تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل حدثت إنتهاكات لحقوق الإنسان في معركة تحرير الفلّوجة؟

حصول انتهاكات واعتداءات على المدنيين من أهل الفلوجة من قبل قوات الحشد الشعبي. ويبدو أن الصورة النمطية عن سكان الفلوجة بوصفهم "جميعهم دواعش"، شكّلت عاملاً لممارسة الاعتداء عليهم.
Iraqi Shiite Muslim men from Hashid Shaabi (Popular Mobilization) march during a parade marking the annual al-Quds Day, or Jerusalem Day, on the last Friday of the Muslim holy month of Ramadan in Baghdad, July 10, 2015. REUTERS/Thaier al-Sudani  - RTX1JVPP

بغداد - تشارك في معركة تحرير الفلّوجة التي إنطلقت في الثالث والعشرين من آيار/مايو 2016 فصائل مسلّحة تابعة لقوّات الحشد الشعبيّ، المساندة للقوّات الأمنيّة العراقيّة الحكوميّة، بيد أنّ لبعضها علاقات غير خافية بجمهوريّة إيران الإسلاميّة، عبر فيلق القدس وقائده قاسم سُليماني الموجود على نحو علنيّ في العراق منذ أن استولى تنظيم "داعش" على مدينة الموصل في 10 حزيران/يونيو من عام 2014. وكان بعض القوى السنيّة العراقيّة رفض مشاركة قوّات الحشد الشعبيّ في معركة تحرير الفلّوجة، مبرّراً الأمر أنّها ميليشيات وسترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان، مثلما فعلت العام الماضي في مدينة تكريت في محافظة صلاح الدين.

والحال أنّ هذا الموقف الرافض، وإن بدا جزءاً من الهواجس الطائفيّة، إلاّ أنه يستند على بعض الشواهد والحكايات. ففي مقاطع فيديو بثّها ناشطون على الإنترنت تشاهد قوّات من الحشد الشعبيّ تقوم بضرب المدنيّين والإعتداء عليهم، لكن لم يُعرف حتى الآن حجم الإنتهاكات التي حدثت. ويظهر في مقطع فيديو آخر شخص يرتدي الزيّ العسكريّ يضرب مجموعة من الرجال المدنيّين بالعصا، طالباً منهم أن يقولوا بصوت مرتفع إنّ "أهل الفلّوجة نساء". وهناك مقطع فيديو ثالث بثّه ناشطون سُنة على "يوتيوب" يظهر فيه مجموعة من الرجال المدنيّين في حال يرثى لها، فبعضهم مدمّى، وشخص ملقى على الأرض في حال إغماء، متّهماً بعض قوّات الحشد الشعبيّ بارتكاب إنتهاكات ضدّهم، وأنّ قوّات الحشد كانت قد اتّهمتهم بالإنتماء إلى تنظيم داعش.

وفي تقرير تلفزيونيّ بثّته قناة "العربيّة" السعوديّة في 6 حزيران/يونيو الحاليّ، تحدّث رجل من سكان مدينة الفلوجة يتّضح أنّه في العقد السادس من عمره فقال: "إنّ الحشد الشعبيّ حمله ومعه عدد اخر من المدنيين الفارين من الفلوجة في سيّارات حمل كبيرة ونقلهم من قضاء الكرمة إلى قضاء الصقلاويّة، وإنّهم تعرّضوا للضرب".

وعن أخبار كهذه، قال سعد الحديثي، وهو المتحدّث باسم رئيس الحكومة العراقيّة حيدر العبادي في مقابلة مع "المونيتور": "إنّ رئيس الحكومة أصدر أوامر بإلقاء القبض على كلّ من اتّهم بارتكاب إنتهاكات ضدّ المدنيّين في معركة الفلّوجة وإيقافه عن القتال أيّاً كان شخصه، وإحالته على التّحقيق. وحاليّاً، تجري تحقيقات مع بعض مرتكبي الإنتهاكات لينال الجزاء العادل".

أضاف: "ليس للحكومة العراقيّة مصلحة بحصول إنتهاكات لحقوق الإنسان، فعلى العكس من ذلك، كلّ انتهاك يؤثّر على سمعتها وعلى سير المعركة عموماً. ومنذ انطلاق معركة تحرير الفلّوجة، أكّد رئيس الحكومة أنّ القوّات الّتي ستدخل الفلّوجة محرّرة وليست معتدية، وكان بإمكان القوّات العراقيّة استعادة الفلّوجة في وقت قصير، لكنّها وضعت سلامة المدنيّين قبل كلّ شيء. ومن هنا، فهي تتقدّم ببطء".

وفي تقرير نشر في 9 حزيران/يونيو الحاليّ، قالت منظّمة "هيومن رايتس ووتش": "إنّ التحقيقات المعلنة عن مزاعم الإنتهاكات بحقّ المدنيّين في الفلّوجة من قبل قوّات حكوميّة عراقيّة، تعدّ اختباراً لمدى قدرة الحكومة على محاسبة القوّات المسيئة، وعلى القضاء إجراء هذا التحقيق في شكل شفّاف ومحايد، وتقييم مسؤوليّة القيادة وضمان حماية المدنيّين والشهود".

بيد أنّ المتحدّث باسم قوّات الحشد الشعبيّ كريم النوري شكّك في حديثه لـ"المونيتور" بالروايات المتداولة، قائلاً: "إنّ الإنتهاكات الّتي تحدّثت عنها وسائل إعلام واتّهمت الحشد الشعبيّ بارتكابها لم يتمّ التأكّد منها حتّى الآن، لأنّ هناك جهات -لم يسمها- تعمل على إظهار الحشد في شكل سلبيّ".

أضاف: "نحن في الحشد الشعبيّ حريصون على سلامة المدنيّين، فهناك صور ومقاطع فيديو تظهر تعاملنا الإنسانيّ معهم بإعتبارهم إخوتنا وأهلنا، لكنّ الإعلام يسلّط الضوء على أمور غير موجودة، ويبث صوراً وفيديوهات مفبركة".

من جهة أخرى، قالت الباحثة في الملف العراقيّ بمنظّمة العفو الدوليّة "أمنستي" ديانا الطحاوي في اتّصال مع "المونيتور": "إنّ بواعث قلق منظّمة العفو الدوليّة مبنيّة على المعلومات الّتي تمّ جمعها وشهادات الأفراد الّذين تمكّنوا من الفرار من الفلّوجة والمناطق المحيطة منذ 23 أيّار/مايو من عام 2016، ومن بينهم مسؤولون محليّون ونشطاء ومعتقلون سابقون".

أضافت: "إنّ الشهادات تشير إلى أنّ المقاتلين مع وحدات التعبئة الشعبيّة (الحشد الشعبيّ) قاموا بإساءة المعاملة لمئات الرجال من الصقلاويّة بعد اعتقالهم في 2 حزيران/يونيو الحاليّ، وإنّ العديد من المعتقلين الّذين نقلوا إلى قضاء الفلّوجة كانوا مصابين بكسور وكدمات ورضوض وحروق نتيجة الضرب الّذي تعرّضوا له من القوّات الّتي اعتقلتهم".

وفي 13 حزيران/يونيو الحاليّ، أعلن محافظ الأنبار صهيب الراوي توصيات اللّجنة الّتي شكّلت من قبله للتحقيق في الممارسات و"الإعتداءات"، الّتي نسبت إلى قوّات الحشد الشعبيّ بحقّ الفارّين من مناطق الفلّوجة.

وطالبت اللجنة بحسب محافظ الأنبار "القائد العام للقوّات المسلّحة حيدر العبادي ورئيس هيئة الحشد فالح الفّياض بإيقاف عمل فصائل الحشد الشعبيّ الموجودة في قاطع المسؤوليّة (محيط الفلّوجة)، حيث حصلت الجرائم وإخراجهم من هناك".

وأكّدت اللّجنة ضرورة "مطالبة رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي بالتدخّل شخصيّاً لمعرفة مصير الذين فقدوا اثناء هروبهم من مناطق النزاع في قضاء الصقلاوية، حيث فقد 443 وقتل 49 آخرين".

وفي 5 حزيران/يونيو الحاليّ، اعترف حيدر العبادي في تصريحات صحافيّة نقلتها قناة العراقيّة شبه الرسميّة بحصول أخطاء، قائلاً: "هناك أخطاء، وأنا أعترف، ولدينا مقاتلون شاركوا في معارك الفلّوجة ليسوا على نمط واحد".

أضاف: "لا نقبل بأيّ تجاوز، وأكّدنا على الجهات الأمنيّة أن تراعي حقوق الإنسان وتحترم كرامة المدنيّين، والتجاوزات ضدّ المدنيّين ليست منهجيّة، لكنّنا لن نسكت عنها، ولن نتستّر على أحد".

وفي واقع الحال، إنّ الإنتهاكات الّتي حدثت في معركة الفلّوجة قد لا تكون الأخيرة، فهناك أعداد كبيرة من المقاتلين المنتمين إلى القوّات الأمنيّة العراقيّة أو القوّات المساندة لها غير مدرّبين على التعامل مع المدنيّين في مناطق النزاع. كما أنّ الصورة النمطيّة عن سكّان الفلّوجة بوصفهم "جميعهم دواعش"، شكّلت عاملاً آخر دفع بعض المقاتلين الموالين إلى الحكومة لممارسة الإعتداء عليهم.

More from Mustafa Saadoun

Recommended Articles