تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

يشهد العراق مخاضاً صعباً لظهور تيّارات سياسيّة عابرة للطوائف

تعمق الخلافات الداخلية بين الأحزاب السياسية العراقية تؤدي بهم الى الانفتاح تجاه الأحزاب للطوائف الأخرى ساعين بتشكيل تحالفات سياسية عابرة للطوائف.
Iraqi Defence Minister Khaled al-Obeidi speaks to the media at an Iraqi army base in Camp Taji in Baghdad, February 21, 2016. REUTERS/Ahmed Saad - RTX27Y23

العراق، النجف - خلق استجواب وزير الدفاع العراقيّ خالد العبيدي من قبل البرلمان في الأوّل من آب/أغسطس هزّة كبيرة في المشهد السياسيّ العراقيّ، إذ تحوّل الأوّل في الدقائق الأولى من مستجوَب الى مستجوِب، وألقى تهماً عدّة على معارضيه من كبار القادة السياسيّين. ولقد انسحب أثر ذلك رئيس البرلمان سليم الجبوري، الّذي هو والوزير من الطائفة السنيّة، من الجلسة، معترضاً على الإتّهامات الصادرة بحقّه من قبل خالد العبيدي.

وشملت الاتّهامات القيام بابتزاز العبيدي والضغط عليه لتمرير صفقات فساد أو تعيين أشخاص مرتبطين بكتلة أو نائب محدّد. ومن جهة المتّهمين، ولو أنّها شملت نوّاباً من الطائفتين الشيعيّة والسنيّة، لكنّها تركّزت على كتل سياسيّة محدّدة عرفت بعدائها لخالد العبيدي من خلال استجوابات عدّة قامت بها سابقاً. واستهدفت معظم اتّهامات العبيدي نوّاباً من الحزب الإسلاميّ (السنيّ) ومنهم سليم الجبوري، بينما نالت اتّهامات نوّاباً شيعة أيضاً من دولة القانون، وعلى رأسهم السيّدتان عالية نصيف وحنان الفتلاوي.

وقد أدّى ذلك إلى اعتبار جلسة الاستجواب انعكاساً للخلافات بين السياسيّين السنّة، حسب تعبير القياديّ في تحالف القوى الوطنيّة (السنيّة) بدر الفحل، منتقداً إصرار البرلمان على استجواب العبيدي في الوقت الحاليّ رغم انشغاله بالقتال. وعقب جلسة الاستجواب، اتّجه تحالف القوى العراقيّة المتضمّنة معظم الأحزاب السنيّة إلى ترشيح بدلاء للجبوري، مرجّحين استقالته بنفسه أو إقالته من قبل المجلس بعد الاتّهامات الّتي وجّهت إليه. وكان العرّاب لحملة التّرشيح لخليفة سليم الجبوري هو النائب أحمد الجبوري من كتلة إئتلاف العراق (السنيّة). وقد أعلنت الكتلة في نيسان/إبريل هذا العام انسحابها من تحالف القوى (السنيّة)، وأنّها انضمّت مع كتل وأحزاب شيعيّة وسنيّة أخرى ضمن جبهة الإصلاح المطالبة بإقالة الرئاسات الثلاث.

وكان أحمد الجبوري قد رشّح نفسه لرئاسة البرلمان بعد قيام جبهة الإصلاح بإقالة سليم الجبوري في ١٤ نيسان/إبريل هذا العام، ولكن أثبتت المحكمة الإتحاديّة العليا سليم الجبوري بعد إعلانها في ٢٨ حزيران/يونيو هذا العام إبطال جلسة إقالته.

وبادر العبيدي، بعد جلسة الاستجواب، إلى الإدلاء بإفاداته لهيئتي النزاهة والإدعاء العام في 4 آب/أغسطس. وفي المقابل، قام سليم الجبوري برفع دعوى قضائيّة ضدّه بتهمة التشهير وبث الأكاذيب، إضافة إلى "إهانة مؤسّسات الدولة السياديّة" في 7 آب/أغسطس. وفي علامة أخرى لتوسيع الانشقاق داخل الصف السنيّ، اعتبر سليم الجبوري اتّهامات العبيدي "مسرحيّة لإفشال استجوابه"، واتّهمه بأنّه أصبح "أداة لتنفيذ صراع سنيّ–سنيّ".

وذهب الجبوري أبعد من ذلك ليتّهم زعيم إئتلاف "متّحدون" أسامة النجيفي بالوقوف وراء اتّهمات العبيدي من أجل الإطاحة به، لكنّ أسامة النجيفي نفى وجود أجندات لإشعال "صراع داخل المكوّن السنيّ" من خلال إطلاق اتّهامات على قادة سنّة من قبل العبيدي، مؤكّداً أنّ ما يقوم به العبيدي هو "صراع ضدّ الفساد"، مشدّداً على أنّه "لا يسمح أبداً بأن يتمّ الاحتماء بالطائفة لتغطية الفساد". والجدير بالذكر أنّ العبيدي يعدّ ضمن جناح النجيفي في التقسيمات السياسيّة السنيّة.

ومن جهة الشيعة، لاقت مبادرة العبيدي بإطلاق اتّهامات فساد ضدّ بعض النوّاب والقادة السياسيّين ترحيباً كبيراً، إذ زار مدينة الكاظميّة ذات الأغلبيّة الشيعيّة الساحقة، والّتي تحتضن مرقد الإمامين السابع والتّاسع للشيعة، تحديداً في يوم جلسة الاستجواب ليلاً، واستقبله جموح الشيعة بشعارات مؤيّدة.

وفي الوسط السياسيّ الشيعيّ أيضاً، حظي العبيدي بدعم كبير من قبل رئيس الوزراء الشيعيّ حيدر العبادي، الّذي أصدر أمراً بـ"المنع الموقّت لسفر من ورد اسمهم في استجواب مجلس النوّاب ليوم الاثنين، الأوّل من آب/أغسطس"، وهو يوم الاستجواب نفسه، وذلك "من أجل التّحقيق في صحّة الإدعاءات ولخطورة التّهم الواردة"، حسبما جاء في بيان المكتب الإعلاميّ للعبادي.

ولقد أبدى الزعيمان الشيعيّان السيّدان عمّار الحكيم ومقتدى الصدر دعمهما الكامل للعبيدي، فندّدا بعمليّة ابتزازه من قبل النوّاب المتّهمين في جلسة الاستجواب، وطالبا بإجراء إصلاحات جذريّة لمكافحة الفساد في الحكومة. والجدير بالذكر أنّ نوّاب كتلتي عمّار الحكيم ومقتدى الصدر لم ينلهم أيّ اتّهام من قبل العبيدي في جلسة الاستجواب. وقد حظي دعم القيادات الشيعيّة بترحيب من قبل جناح النجيفي ضمن القوى السنيّة، إذ أعيد نشر أخبار الدعم الشيعيّ للعبيدي على الصفحات المرتبطة بالنجيفي.

أمّا كتلة إئتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي فندّدت بما فعله خالد العبيدي في جلسة الاستجواب، معتبرة الاتّهامات الّتي أطلقها "محاولة لحرف جلسة استجوابه"، وأنّ ما ذكره لا يبرّئ ساحته، بل هو أيضاً يجب محاسبته بسبب التّأخير عن إعلان جرائم الفساد واحتمال تورّطه أيضاً ببعضها.

والجدير بالذكر أنّ النائبتين الشيعيّتين الّتين شملتهما اتّهامات العبيدي، هما حنان الفتلاوي وعالية نصيف، من إئتلاف دولة القانون. ولم يصدر أيّ موقف من قبل نوري المالكي على خلاف الزعماء الشيعة الآخرين مثل العبادي والحكيم والصدر في خصوص استجواب خالد العبيدي، ممّا يظهر عدم ارتياحه على الأقلّ لما حدث. ويؤيّد ذلك ما نشرته مواقع عدّة عن احتمال تورّط المالكي بالشراكة مع سليم الجبوري بسحب الثقة من خالد العبيدي في جلسة الاستجواب، ولكن حدثت الأمور على غير ما كان يتوقّع.

وما يظهره هذا كلّه أنّ هناك انقسامات كبيرة داخل الكتل السياسيّة الكبرى المبنيّة على أساس الهويّة الطائفية، تحاول أيّ منها إيجاد كتلة سياسيّة عابرة للطوائف حسب مصالح سياسيّة مشتركة بينها، إضافة إلى ذلك المشهد الكرديّ الّذي أدّى إئتلاف الأخير بين الإتّحاد الوطنيّ والتّغيير إلى انقسام كرديّ، متزامناً مع تقارب الإئتلاف الأخير مع القوى العربيّة الشيعيّة.