تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل ينجح البرلمان المصريّ في تنظيم بناء الكنائس من دون جدل؟

يشكل قانون بناء وترميم الكنائس أزمة مستمرة بين الأنظمة الحاكمة والأقباط في مصر منذ العهد العثماني، إلا أنه سيكتب لهذه الأزمة حلا بصدور القانون بدور الانعقاد الأول لمجلس النواب الحالي، والمزمع أن يصدر القانون قبل نهاية سبتمبر المقبل.
Pope Tawadros II, the 118th Pope of the Coptic Orthodox Church of Alexandria and Patriarch of the See of St. Mark Cathedral, leads Egypt's Coptic Christmas eve mass in Cairo, Egypt, January 6, 2016. REUTERS/Amr Abdallah Dalsh - RTX21BZJ

يشكّل مشروع قانون بناء الكنائس أزمة مستمرّة بين الأنظمة الحاكمة والأقباط في مصر منذ العهد العثمانيّ، وقد طالب مسيحيّو مصر بإصدار الدولة قانوناً لتنظيم دور العبادة، لينظّم بناء المساجد للمسلمين والكنائس للمسيحيّين، على حدّ سواء، وذلك بسبب صعوبة بناء كنائس جديدة، على الرغم من الزيادة السكّانيّة عاماً بعد عام، إلّا بقرار جمهوريّ يصدر مرة خلال سنة أو مرتين. وتكمن الصعوبات في البنية التشريعية للدولة التي لم تحدد ألية بناء الكنائس، إذ إن قانون بناء المساجد صدر منفردا في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2001 لينظم المساجد وحسب مما استدعى الأقباط لتحويل بعض دور الخدمات لكنائس، ولكن لا يمكن الإجهار بذلك. تجدر الإشارة إلى أنه لم يكن هناك من صعوبات في بناء المساجد وكان أي مواطن يحق له بناء مسجد ولو في الدور من منزله بمجرد تصريح من وزارة الأوقاف وحسب، إلا أنه بصدور قانون تنظيم بناء المساجد تم تقنين الأمر نوعا ما.

واستمرّ الأقباط لمدّة قرون، بلا سند قانونيّ واضح ينظّم لهم بناء الكنائس، سوى قرار الرئيس الذي يصدر في فترات متباعدة، وبعد ضغوط عدّة. وخلال فترة رئاسة الرئيس الأسبق محمّد حسني مبارك، تراكمت مشاكل بناء الكنائس في كلّ المحافظات، ممّا أجبر الكثير من الطوائف المسيحيّة في مصر بسبب تعنّت أجهزة الدولة على بناء كنائس غير مرخّصة، أو إقامة الطقوس المسيحيّة في مباني الخدمات التابعة إلى الكنائس، مثل المباني المخصصة للأنشطة الصيفية مثلا من ممارسة القراءة والرحلات والرياضة وأنشطة مسرحية. بالفعل لا يتم الموافقة على الترخيص لبناء الكنائس تارة من قبل رئيس الجمهورية وتارة من قبل المحافظ خوفا من الغضب الشعبي للمسلمين.

وفي هذا الصدد، كشف وزير الدولة للشؤون القانونيّة والنيابيّة المستشار مجدي العجاتي، في تصريح خاصّ لـ"المونيتور" عن قرب انتهاء الوزارة من مشروع قانون بناء الكنائس المتعارف عليه إعلاميّاً بـ"قانون بناء دور العبادة"، على أن يقرّ في دور الانعقاد الأوّل من دورة مجلس النوّاب، والذي ينتهي نهاية أيلول/سبتمبر المقبل.

وتنصّ المادة 235 على أن يصدر مجلس النوّاب في دور الانعقاد الأوّل له بعد العمل بهذا الدستور قانوناً لتنظيم بناء الكنائس وترميمها، بما يكفل حريّة ممارسة المسيحيّين شعائرهم الدينيّة.

وعرضت الوزارة قبل عرض القانون على مجلس النوّاب، بنوده على الطوائف المسيحيّة الثلاث في مصر، والتي تمثّلها الكنائس الإنجيليّة، الكاثوليكيّة، والأرثوذكسيّة، على أن يعرض عقب الانتهاء منه على مجلس الوزراء للحصول على موافقته، ثمّ قسم التشريع في مجلس الدولة، قبل الوصول إلى محطّته الأخيرة في مجلس النوّاب.

وأكّد البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندريّة، وبطريرك الكرازة المرقسيّة، في تصريحات صحافيّة له في 18 مايو ونقلته صحيفة اليوم السابع بموقعها الإلكرتوني، أنّ الكنائس توافقت مع الدولة على بنود بناء الكنائس، بعد تبادل الملاحظات، على أن يصدر القانون خلال الفترة المقبلة.

ويلاحظ أنّ النص الدستوريّ أخرج المساجد من معادلة التنظيم القانونيّ، وأصبح القانون يحمل مسمّى "بناء وترميم الكنائس"، مكتفية بقانون تنظيم المساجد الذي صدر منفصلا في 2001 في عهد الرئيس السابق عدلي منصور. بالفعل لم يذكره الدستور الذي صدر قي 2014 ,ومسمى القانون الجديد الصحيح قانون بناء وترميم بناء الكنائس.

وهو ما عقّب عليه نائب رئيس الهيئة الوفديّة البرلمانيّ أحمد السجيني، في تصريح لـ"المونيتور" قائلاً: "كنت آملاً أن ينصّ الدستور على قانون موحّد لدور العبادة"، منتقداً فصل القانونين عن بعضهما، واختلافهما.

وربط قانون تنظيم بناء المساجد، بالكثافة السكّانيّة في المكان المنوط به إنشاء مسجد، مع مراعاة ألّا تقلّ المسافة بين المسجد القائم والمسجد المزمع إنشاؤه عن خمسماية متر، وألّا يقام المسجد على أرض مغتصبة أو على أرض متنازع على ملكيّتها، وأن يلتزم من يتطوّع ببناء المسجد بالرسوم والتصاميم الهندسيّة التي تعدّها وزارة الأوقاف مجّاناً، بما يتناسب مع الموقع والمساحة والتكاليف المقدّرة للمشروع، وألّا تقلّ مساحة المسجد عن 175 م2، ويشترط بناء دور أرضيّ تحت المسجد يخصّص لمزاولة أنشطة خدماتيّة اجتماعيّة وصحيّة وثقافيّة وتنمويّة.

كما اشترط القانون ضرورة الموافقة الصريحة من قبل وزارة الأوقاف على إنشاء المساجد، مع إيداع مبلغ مبدئيّ لحساب بناء المسجد لا يقل عن 50000 جنيهاً، كما منعت في شكل قاطع إقامة مساجد أو زوايا تحت العمارات السكنيّة، وهو كان قد انتشر في مختلف القرى والمدن في محافظات الجمهوريّة.

أمّا مشروع القانون الخاصّ ببناء الكنائس، هو ذاته قانون بناء الكنائس الذي نص عليه الدستور فيضمّ 14 مادّة، ومن المقرّر عرضه، على مجلس النوّاب خلال الأيّام المقبلة لمناقشته وإقراره في دور الانعقاد الأوّل، ويشمل مشروع القانون فصلاً خاصّاً بالتعريفات لمكوّنات الكنيسة كصحن الكنيسة وقاعة المعموديّة والمنارة وملحق الكنيسة المكوّن من قاعات الخدمات المتعدّدة من قاعات المناسبات والمكتبة وحجرات مدارس الأحد، إضافة إلى تحديد جهّة إصدار التراخيص ومدّتها، بما يسهّل الإجراءات ويوقف محاولات بناء دور العبادة من دون ترخيص.

كما سيتمّ الترخيص للكنائس، حال ثبوت سلامتها من الناحية الإنشائيّة، وعدم مخالفتها قيود الارتفاع المقرّرة قانوناً، وعدم تعدّيها على أملاك الدولة أو الأراضي الخاضعة إلى قانون حماية الآثار"رقم 117 لسنة 1983" أو خارج حدود الأحوزة العمرانيّة، وينشأ في كلّ محافظة سجلّ خاصّ لهذه الطلبات، على أن تتولّى لجنة خاصّة من خمس جهّات مختلفة إصدار تراخيص بناء الكنائس، وتعداد الجهات المختصة بإصدار التراخيص يشير لاستمرار تعقد عملية بناء الكنائس لا تيسيرها .

كما يشتمل مشروع القانون أيضاً على فصل آخر يحدّد طرق الترميم وإعادة البناء، على ألّا يشترط أن يتمّ التجديد وفقاً للمساحة أو الارتفاع السابق، كما كان يتّبع فى الماضي، بل بما يتّفق مع الزيادة السكّانيّة، فضلاً عن توفيق أوضاع الكنائس القائمة، حيث توجد موادّ أخرى لتقنين ما تمّ بناؤه من دون تراخيص، طالما يتوافق مع قانون البناء العامّ رقم 119 لسنة 2008.

وكشف المتحدّث باسم الكنيسة الأرثوذكسيّة بولس حليم لـ"المونيتور" عن توافق الطوائف المسيحيّة الثلاث في مصر على القانون الجاريّ إعداده، مشيراً إلى أنّ المناقشات المتبادلة بين ممثّلي الكنائس والحكومة، أسفرت عن ملاحظات من قبل الطرفين تمّ الأخذ بها، رافضاً الإفصاح عنها الآن وهي مقترحات لتعديل بعض المواد كانت مقدمة وقت النقاش بالفعل.

وأكّد حليم أنّ التواصل بين الكنائس الثلاث من جهّة والحكومة من جهّة أخرى ممثّلة في وزارة الشؤون القانونيّة مستمرّ حتّى وصول القانون إلى محطّته الأخيرة تحت قبّة البرلمان.

وتحفّظ رئيس الطائفة الإنجيليّة أندريا زكي، على موقف الكنيسة حيال القانون، داعياً إلى الانتظار إلى حين انتهاء المناقشات، إلّا أنّ مصادر كنسيّة أكّدت لـ"المونيتور"، أنّ الاجتماعات أسفرت عن توافق غير مسبوق لإصدار هذا القانون الذي تأخّر كثيراً.

وقال الناشط القبطيّ كمال زاخر لـ"المونيتور" إنّ نصّ القانون على بناء الكنائس وحسب، يعدّ أمراً جيّداً، ولصالح أقباط مصر، مشيراً إلى أنّ المجتمع المصريّ ليس مجتمعاً مثاليّاً يسهّل إصدار قانون موحّد لدور العبادة على حدّ سواء.

وأضاف زاخر أن صدور قانون موحّد لدور العبادة قد يثير الفتنة بين المؤسّسات بعضها البعض وبين المواطنين، مثل الاحتقان الذي قد ينتج عنه تظاهر من قبل المسلمين ضد مؤسسات الدولة سواء رئاسة أو مجلس نواب أو الأزهر الشريف اعتراضا على تساوي بناء دور العبادة بين المسلمين والأقباط" لا سيّما وأنّ المجتمع المصريّ مجتمع يعاني من الاحتقان الطائفيّ.

كما أشار أن الجماعات الإرهابيّة قد تستغل هذه الأحداث والتظاهرات لإشعال فتيل الفتنة إثر صدور القانون، عبر مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها.

وفي شأن شروط بناء الكنيسة، والتي تبدو في الظاهر مجحفة، قال زاخر إنّ كلّها شروط هندسيّة، تعتمد على تطبيق جيّد للتخطيط العمرانيّ، مشدّداً على ضرورة العمل به، حتّى لا يخرج المبنى الكنسيّ عن شكله العام.

More from Rania Rabeaa Elabd

Recommended Articles