تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

نائب رئيس الوزراء التّركي: آثار الانقلاب الاقتصاديّة 'يسهل التّعامل معها'

في مقابلة مع المونيتور، يعرب محمد شيمشك، نائب رئيس الوزراء التّركي للشّؤون الاقتصاديّة، عن تفاؤله بشأن الآثار الاقتصاديّة لمحاولة الانقلاب الأخيرة، قائلاً إنّ الضّرر الحقيقي الوحيد هو على صورة تركيا في الغرب.
Turkish Deputy Prime Minister Mehmet Simsek poses during an interview with Reuters in Ankara, Turkey, December 23, 2015. Simsek said he expects gross domestic product to grow a higher-than-expected 3.5-4 percent this year and sees growth next year above the official 4 percent forecast. Picture taken December 23, 2015. To match Interview TURKEY-ECONOMY/SIMSEK REUTERS/Umit Bektas  - RTX1ZZ1V

تحاول تركيا جاهدة العودة إلى طبيعتها بعد محاولة الانقلاب الفاشلة. ومع أنّ إحدى المسائل لا يجري التّداول بها بقدر غيرها، هي تبقى مسألة هامّة: الأثر المحتمل لمحاولة الانقلاب على الاقتصاد التّركي. في مقابلة مع المونيتور في أنقرة يوم 4 آب/أغسطس، تحدّث محمد شيمشك، نائب رئيس الوزراء المسؤول عن الاقتصاد، عن مستقبل تركيا المالي. وقال إنّه لا يتوقّع ضررًا دائمًا على اقتصاد البلاد، لكن أكثر ما يثير قلقه هو التصوّرات السّلبيّة التي نشأت لدى الجمهور الغربي حول تركيا.

في ما يلي نصّ المقابلة:

المونيتور:  ما هي الآثار القصيرة الأمد والطّويلة الأمد على الاقتصاد التّركي التي تتوقّعون أن تحملها محاولة الانقلاب التي جرت في شهر تموز/يوليو؟

شيمشك:  على المدى القصير، ستكون الآثار موقّتة وسيسهل التّعامل معها نسبيًا. وإنّ احتمال وجود أيّ ضرر دائم منخفض جدًا. أوّلاً، لم تدم محاولة الانقلاب طويلاً، فهي كانت حلمًا مزعجًا استمرّ طوال اللّيلة، كابوس إذا أردنا القول؛ وكانت الصّدمة أقوى على الذين يعيشون في أنقرة واسطنبول. لكنّ مدّتها القصيرة وفشلها سمحا بعودة الحياة إلى طبيعتها سريعًا، مع بعض الآثار الطّفيفة على الاقتصاد.

المونيتور:  هل تغيّرت أهدافكم للاقتصاد الكلّي المعلن عنها في بداية العام مع محاولة الانقلاب؟

شيمشك:  كنّا نتوقّع نموًّا بنسبة 4.5% لهذا العام. وقد توافقت بيانات النّصف الأوّل من العام مع هذا التوقّع. لكن في النّصف الثّاني من العام، قد تنخفض نسبة النّموّ إلى حوالي 4% بسبب مشاكلنا مع الأسواق خارج أوروبا، والضّعف في قطاعنا السّياحي والوقت الذي احتجنا إليه للتّصالح مع روسيا. تباطأت التّجارة الدّوليّة، وسيكون النموّ العالمي بحدود 3%. إذا تمكّنّا من تحقيق نموّ بنسبة 4%، سيكون ذلك جيّدًا نظرًا للظّروف. وإذا استطعنا إدارة العمليّة جيّدًا، كما فعلنا حتّى الآن، سيكون أثر محاولة الانقلاب محدودًا.

أمّا على صعيد التّضخّم، فيشعر مصرفنا المركزي أنّ معدّل التّضخّم سيبلغ حوالي 7.5% في نهاية العام.

تبقى موازنتنا منسجمة مع أهدافنا وما من مخاوف. ونحن لا نتوقّع أيّ مشاكل على هذا الصّعيد.

تركيا ناجحة جدًا في خلق فرص العمل. وبحسب الأرقام الأخيرة، أوجدت تركيا أكثر من مليون وظيفة في خلال العام المنصرم. وهذا يعطي دفعة قويّة للنّموّ.

ثمّ هناك مسألة العجز الحالي، الذي كان أفضل ممّا توقّعنا في النّصف الأوّل من العام. فانخفاض أسعار السّلع حدّ من الآثار السّلبيّة النّاجمة عن الخسارة في القطاع السّياحي. انخفضت نسبة العجز الحالي إلى الدّخل القومي إلى 3.7%. وحتّى لو شهدنا بعض التّراجع في النّصف الثّاني، لن ينحرف كثيرًا عن هدفنا البالغ 3.9%.

باختصار، في الصّورة الكبيرة، ما من مشاكل أساسيّة بالنّسبة إلى الاقتصاد التّركي.

المونيتور:  إذًا لا تتوقّعون أن يكون لمحاولة الانقلاب تأثيرات كبرى على الاقتصاد. ما أسوأ المخاطر التي قد تُفسِد توقّعاتكم؟

شيمشك:  يبرز فقط خطر رئيسي واحد. التّقييمات في الغرب حول الانقلاب ليست واعدة جدًا، هي سلبيّة بشكل مدهش. لكنّ مواطنينا أنقذوا الدّيمقراطيّة عبر المخاطرة بحياتهم والتّصدّي لمحاولة الانقلاب. ولقد توقّعنا تقييمات أكثر إيجابيّة باعتبار أنّ ذلك يتماشى مع القيم الغربيّة الرّاسخة.

كما هو الحال، قد تصبح التّقييمات الغربيّة مشكلة رئيسيّة بتأثيرها على القرارات المتّخذة إزاء تركيا في عالم الأعمال. ... في هذا المجال، علينا أن نبذل جهودًا كبيرة. إنّ مدراء الشّركات الغربيّة التي تُجري الأعمال مع تركيا أشخاص حكماء. وأنا واثق أنّهم قادرون تمامًا على التّمييز بين الواقع والتّصريحات المكتوبة من وجهات نظر غير مطّلعة. وأنا أكرّر، التّصوّر في الخارج سلبيّ إلى حدّ كبير، لكنّ الوقائع في تركيا أفضل بكثير. والأمر يتوقّف علينا كي نقلّص الفجوة بين تصوّراتهم والحقيقة.

المونيتور:  ما الذي تنوون فعله لسدّ الفجوة؟

شيمشك:  لقد تحرّكنا منذ اليوم الأوّل. نحن في حوار مستمرّ وأبوابنا مفتوحة على الدّوام. شارك مئات الأشخاص في اجتماعات عبر الهاتف عقدناها مع المستثمرين، ودعونا وكالات التّصنيف الائتماني مثل موديز وفيتش، وقد حضروا. واتّصالاتنا تسير على ما يرام.

المونيتور:  ما كانت مقارباتهم؟ هل سيجري تخفيض تصنيف تركيا الائتماني؟

شيمشك:  مقارنة بغيرها من الدّول النّامية، تتمتّع تركيا ببعض نقاط القوّة. لدينا طبعًا بعض نقاط الضّعف، لكنّها ليست جديدة. والعجز الحالي هو إحدى نقاط الضّعف هذه. نحن نقرّ بأنّ لدينا نقاط ضعف، لكنّها ليست جديدة وهي لا تزداد سوءًا.

أكثر ما يثير قلق العالم الخارجي هو ما إذا كانت تركيا قادرة على سداد ديونها بعد هذا الاضطراب الكبير. الميزانية العمومية للدّولة قويّة ولا تعاني أيّ مشاكل. وتبلغ ديوننا 33% من دخلنا القومي وتستمرّ بالانخفاض.

تكمن مشكلتهم الفعليّة مع القطاع الخاصّ. إذا نظرنا إلى الاعتمادات المجمّعة بعد 15 تموز/يوليو، لا نرى أيّ مشكلة. ربّما باستثناء حالة أو حالتين، ما من مشكلة في الشّركات التي تقدّم السّندات. في الواقع، حصلت إحدى الشّركات على طلب على سنداتها أكثر ممّا سوّقته. في مثل هذا الوقت، يشكّل بيع سندات شركة معيّنة مؤشّرًا هامًا. لطالما نجحت الشّركات التّركيّة في سداد ديونها.

المونيتور:  إنّ الاحتياطي الفدرالي الأميركي، وهو في طور زيادة معدّلات الفائدة، لديه توقّعات سلبيّة للدّول النّامية. وإلى جانب ذلك، تبرز حاليًا المخاطر السّياسيّة التي تتعامل معها تركيا في السّنوات الأخيرة. كيف يمكن تمييز تركيا عن غيرها من الدّول النّامية؟ ما الخطوة التّالية بالنّسبة إلى تركيا؟

شيمشك:  بالنّسبة إليّ، الأهمّ هو أن تترك تركيا خلفها مرحلة عدم اليقين السّياسي. لقد اجتزنا أجواء انتخابات طويلة. والتّساؤلات التي ولّدتها جماعة كولن [ما يُسمَّى بتنظيم فتح الله كولن الإرهابي] التي أفسدت تصوّرات النّاس باتت خلفنا. اليوم يتمتّع النّاس في تركيا بفهم أوضح للتطوّرات السّياسيّة في السّنوات الأخيرة. على سبيل المثال، يجري الآن النّظر إلى [تحقيقات الفساد في العام 2013] كمحاولة انقلاب من جانب القضاء والشّرطة. ولقد عشنا مؤخّرًا محاولة انقلاب. هل هناك ما هو أكثر ضررًا على بلد ما؟ علينا المحافظة على علاقاتنا مع الغرب على أساس منطقي. لقد تخطيّنا كارثة للتوّ. وتنشأ اليوم التباسات مع الغرب بسبب محاولة الانقلاب هذه. لكنّنا سنتخطّى الأمر. وسيدرك الغرب أنّ لتركيا أسسًا متينة. تركيا شريك يمكن الوثوق به. هذا أمر مهمّ للغاية.

بالإضافة إلى ذلك، نحن نحاول تخطّي المشاكل مع الدّول في منطقتنا، كما فعلنا مع روسيا وإسرائيل. فحلّ المشاكل مع دول المنطقة أمر مهمّ. ومن المهمّ أيضًا أن نحافظ على علاقاتنا مع الغرب وأنا لا أرى أيّ خطر عليها. يبقى على تركيا أن تحلّ سريعًا مشاكلها الهيكليّة مع الإصلاحات. وسنقوم بذلك. وهذا سيميّز تركيا عن غيرها.

المونيتور:  نجد اختلافًا كبيرًا في التّقييم بين الرّأي العام الغربي والرّأي العام التّركي بعد محاولة الانقلاب. سبق وقلتم إنّ هذه مسألة رئيسيّة. وأكثر ما يقلق بشأنه الغرب هو الضّرر اللّاحق بالبنية الدّيمقراطيّة في تركيا. ما رأيك؟

شيمشك:  في الواقع، الحياة في تركيا طبيعيّة جدًا باستثناء مسألة جماعة كولن. بالنّسبة إلى النّاس العاديّين، عادت الحياة إلى طبيعتها، فهم يواصلون حياتهم كالسّابق. والإعلان عن حالة الطّوارئ لم يخلق وضعًا مزعجًا للنّاس.

لكن للأسف، يميلون في الغرب إلى قراءة التطوّرات بشكل خاطئ. لو تعرّض بلدهم لعمل غادر مماثل، كيف ستكون ردّة فعلهم؟ كيف يمكنهم مقاومة جسم تغلغل في قلب الدّولة؟

على سبيل المثال، مع الحديث عن أهميّة القضاء، أيّ عدالة نتكلّم عنها لدى قيام محاولة للاستيلاء على النّظام من قبل [الذين] يتلقّون الأوامر من تنظيم دخيل؟ باتت جميع القطاعات في تركيا الآن تنعم بالسّلام بفضل الطّريقة التي عدنا فيها من شفير الهاوية. شعبنا يعيش في أمن وراحة. لكنّ الغرب لا.

المونيتور:  بعد محاولة الانقلاب، اتّخذت الحكومة تدابير سريعة. فجرى تعيين أمناء على الشّركات المتّهمة بالانتماء إلى مجموعة فتح الله كولن. جرى اعتقال مدراء هذه الشّركات، وبعضها شركات كبرى. هل يمكن أن تشكّل هذه العمليّات ضدّ الشّركات الخاصّة خطرًا نظاميًا على الاقتصاد؟

شيمشك:  نحن نعمل بعقلانيّة لتجنّب المخاطر. قمنا بتعيين أمناء لإدارة هذه الشركات. وواجبهم هو حماية حقوق العمّال. هم يحرصون على أن تواصل الشّركات عملها بإدارة حكيمة حتّى لا يكون هناك أيّ مخاطر كبيرة.

سيصدر قرار بشأن جماعة كولن في غضون 15 إلى 20 يومًا [يتعلّق] بالشّركات وبالأشخاص العاملين فيها.

تحلّت تركيا بالمرونة في مسائل كثيرة في الماضي. على سبيل المثال، وقع الهجوم الإرهابي في بروكسل ولم يتمكّنوا من استعادة النّقل الجوّي لأكثر من أسبوع. أمّا في تركيا، فعشنا هجومًا إرهابيًا أكثر مأساويّة بكثير وعاد نقلنا الجوّي إلى طبيعته في غضون خمس إلى ستّ ساعات.

المونيتور:  هل تخطّطون لأيّ تدابير من شأنها دعم الاقتصاد؟

شيمشك:  بما أنّنا لم نثبت وجود أيّ آثار دائمة على الاقتصاد بعد محاولة الانقلاب، لن نكون بحاجة إلى قرارات حاسمة في هذا الوقت. وفي حال دعت الحاجة إلى أيّ تعديل، سنقوم به. نحن نعمل على تشجيع الاستثمار.

المونيتور:  تعاني تركيا مشكلة أخرى منذ بعض الوقت. فكلّ من الاستثمار المحلّي والاستثمار الأجنبي ضعيف. هل ستبعد الأحداث الأخيرة المستثمرين أكثر حتّى؟

شيمشك:  على الرّغم من الظّروف العالميّة السّلبيّة، ليست الاستثمارات في تركيا بهذا السّوء. نحن نحصل على استثمارات أجنبيّة تعادل حوالي 2 إلى 3% من دخلنا القومي. في الواقع، لم يتراجع الاستثمار في تركيا فحسب، فهو ضعيف في كافّة أنحاء العالم، ويعود السّبب بشكل أساسي إلى الشّكّ السّائد. في العالم، تتمتّع بعض القطاعات بفائض في القدرة. وتجري عمليّة انكماشيّة عندما لا ترتفع الأسعار، أو حتّى تنخفض. هوامش الرّبح تتراجع، وفي مثل هذا المناخ، سيبقى الاستثمار ضعيفًا.

أمّا بالنّسبة إلى تركيا، فلقد تركنا خلفنا فترة من الشّكّ. وخلقنا جوًا يبعث على زيادة الاستثمار. أنا لست متشائمًا. بلغ الشكّ ذروته في 15 تموز/يوليو. لكن من الآن فصاعدًا سنشهد تحسّنًا. تركنا الأسوأ خلفنا. لكن علينا التّعامل مع التّصوّرات الخاطئة في الخارج. وذلك يتطلّب جهودًا خاصّة.

المونيتور:  سؤالي الأخير يتمحور حول العلاقات مع روسيا. هناك عمليّة تطبيع في الميدان السّياسي. متى ستعود العلاقات الاقتصاديّة إلى قواعدها؟

شيمشك:  إنّ الزّيارة المرتقبة لرئيسنا إلى روسيا هي تعبير عن الرّغبة في العودة إلى ما قبل 24 تشرين الثاني/نوفمبر [العلاقات قبل إسقاط تركيا للطّائرة الحربيّة الرّوسيّة]. سنختبر تطبيعًا سريعًا في بعض المجالات الاقتصاديّة، لكنّ ذلك قد يكون أبطأ في بعض القطاعات الاقتصاديّة الأخرى. على سبيل المثال، كان من المهمّ جدًا أن تستأنف روسيا طيرانها العارض إلى تركيا. ولقد اتّخذنا عددًا من التّدابير لتبديد مخاوفهم الأمنيّة.

More from Kerim Karakaya

Recommended Articles