تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف جرى إحباط الانقلاب

إنّ تحرّكات هاكان فيدان، رئيس جهاز الاستخبارات الوطني، أجبرت مدبّري الانقلاب على تغيير خططهم، ما أدّى في نهاية المطاف إلى فشل محاولتهم.
Policemen stand atop military armored vehicles after troops involved in the coup surrendered on the Bosphorus Bridge in Istanbul, Turkey July 16, 2016.   REUTERS/Murad Sezer  - RTSI8W9

مساء يوم 15 تموز/يوليو، قامت الشّبكات التّلفزيونيّة التّركيّة بإعلام عامّة الشّعب حوالي السّاعة الحادية عشر ليلاً بأنّ مجموعة صغيرة من المتمرّدين من أفراد القوّات المسلّحة التّركيّة، مرتبطة بجماعة كولن، بدأت بانقلاب. ومنذ ذلك الحين، بدأت افتراضات لا نهاية لها بشأن محاولة الانقلاب الفاشلة، بما في ذلك ما إذا كان الانقلاب حيلة دبّرها الرّئيس رجب طيب أردوغان. وفي مجتمع يحبّ نظريّات المؤامرة، لم نجد إلا الارتباك، حتّى في صفوف كبار المسؤولين الحكوميّين والجنرالات. لقد كنت شاهد عيان على اللّيلة الطّويلة في أنقرة، وفي ما يلي بعض استنتاجاتي عن تلك اللّيلة بالتّعاون مع أشخاص من أصحاب المناصب العليا ومسؤولين حكوميّين بارزين.

حصل جهاز الاستخبارات الوطني التّركي على معلومات عن محاولة انقلاب محتملة، ولم تكن هذه المرّة الأولى التي يتلقّى فيها جهاز الاستخبارات مثل هذه المعلومات الاستخباراتيّة. عمل رئيس الاستخبارات هاكان فيدان بجدّ منذ الثالثة بعد الظّهر حتّى وقت باكر من الصّباح التّالي لإحباط المحاولة. وتواصل فيدان مع كبير مسؤولي هيئة الأركان العامّة واتّخذ تدابير للتّصدّي لاحتمال أيّ انقلاب. عندها، قرّر مدبّرو الانقلاب، الذين كانوا أكثر تنظيمًا وعددًا ممّا اعتقد جهاز الاستخبارات في البداية، أن يقدّموا الموعد بدلاً من إلغاء العمليّة. باختصار، أجبرهم اجتهاد فيدان على البدء بعمليّتهم أبكر بستّ ساعات من الوقت المحدّد.

كانت لذلك تداعيات هامّة جعلت مدبّري الانقلاب يبدون غير كفوئين. أوّلاً، فشلوا في فرض القيادة والسّيطرة اللّازمتين على القوّات المسلّحة. وفي بداية العمليّة، قُتِل العميد سميح ترزي، وهو من أبرز مدبّري الانقلاب، على يد عسكري صغير. ففضلاً عن إضعاف معنويّات مدبّري الانقلاب، أدّى مقتل ترزي إلى تقويض نظام القيادة والتّحكّم الخاصّ بهم. فلم يعد بالإمكان التّحكّم بالمؤامرة من مركز واحد، وبدلاً من ذلك أطلقت مجموعات غير مترابطة جيّدًا تحرّكات غير منسّقة.

سؤال واحد حيّر كثيرين: إذا كانت العمليّة محاولة انقلاب فعليّة، لماذا لم يعتقلوا أردوغان في البداية؟ لأنّ بعض المجموعات لم تملك أيّ وسيلة اتّصال وبالتّالي لم تعلم بتغيير التّوقيت. فأعضاء وحدة كوماندوس النخبة المكلّفة القبض على أردوغان في مدينة مرمريس السّياحيّة، كانوا قد سلّموا هواتفهم وبالتالي لم يكن بالإمكان إبلاغهم بالخطّة المعدّلة. التزموا إذًا بالخطّة الأساسيّة وذهبوا لاعتقال أردوغان عند حوالي الثّالثة فجرًا لكنّهم لم يجدوه.

وقال للمونيتور رجال أمن على مستوى بارز إنّ مدبّري الانقلاب لم يخطّطوا لقتل أردوغان أو فيدان، بل خطّطوا لاحتجازهما رهينتين لإذلالهما أكثر. وإنّ أفضل قوّات "فريق البحث والإنقاذ" و"الدّفاع والهجوم تحت الماء" في القوات الجويّة التّركيّة أوكِلوا بمهمّة القبض على أردوغان، ولهذا السّبب لم يجر قصف فندقه في مرمريس. وتستمرّ المخاوف من أن يقوم رجال الكوماندوس من وحدات الانقلاب، الذين لم يُعثَر عليهم بعد، بعمليّات اغتيال موجّهة.

كانت الإخفاقات واضحة أيضًا في جهود مدبّري الانقلاب للسيّطرة على وسائل الإعلام التّركيّة. أوّلاً، فشلوا في الاستيلاء على تركسات، شركة الاتّصالات الساتلية والكبليّة التّركيّة، وبالتّالي السيّطرة على الاتّصالات المتنقّلة بما في ذلك تعطيلها. فلو قاموا بذلك، لما تمكّن أردوغان من استعمال تطبيق "فيس تايم" للتحدّث إلى الرّأي العام وبثّ رسالته على التّلفزيون. وعدا عن أنّ الكتيبات الصّغيرة التي أرسلوها للسّيطرة على القنوات العامّة والخاصّة أتت متأخّرة للغاية، هي كانت صغيرة جدًا من حيث العدد على أن تكون فعّالة.

عندما بات مفهومًا أنّ مدبّري الانقلاب لن يتراجعوا، فعّل جهاز الاستخبارات رشّاشات دوشكا عيار 12.7 ملم المضادّة للطّائرات. أخذ ذلك مدبّري الانقلاب على حين غرّة لأنّهم لم يعلموا أنّ جهاز الاستخبارات يمتلك هذه الأسلحة وأنّه قادر على نشرها. حمت الأسلحة المضادة للطّائرات أيضًا القصر الرّئاسي ولذلك لم يُمْنَ بخسائر فادحة على عكس مقرّ وحدات العمليّات الخاصّة والشّرطة في أنقرة. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه هي المرّة الأولى التي يستعرض فيها جهاز الاستخبارات قدرته على المشاركة في القتال. لم تتمكّن المروحيّات التي تحمل القوّات القادمة لاستهداف مقرّ جهاز الاستخبارات من أن تحطّ، ونجا جهاز الاستخبارات من محاولة الانقلاب بثلاث إصابات فقط في صفوفه.

على الرّغم من كلّ عمل فيدان الدّؤوب خلف الكواليس، جرى انتقاده لعدم مشاركة المعلومات في وقت أبكر مع أردوغان حول احتمال تنفيذ انقلاب. ويعود ذلك على الأرجح إلى أنّ هذه لم تكن المرّة الأولى التي يحصل فيها جهاز الاستخبارات على معلومات استخباريّة عن انقلاب محتمل. ونظرًا إلى تطمينات كبار المسؤولين العسكريّين، من المرّجح أنّ فيدان لم يرغب في إطلاق إنذار كاذب. مع ذلك، هو كان قد اتّصل برئيس فريق أردوغان الأمني لتحذيره كي يبقى بحالة تأهّب. لكنّ عدم قيامه بإطلاع الرّئيس ورئيس الوزراء بن علي يلدريم في الوقت المناسب من المتوقّع أن يكلّف فيدان وظيفته.

في غضون ذلك، قامت وسائل الإعلام الموالية للحكومة باتّهام واشنطن بدعم مدبّري الانقلاب، لتؤجّج بذلك استياء الرّأي العام التّركي من الولايات المتّحدة. فواقع أنّ فتح الله كولن، قائد جماعة كولن، لا يزال يعيش في الولايات المتّحدة، وواقع أنّ حكومة أوباما انتظرت ثلاث ساعات قبل التّصريح دفاعًا عن الدّيمقراطيّة في تركيا هما السّببان الرّئيسيّان اللّذان يدفعان نخب الحكومة التّركيّة إلى الاشتباه في أنّ الولايات المتّحدة تتعاون مع مناصري كولن.

وعلاوة على كلّ ذلك، نشرت ويكيليكس حوالي 300,000 رسالة الكترونيّة خاصّة بمسؤولي حزب العدالة والتّنمية. وإنّ نخب حزب العدالة والتّنمية مقتنعون بأنّ مناصري كولن هم الذين جمعوا الرّسائل الالكترونيّة وسلّموها لويكيليكس. وبحسب هذه النظريّة، وقّتت ويكيليكس نشر الرّسائل الالكترونيّة بحيث يلي ما كان من المفترض أن يكون انقلابًا ناجحًا. سيكون أردوغان عندها رهن الاعتقال، وسيساعد محتوى الرّسائل على إذلاله أكثر وتبرير الانقلاب.

لا بدّ أنّ عرض محتويات الرّسائل الالكترونيّة خلق صدمة عظيمة تردّدت موجاتها في أوساط نخب حزب العدالة والتّنمية. فقد قامت هيئة الرّقابة على الانترنت في تركيا بحجب موقع ويكيليكس في تركيا في 20 تموز/يوليو. وقال مجلس الاتّصالات إنّه جرى اتّخاذ "تدبير إداريّ" ضدّ الموقع.

يمكن التقاط بعض المعلومات ممّا أكّده المسؤولون للمونيتور. لم تكن محاولة الانقلاب عمل مجموعة صغيرة من المتمرّدين، والخطّة لا تدلّ على عدم خبرة. فمدبّرو الانقلاب تمتّعوا بدعم من جميع أقسام القوّات المسلّحة وتمكّنوا من إقفال كلّ الحدود التّركيّة. لكن جرى إجهاض الانقلاب بفضل جهود جهاز الاستخبارات الوطني، وهو لم يفشل ببساطة من تلقاء نفسه بعد إطلاقه.

على الرّغم من أنّ القوّات الجوّيّة والبحريّة شاركت بكثافة في الانقلاب، لا يزال موقف القوّات البريّة التّركيّة، التي تشكّل الجزء الأكبر من الجيش، غامضًا بالنّسبة إلى نخب حزب العدالة والتّنمية. ولا يزال هناك قلق كبير من متابعة محاولة انقلاب. يبقى سؤال واحد بدون جواب، وهو لماذا، على الرّغم من أنّهم كانوا يعلمون باقتراب محاولة الانقلاب، كانت الشّرطة إلى جانب عامة الشّعب – بدلاً من باقي القوّات المسلّحة – هم من نزلوا إلى الشّوارع ليحاولوا وقف طائرات الأف 16 والدّبّابات.

لم يكن الانقلاب مؤامرة من تخطيط أردوغان، لكن إذا نجح هذا الأخير في أن يقمع بشكل كامل محاولة الاستيلاء على البلاد، سيحكم قبضته على السّلطة أكثر فأكثر. والجدير بالذّكر هو أنّ الإعلام الرّئيسي في تركيا أدّى دورًا رئيسيًا في حشد الدّعم لأردوغان. فدعمهم غير المشروط منع أيًا كان من التّشكيك في دعوات الحكومة لعامّة الشّعب للمشاركة في تظاهرات من أجل الدّيمقراطيّة.

في النّهاية، إنّ التّسرّع في الحكم مع معلومات غير مكتملة هو أمر خطير، ونظرًا إلى الطّبيعة السّرّيّة والملتبسة للانقلاب المخطّط له، هناك معلومات أهمّ بكثير لا تزال مجهولة.