تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف أصبح أتاتورك قدوة لأردوغان

على الرغم من أن عقيدة أردوغان مختلفة جداً عن عقيدة مصطفى كمال أتاتورك، إلا أنه يريد تأدية دور مماثل – أي دور منقذ-مؤسس يحكم تركيا بمفرده.
Turkey's President Tayyip Erdogan (C) attends a ceremony marking the 92nd anniversary of Victory Day at Anitkabir, mausoleum of modern Turkey's founder Ataturk, in Ankara August 30, 2014. REUTERS/Stringer (TURKEY  - Tags: POLITICS ANNIVERSARY MILITARY) - RTR44B5W

يأمل أردوغان، منذ انتخابه رئيساً لتركيا في آب/أغسطس 2014، بتعديل الدستور التركي لإرساء نظام رئاسي تنفيذي. بعد الانقلاب الفاشل في 15 تموز/يوليو الماضي، وُضِع هذا النقاش جانباً لبرهة، إنما ليس لوقت طويل. الأسبوع الماضي، أعلن زعيم "حزب العمل القومي" المعارض، دولت بهجلي، الذي برز مؤخراً كحليف سياسي لأردوغان، أنه بإمكان حزبه مساعدة "حزب العدالة والتنمية" الحاكم على عرض النظام الرئاسي على الاستفتاء. نتيجةً لذلك، بدأ المراقبون السياسيون يتوقّعون تنظيم استفتاء في مطلع العام 2017. في الواقع، كشف المتحدث باسم الحكومة، حياتي يازجي، عن الخطة عبر الإشارة إلى أنه قد يُطرَح تعديل الدستور على البرلمان في كانون الثاني/يناير المقبل، ومن ثم يُنظَّم استفتاء في نيسان/أبريل.

نظراً إلى شعبية أردوغان التي حصلت على جرعة زخم من خلال رد الفعل العام على المحاولة الانقلابية، غالب الظن أن خيار الـ"نعم" سيفوز في الاستفتاء. وسوف يُستتبَع ذلك بإجراء انتخابات لاختيار الرئيس الجديد، في عملية اقتراع ثانية يستطيع أردوغان الفوز فيها بسهولة. بعبارة أخرى، قد يكون أردوغان الزعيم الأول في الجمهورية التركية الثانية الذي يتمحور نظامه السياسي حول رئاسة تنفيذية.

أي نوع من الرئاسة ستكون؟ جاء الجواب عن هذا السؤال على لسان وزير العدل بكير بوزداغ، المقرّب من أردوغان، الذي قال الأسبوع الماضي: "كان عهد [مصطفى كمال] أتاتورك قائماً على النظام الرئاسي"، سائلاً: "هل يمكنكم أن تسمّوا أي رئيس وزراء من تلك الحقبة ما عدا [عصمت] إينونو؟ كلا، لا يمكنكم ذلك". فاجأت هذه الإشارة إلى أتاتورك بعض المراقبين، لأن المعسكر السياسي المحافظ/الإسلامي الذي ينتمي إليه أردوغان وحزبه لم يكن تقليدياً من المعجبين بأتاتورك وعهده الشديد العلمانية. وقد لفت الأكاديمي التركي-الأميركي تيمور كوران إلى المفارقة في تغريدة جاء فيها: "رأى الإسلاميون الأتراك في نظام أتاتورك ديكتاتورية مدمِّرة. والآن يستخدم حزب العدالة والتنمية أتاتورك لتبرير احتكاره للسلطة".

في الواقع، ليست الإشارات إلى أتاتورك بالأمر الجديد في أوساط "حزب العدالة والتنمية" في الزمن الراهن. في العام 2014، أطلق أردوغان حملته الانتخابية من مدينة سمسون حيث أعلن أتاتورك، في واقعة شهيرة، انطلاق حرب التحرير التركية (1919-1922). منذ ذلك الوقت، وصف أردوغان نضاله السياسي بأنه "حرب التحرير التركية الثانية"، وقد كرّر هذا الزعم بقوة أكبر غداة الانقلاب الفاشل. في آب/أغسطس 2014، مباشرةً بعد انتخابه رئيساً، كتب أردوغان أن "الهوّة" التي ظهرت بين الشعب التركي ورئيسه إبان وفاة أتاتورك لم تُردَم إلا بانتخابه.

ليست هذه الإشارات الإيجابية عن أتاتورك على لسان أردوغان وأنصاره، مفاجئة لأنه على الرغم من أن عقيدة أردوغان مختلفة جداً عن عقيدة أتاتورك، يسعى الأول إلى تأدية دور تاريخي مماثل: كان أتاتورك منقذاً-مؤسِّساً حكَمَ تركيا بمفرده طوال عقود. وأردوغان أيضاً يتحول تدريجاً إلى منقذ-مؤسّس مطلق الصلاحيات قد يحكم تركيا بمفرده لعقود.

يمكن أن نستشف أيضاً نقاط التشابه هذه في عبادة الشخص التي نُسِجت حول أردوغان وأتاتورك، والتي تتشابه إلى حد كبير في الحالتَين. كانت كلمة "باسكوموتان"، أو القائد الأعلى، شائعة الاستخدام للإشارة إلى أتاتورك، وأصبح استعمالها رائجاً الآن في الإعلام للإشارة إلى أردوغان. وكذلك، كلمة "ريّس" التي أمست لقباً شائعاً يطلقه الأنصار على أردوغان، قوية الوقع بقدر كلمة "أتا" (الأب) التي لُقِّب بها أتاتورك تقليدياً. وتتم الاستعانة أيضاً بالفنون الجميلة لتعبئة الحشود دعماً للقائد، فمقطع الفيديو الذي أُنتِج مؤخراً بعنوان "مسيرة أردوغان" شبيه جداً بمقطع "مسيرة أتاتورك". حتى إن كتاباً صادراً في العام 2014 وصف أردوغان بـ"شمس العصر"، بوحيٍ من اللقب الذي أُعطي لأتاتورك على امتداد القرن العشرين.

نكرّر القول أن ما تقدّم لا يعني أن أردوغان وأتاتورك يمثّلان العقيدة نفسها. بل على العكس تماماً – هناك اختلافٌ إلى حد التناقض تقريباً في نظرتَيهما إلى الأمور. كان أتاتورك قومياً علمانياً سعى إلى غربنة الأتراك من خلال قطيعة ثورية مع الماضي العثماني. أما أردوغان فإسلامي وعثماني النزعة يريد التخلص من بعض الغربنة التي سادت في القرن الماضي. لكن على الرغم من الاختلاف بين الأيديولوجيتَين، يبدو أن القائدَين يتشابهان في الشخصية والطموحات السياسية. فقد أراد كلاهما أن يقودا البلاد بقبضة قوية نحو ما يعتبرانه الأمثل، من دون الخوض في مسائل مزعجة مثل فصل السلطات والحكومة المحدودة.

لهذا السبب لا يهتم أردوغان فقط بتوجيه السياسة التركية، بل يعمل أيضاً على إعادة تعريف تاريخ الأتراك، عبر التخلص من "عاداتهم السيئة" مثل الكحول والتبغ، وحتى تحديد نوع الخبز المناسب لهم. أحد أهدافه الأساسية هو "تنشئة أجيال تقيّة"، تماماً كما أراد أتاتورك تنشئة أجيال علمانية – وليس أفراداً يقررون بأنفسهم. على غرار أتاتورك، يبدي أردوغان أيضاً اهتماماً بتغيير معالم الجامعات التركية التي تفتتح السنة الأكاديمية، كما افتتح القضاء السنة القضائية، باحتفال في قصر أردوغان الرئاسي. يتحوّل ذلك القصر الذي يُعرَف أيضاً بـ"بشتبيه" تيمّناً باسم المنطقة التي يقع فيها، إلى القلب النابض للبلاد، تماماً مثل "جانقايا" أو قصر أتاتورك الرئاسي. لقد تعهّد أردوغان أيضاً بتطهير الجامعات من الأساتذة المتورّطين في "الخيانة العظمى"، والتي غالباً ما تعني ببساطة تبنّي أيديولوجيا غير مناسبة، وذلك في أسلوب مشابه جداً لـ"إصلاح الجامعات" الذي أطلقه أتاتورك في العام 1933 من أجل تطهير الأكاديميين "ذوي العقلية الرجعية".

يُظهر ما تقدّم أن الانتقادات التي وجّهها المحافظون الدينيون في تركيا إلى نموذج أتاتورك، أو الكَمالية، على امتداد قرن من الزمن مختلفة إلى حد كبير عن الانتقادات الليبرالية للكمالية، على الرغم من التقاء الأسلوبَين في بعض الأحيان. لقد عارض الليبراليون الكمالية لأنهم اعتبروا أنها نموذج سياسي سلطوي في طبيعتها. أما المحافظون الدينيون فقد أقلقهم على ما يبدو مضمون ذلك النموذج السلطوي. وعندما وجدوا المضمون المناسب في ظل القائد المناسب، انتهت كل متاعبهم مع الدولة المهيمِنة والمتغطرسة.

يعني ذلك أيضاً أنه علينا توقُّع المزيد من أردوغان في حال استمر في السلطة لعقد إضافي على الأقل، الأمر الذي يبدو ممكناً إلى حد كبير من خلال النظام الرئاسي الذي قد ينجح في فرضه خلال العام المقبل. على غرار أتاتورك، لا يهتم أردوغان فقط بإدارة شؤون البلاد، إنما أيضاً بتغيير معالمها لتعكس صورته هو. وكما قال أتاتورك في عبارة شهيرة بعد انتصاره في حرب التحرير، لعله لا يزال الآن "في البداية".

More from Mustafa Akyol

Recommended Articles