تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

برامج موجّهة... السيسي على خطى "ناشي"

RTX2ETMJ.jpg

"بقوّة شبابها... تحيا مصر"، هذا هو عنوان البرنامج الرئاسيّ لتأهيل الشباب للقيادة الذي أطلقه الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي في 13 أيلول/سبتمبر 2015، وهدفه المعلن إنشاء قاعدة شبابيّة قادرة على تولّي المسؤوليّة السياسيّة والإداريّة للدولة، لتكوين نواة لمجتمع يفكّر ويتعلّم ويبتكر وفقاً للبرنامج. بينما يرى البعض أنّ الهدف غير المعلن هو استغلال الشباب لتكوين ظهير سياسيّ للرئيس، خصوصاً أنّ السيسي غير منتمٍ إلى أحزاب سياسيّة ويعتمد على المؤسّسة العسكريّة ورصيدها الشعبيّ.

وفي 9 كانون الثاني/يناير 2016، أطلق السيسي حملة "2016 عام الشباب"، بحجّة أنّه يشهد ظهوراً قويّاً للشباب على الساحة السياسيّة، لكن في الوقت ذاته، نفّذت قوّات الشرطة حملة اعتقالات غير مسبوقة، لقمع الأصوات المعارضة للرئيس، خصوصاً الرافضين لقانون التظاهر، وفي قضيّة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير إلى السعوديّة، وألقوا في السجون بتهمة السعي إلى قلب نظام الحكم ونشر الفوضى.

وتعيد التجربة التي يتبنّاها الرئيس المصريّ باستخدام الشباب الأذهان إلى التجربة الروسيّة، التي تمثّلت في المنظّمة الشبابيّة الروسية "ناشي"، التي تأسّست في عام 2005، وتتلقّى تمويلاً من رجال أعمال موالين للسلطة، لاستكمال أهداف منظّمات سابقة، مثل "الحرس الشبابيّ" التابع إلى حزب "روسيا الاتّحاديّة" الموالي لفلاديمير بوتين، بهدف دعم الرئيس الروسيّ في الشارع السياسيّ ضدّ معارضيه.

وأكّد السيسي، الذي يشرف على برنامج تأهيل الشباب للقيادة السياسيّة بنفسه، خلال اجتماعه بوزراء الشباب العرب، في 16 أيّار/مايو الجاري، أهميّة عدم ترك المجال لملء الفراغ لدى الشباب بأفكار هدّامة أو مغلوطة، على حدّ تعبيره.

وبدأ بعض الأحزاب السياسيّة، التي يموّلها رجال الأعمال، مثل حزب مستقبل وطن وحماة الوطن والشعب الجمهوريّ، الدعوة إلى مبادرة تحت عنوان "الجيش الرابع" والتي تضمّ 27 ألف شابّ، لخوض معارك التنمية دعماً للقيادة السياسيّة.

وقالت المبادرة في بيانها التأسيسيّ الذي أطلقته في 15 أيّار/مايو 2016: "قرّرنا أن نكون نواة لمنظومة تتحدّى الصعاب، وتصنع المستحيل، نعبّر من خلالها عن آرائنا، ونعمل عبرها في شكل وطن يسمح لنا مرّة أخرى بصناعة المستقبل".

وقالت مصادر في رئاسة الجمهوريّة في تصريحات إلى صحيفة "اليوم السابع" المصريّة، في 15 أيلول/سبتمبر 2015، إنّ البرنامج الرئاسيّ لتأهيل الشباب للقيادة، تدريبيّ بعيد عن أيّ تنظيم سياسيّ، وإنّه يؤهّل الشباب بغضّ النظر عن انتماءاتهم السياسيّة، كي يصبحوا كوادر مؤهّلة للقيادة.

وأكّد أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة القاهرة الدكتور حسن نافعة، أنّ دعوات الرئيس عبد الفتّاح السيسي، إلى تأهيل الشباب للمشاركة في الحياة السياسيّة، محاولة لتشكيل نواة مؤيّدة للنظام حتّى لا يوجد فصيل يعارضه في الشارع في ظلّ التآكل المستمرّ لشعبيّته، وأنّها دعوات تمثّل تناقضاً صارخاً في السياسة الفعليّة للنظام الحاليّ، الذي يزجّ بالكثير من الشباب في السجون لمجرد إبداء أرائهم أو التظاهر.

وأضاف نافعة في تصريحات إلى "المونيتور": "محاولات تدخّل الدولة لخلق قطاع مسيّس من الشباب، خصوصاً أنّهم الأكثر معارضة، أو تيّار سياسيّ يعتمد على طريقة الأنظمة الشموليّة، مثلما فعل الرئيس المخلوع محمّد حسني مبارك، يكون مصيره الفشل".

وأوضح أستاذ العلوم السياسيّة أنّ تجربة السيسي أشبه بتجربة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر التي انهارت بانهيار الاتّحاد الاشتراكيّ، مشيراً إلى أنّ بعض الأحزاب التي تدعو إلى تكوين ظهير سياسيّ تحت ما يسمّى بـمبادرة "الجيش الرابع" المؤيّدة لقرارات السيسي، مدعومة من أجهزة أمنيّة ويديرها رجال أعمال تابعون للنظام، ولا يوجد لها داعمون في الشارع.

وأكّد نافعة أنّ دعوات السيسي، ليست لها علاقة بالواقع ولن تقنع المواطنين بوجود ديمقراطيّة حقيقيّة، في ظلّ القمع الأمنيّ الذي تشهده مصر، موضحاً أنّ السيسي يحاول جاهداً تعويض شعبيّته التي تآكلت منذ 30 حزيران/يونيو حتّى الآن، بفضل الأداء المتردّي لأجهزة الدولة، والأزمات الاقتصاديّة الطاحنة التي تضرب البلاد.

وقال: "الأجهزة الأمنيّة هي من تحكم مصر الآن، وهناك محاولة لإعادة إنتاج الحزب الوطنيّ المنحلّ، والمؤشّرات تؤكّد أنّنا نتّجه إلى نظام شموليّ أكثر استبداداً، على الرغم من أنّه يتمتّع بأغلبيّة في الشارع، إلّا أنّها بدأت في التآكل، خصوصاً مع انتشار الجريمة وغياب الأمن، والارتفاع المستمرّ في الأسعار وزيادة البطالة".

وقال أمين سرّ لجنة الشباب والرياضة في البرلمان المصريّ فوزي اسماعيل: "الرئيس يريد بناء الشباب فكريّاً وإعداده جيّداً للمشاركة في الحياة السياسيّة، وشعبيّة السيسي تزداد في شكل مستمرّ، ولو ترشّح لأكثر من مرّة سوف ينجح، ولا يحتاج إلى تشكيل ظهير سياسيّ".

ورفض اسماعيل في تصريحاته إلى "المونيتور" مبادرة حزب مستقبل وطن، مؤكّداً أنّ الحزب لم يقدّم شيئاً إلى الحياة السياسيّة حتّى الآن، ويعتمد على الشعارات فقط من دون الإنجازات، وأشار إلى أنّ مسمّى "الجيش الرابع" خطأ، لأنّه سوف يتمّ استغلاله في وقت لاحق لمناهضة الجيش المصريّ.

أكّد نائب رئيس المجلس القوميّ لحقوق الإنسان والسياسيّ اليساريّ عبد الغفّار شكر، إنّ الدعوة إلى تأهيل الشباب كان يجب أن تكون مبادرة من قبل الأحزاب السياسيّة، وليس تحت مظلّة الرئيس، حيث تستهدف عدداً محدّداً من الشباب بهدف  تكوين ظهير سياسيّ داعم للسيسي، خصوصاً أنّ نشاطهم يخضع إلى إشراف رئاسة الجمهوريّة.

وقال في تصريحات إلى "المونيتور": "السلطة تحارب الشباب الذين ينتقدون النظام ويتّخذون مواقف مستقلّة، وعلى النقيض تماماً، تحمي الشباب الداعمين لسياسات الحكومة، من خلال البرنامج الرئاسيّ".

وأضاف: "مجموعة من الأحزاب الكرتونيّة التي تديرها الجهات الأمنيّة والسياديّة في مصر، تعدّ نفسها لتصبح ظهيراً سياسيّاً للرئيس، في ظلّ العلاقات الوثيقة التي تربط قيادات الأحزاب ومسؤولين في الرئاسة".

أشار القياديّ في حركة "الاشتراكيّين الثوريّين"، هشام فؤاد إلى أنّ الرئيس السيسي يبحث عن ظهير سياسيّ يكون غطاء له في الحياة السياسيّة، خصوصاً أنّه لا ينتمي إلى أيّ حزب في شكل رسميّ، مؤكّداً أنّ المشهد السياسيّ في ظلّ حكم السيسي يعتمد على تكميم الأفواه السياسيّة والنقابيّة، خصوصاً أفواه الشباب.

وقال في تصريحات إلى "المونيتور": "النظام الحاكم يهتمّ بمجموعة محدّدة من الشباب، يسعى من خلالها إلى تكوين ميليشيات شعبيّة حوله، يتمّ استخدامها في أوقات محدّدة، ولا يسمح بتعدّد الآراء ويكمّم الأفواه المعارضة".

وتابع: "الدولة تتّبع خطّة ممنهجة لتأمين الحياة السياسيّة والنقابيّة لصالح النظام الحاليّ، وإقصاء كلّ القوى المعارضة، خصوصاً القوى الثوريّة والشبابيّة التي أفرزتها ثورة 25 يناير".