تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

ما الذي تخطّط له فعلاً تركيا في سوريا؟

يعتقد عدد كبير من المراقبين أنّ هدف تركيا الحقيقي من دخول سوريا هو منع الأكراد من السّيطرة على شمال سوريا، لا محاربة تنظيم الدّولة الإسلاميّة.
A Turkish Air Force F-16 fighter jet lands at Incirlik air base in Adana, Turkey, August 11, 2015. REUTERS/Murad Sezer  - RTX1NXHJ

إنّ تحرّك تركيا العسكري عبر الحدود السّوريّة هذا الأسبوع حوّل كلّ الأنظار إلى منطقة جرابلس، في وقت ينتظر فيه المراقبون التداعيات المحتملة بين أنقرة والأكراد.

من الواضح أنّ الرّئيس التّركي رجب طيب أردوغان يستهدف الأكراد. وهو يقرّ بذلك علنًا، مع أنّه يقول إنّه يسعى أيضًا وراء تنظيم الدّولة الإسلاميّة (داعش).

بالفعل، عند الرّابعة فجرًا بالتّوقيت المحلّي من يوم 24 آب/أغسطس، اخترقت الطّائرات التّركيّة المجال الجوّي السّوري وبدأت بقصف أهداف لداعش في منطقة جرابلس. وعند السّادسة فجرًا، بدأ حوالي 1,500 مقاتل من الجيش السّوري الحرّ، كانوا قد تجمّعوا في منطقة كركميس التركيّة، بعبور الحدود في عمليّة أطلق عليها اسم "درع الفرات".

نشير إلى أنّ الأكراد يسيطرون على ثلاث مناطق منفصلة في شمال سوريا على الحدود التّركيّة. وتخشى أنقرة من أن يكسب الأكراد معقلاً في الجانب الغربي من الفرات، لأنّهم قد يتمكّنون عندها من ربط تلك المناطق وإقامة إقليم موحّد على حدود تركيا مباشرة. ولذلك طالبت تركيا بانسحاب الأكراد نحو شرق الفرات.

صدرت أقوى ردّات الفعل من العامّة على عمليّة "درع الفرات" عن صالح مسلم، قائد حزب الاتّحاد الدّيمقراطي الكردي السّوري. فقد حذّر في تغريدة على تويتر من أنّ "تركيا ستتكبّد خسائر كبيرة في المستنقع السّوري". لكنّ ردّة فعل أنقرة على تغريدة مسلم كانت أقسى حتّى، فقال أردوغان، "بعض الأشخاص يتحدّوننا، ويقولون لنا ما سيصيب تركيا في سوريا. عليكم التّفكير أوّلاً بما سيصيبكم أنتم".

وقال وزير الخارجيّة التّركي مولود جاووش أوغلو، "يكمن هدفنا في إبعاد داعش عن حدودنا. لكنّ وحدات حماية الشّعب الكرديّة المشاركة في قوّات سوريا الدّيمقراطيّة عليها فورًا الانسحاب إلى شرق الفرات. وإلا فستفعل تركيا ما تراه ضروريًا".

وفي صباح يوم 25 آب/أغسطس، شدّد المتحدّث باسم وحدات حماية الشّعب ريدور خليل على اعتقاده بأنّ عمليّة جرابلس لا تستهدف داعش بل الأكراد. وأعلن أنّهم لن ينسحبوا من غرب الفرات ولا أحد يمكنه إجبارهم على القيام بذلك. وفي حديثه إلى إذاعة صوت أميركا، قال خليل، "لا أحد يمكنه أن يطلب منّا الانسحاب من أرضنا نحن."

تنبئ هذه التّصريحات باحتمال قيام مواجهة على الأرض تكون الأولى على الإطلاق في شمال سوريا بين أنقرة وحزب الاتّحاد الدّيمقراطي.

سجّلت دمشق ردّة فعل خفيفة على العمليّة، متشكّية من انتهاك تركيا لـ"حقوقها السّياديّة". وأصدرت وزارة الخارجيّة الرّوسيّة بيانًا تعرب فيه عن قلقها بشأن التّطوّرات.

واصلت التّعزيزات التّركيّة دخول سوريا؛ فعند العاشرة من صباح يوم 25 آب/أغسطس، قامت 10 دبّابات إلى جانب عدد كبير من المعدّات الهندسيّة الثقيلة بعبور الحدود باتّجاه جرابلس. وإنّ نشر وحدات جديدة تابعة للجيش التّركي على الحدود ووصول تعزيزات من أجزاء أخرى من البلاد يشيران إلى أنّ أنقرة مصمّمة على مواصلة العمليّة.

وبرز أحد التطوّرات الأكثر أهميّة في جنوب جرابلس. فقد قال مسؤولو وحدات حماية الشّعب في مجلس جرابلس العسكري إنّ مسافة 3 كيلومترات فقط تفصلهم عن الجيش السّوري الحرّ الذي دخل جرابلس. وقال المسؤولون إنّ وحدات حماية الشّعب لن تسمح لوحدات الجيش السّوري الحرّ بالتّقدّم أكثر نحو الجنوب. وأفادت مصادر محليّة بأنّه جرى تبادل للنّيران من قذائف الهاون بين الجيش السّوري الحرّ ووحدات حماية الشّعب.

وقالت مصادر تحدّثت إلى المونيتور في أنقرة شرط عدم الكشف عن هويّتها، إنّ داعش ينسحب من جرابلس منذ أسبوعين. وفي غضون ذلك تستعدّ وحدات حماية الشّعب للتحرّك نحو الشّمال لبسط سيطرتها على جرابلس، لكنّ أنقرة استبقت هذا التّحرّك من خلال عمليّة "درع الفرات". وإنّ خطوة أنقرة تأتي بمثابة تأكيد إضافي على أنّ الهدف الفعلي للعمليّة ليس داعش، بل منع سيطرة وحدات حماية الشّعب على شمال سوريا.

وقالت المصادر عينها إنّ الوجود الكثيف للقوّات المدرّعة والهندسيّة على طول الحدود قد يكون مؤشّرًا على نيّة أنقرة إنشاء قاعدة دائمة في جرابلس على غرار قاعدة بعشيقة قرب الموصل في العراق. وبطبيعة الحال، ستكون ردّات فعل دمشق، وموسكو وواشنطن على مثل هذه الخطّة مهمّة. تجدر الإشارة إلى أنّه باستمرار هذه العمليّة، تكون أنقرة قد أحدثت تغييرًا في سوريا للمرّة الأولى منذ سنتين. ولهذا السّبب، أكثر التّعليقات التي نسمعها في أنقرة اليوم هي، "أخيرًا، عادت تركيا إلى اللّعبة في سوريا".

تبرز أسئلة حاسمة هي: هل تملك أنقرة خارطة طريق بمباركة موسكو وواشنطن؟ هل أطلعت أنقرة دمشق على خططها؟ أم ستقوم أنقرة بالارتجال وفق التطوّرات الميدانيّة ومن خلال قياس ردّات فعل اللّاعبين الآخرين، بخاصّة حزب الاتّحاد الدّيمقراطي؟ هذه أسئلة حاسمة لأنّ ردّة فعل أنقرة المحتملة على الاشتباك بين الجيش السّوري الحرّ ووحدات حماية الشّعب جنوب جرابلس قد تعني أنّ عمليّة "درع الفرات" قد تتوسّع بسهولة إلى ما بعد جرابلس، نحو خطّ الراعي-أعزاز، لمنع وصول وحدات حماية الشّعب إلى عفرين ولتغيير جميع المعادلات في شمال سوريا.

وتقول مصادر أنقرة إنّ موقف حزب الاتّحاد الدّيمقراطي سيكون مهمًا، بخاصّة الآن. قام مصدر آخر لم يرغب في استعمال اسمه بلفت الانتباه إلى أهميّة قرار وحدات حماية الشّعب بشأن الانسحاب إلى شرق الفرات. وقال المصدر، "سنرى ما إذا كان حزب الاتّحاد الدّيمقراطي سيحصر نفسه ضمن الحدود التي رسمتها الولايات المتّحدة بالتّنسيق مع تركيا، أم سيسعى لتحقيق أهدافه الخاصّة. تريد الولايات المتّحدة أن تركّز وحدات حماية الشّعب على عمليّة الرّقّة. إذا شهدنا على انسحاب وحدات حماية الشّعب إلى شرق الفرات وتركيزها على منطقة الرّقّة، سنفهم أنّ وحدات حماية الشّعب اتّخذت القرار الذي ]تريده[ تركيا".

تتّجه الأنظار الآن إلى جنوب جرابلس، بانتظار ردّات فعل وحدات حماية الشّعب في الميدان وحزب الاتّحاد الدّيمقراطي في السّاحة السّياسيّة بشأن الانسحاب إلى غرب الفرات. وقد أفادت صحيفة واشنطن بوست صباح يوم 25 آب/أغسطس بأنّ بعض القوّات الكرديّة قد انسحبت لكن ليس جميعها. وإنّ التّوتّر السّياسي بين أنقرة وحزب الاتّحاد الدّيمقراطي أنشأ للمرّة الأولى احتكاكًا بين وحدات حماية الشّعب والقوّات المسلّحة التّركيّة. سنراقب كلّنا بقلق لنرى كيف ستتصرّف الأطراف لإدارة أزماتها على الأرض التي بدأت تسخن بالفعل.

وجود تركيا العسكري

لعمليّة "درع الفرات" أهميّة رمزيّة بالنّسبة إلى تركيا، فهي فرصة لاستعادة هيبة القوّات المسلّحة التّركيّة التي تشوّهت كثيرًا في محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز/يوليو. ولا شكّ في أنّ إصلاح هذه الصّورة سيساهم في زيادة ثقة القوّات المسلّحة التّركيّة بنفسها في القتال، ورفع معنويّاتها وترابطها مع الشّعب.

في ما يلي وصف جزئي للقوّات والمعدّات المستخدمة في عمليّة "درع الفرات":

في العمليّات الجويّة، وإلى جانب طائرات الإف-16 التّركيّة، تستخدم تركيا طائرات بيرقدار بلوك 2 بدون طيّار التي حصلت عليها مؤخّرًا. وقد ألقت طائرات الأي 10 الأميركيّة صائدة الدّبابات 244 قنبلة مارك 84 على 63 هدفًا لداعش جنوب جرابلس.

أمّا العمليّات البريّة فينفّذها مقاتلو الجيش السّوري الحرّ المتوقّع أن تصل أعدادهم إلى 5,000 مقاتل فيما تنضمّ إليهم ربّما عشر مجموعات مسلّحة كأحرار الشام.

نجد كتيبة مدرّعة تركية تتألّف من حوالي 25 دبّابة أم60 أيه3 وكتيبة مشاة ميكانيكيّة مجهّزة بناقلات جند مدرّعة مع حوالي 300 جندي تؤمّنان حماية مدرّعة ودعمًا بنيران قريبة لمجموعات الجيش السّوري الحرّ. ومن المرجّح أن تكون قاعدة القوّات المسلّحة التّركيّة في كلس البيلي المجاورة تنسّق دعمها الجوّي القريب، ومراقبتها الجوية المتقدّمة وإجلاءها الطّبّي مع وحدات الجيش السّوري الحرّ.

يوجد أيضًا لواء مدرّع احتياطي في كركميس المجاورة، في حين لا تزال الدّبابات والتّعزيزات المدرّعة تصل من أجزاء أخرى من البلاد، ما يشير إلى أنّ أنقرة مدركة لاحتمال توسيع العمليّة بحسب التطوّرات.

وصلت وحدات الجيش السّوري الحرّ التي تدعمها طائرات الإف-16 التّركيّة إلى قرية كيكليس-كفرسك، التي تبعد حوالي 7 كم غرب جرابلس، بعد أن دخلت وحدات الاستطلاع الأماميّة إلى جرابلس. وكانت محصّلة الإصابات في صفوف الجيش السّوري الحرّ في اليوم الأوّل هي قتيلاً واحدًا بقنبلة مزروعة إلى جانب الطّريق، وحوالي 20 جريحًا. وجرى إطلاع وسائل الإعلام على أنّه في اليوم الأوّل من العمليّات الذي تخلّلته هجمات جويّة، قُتِل حوالي 100 من مقاتلي داعش. وكما رأينا في رسائل مقاتلي الجيش السّوري الحرّ على وسائل التّواصل الاجتماعي، كان اليوم الأوّل من العمليّات بمعظمه أشبه برحلة في الرّيف بدون أيّ مقاومة من داعش، وبدت جرابلس بلدة أشباح خالية من السّكّان.

More from Metin Gurcan

Recommended Articles