهر الحاليّ، أعلنت حال الإنذار في مدن أخرى من محافظة الأنبار، تحسّباً لحدوث أيّ هجمات جديدة قد يشنّها تنظيم "داعش" على المناطق، التي عادت تحت سيطرة الحكومة العراقيّة وقوّاتها الأمنيّة.

وعزا مجلس محافظة الأنبار أسباب التفجيرين إلى تساهل أبناء المدينة مع الإرهابيّين، وأنّ أغلب عوائل عناصر "داعش" متعاونون معهم. وأكّد المجلس ضرورة أن "تُفرض سلطة القانون والعُرف العشائريّ بقوّة داخل المحافظة".

وقبل تفجيرات الفلّوجة، شهدت مدينة تكريت التي تعدّ مركز محافظة صلاح الدين، في 6 تشرين الثاني/نوفمبر انفجار سيّارة مفخّخة قتلت 7 مدنيّين وجرحت 15 آخرين. كما شهدت مدينة سامراء، التي تبعد عن تكريت 75 كلم، تفجير عبوة ناسفة بالقرب من مرآب يستخدمه زوّار شيعة، قتل على أثره 10 زوّار إيرانيّين.

إنّ هذه التفجيرات التي شهدتها المناطق المُحرّرة من تنظيم "داعش" هي محاولة من التنظيم لإرباك الوضع الأمنيّ فيها، فهو ما زال يعتقد أنّ تلك المدن تابعة له، ومن يتواجدون فيها هم أتباع له.

وإنّ التوقّع المستمرّ للسلطات الأمنيّة العراقيّة من احتمال حدوث تفجيرات جديدة في تلك المدن، يشير إلى إمتلاكها معلومات عن عمليّات عسكريّة كبرى قد يشنّها التنظيم من جديد على تلك المناطق، وهذا يستدعي وجود خطط أمنيّة جديدة تتلاءم وحجم التحديّات الأمنيّة التي يمرّ بها العراق.