تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

حماس وإيران... المدّ والجزر سيّدا الموقف!

أقدمت وزارة الداخليّة في غزّة، حيث تسيطر حماس، قبل أيّام، على إغلاق جمعيّة خيريّة مموّلة من إيران، بدعوى أنّها تمارس الأنشطة السياسيّة، ممّا يطرح تساؤلات حول مدى تأثير الخطوة على علاقة حماس بإيران... المقال يتحدّث عن الجمعيّة، ومجالات عملها، وأثر قرار إغلاقها على تقارب حماس من السعوديّة، وابتعادها عن إيران.
Hamas leader Khaled Meshaal (R) attends a rally in Tehran university February 2, 2009. A delegation from Hamas, headed by its leader Meshaal, arrived in Tehran on Sunday as part of a regional push to reinforce support for the Palestinian group after the Israeli invasion of Gaza. The portraits on the left are that of Late Leader Ayatollah Rouollah Khomeini (L) and Iran's Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei. REUTERS/Raheb Homavandi (IRAN) - RTXB5LP

ما زالت العلاقات بين حماس وإيران غير مستقرّة على وجهة واحدة، فهي تتقدّم تارة، وتتراجع تارة أخرى. لكنّ إقدام وزارة الداخليّة في غزّة، حيث تسيطر حماس، على إغلاق جمعيّة خيريّة تابعة إلى إيران قبل أيّام، قد يفتح صفحة جديدة من العلاقة، لا يعرف أحد كيف ستكون وجهتها المقبلة.

فقد قرّرت وزارة الداخليّة في غزّة في 11 آذار/مارس، إغلاق جمعيّة الباقيات الصالحات، التابعة إلى حركة الصابرين التي يرأسها هشام سالم المعروف بتشيّعه، وقد تحدّث "المونيتور" عن الحركة في تقرير سابق.

وقال المتحدّث باسم وزارة الداخليّة في غزّة إياد البزم لـ"المونيتور" إنّ "قرار إغلاق الجمعيّة جاء لمخالفتها قانون الجمعيّات الخيريّة، وممارستها النشاط السياسيّ، وسبق للوزارة أن أخطرت الجمعيّة بتصويب وضعها القانونيّ منذ ديسمبر الماضي 2015، ووقف أنشطتها السياسيّة، لكنّ الجمعيّة لم تمتثل إلى ذلك".

تأسّست جمعيّة الباقيات الصالحات في غزّة في عام 2004، بمبادرة عدد من القادة المجتمعيين، دون أن يتضمن موقع الجمعية أي اسم لمؤسسيها وحدّدت مجالات عملها بتقديم المساعدات الإنسانيّة، وتقديم العون الماديّ إلى فئات مستهدفة، أهمّها عائلات الشهداء والجرحى والأسرى والفقراء والأيتام المحرومين، وتقديم المستلزمات المدرسيّة والسلّة الغذائية ولوازم فصل الشتاء ورسوم الطالب الجامعيّ.

حاول "المونيتور" التواصل مع إدارة الجمعيّة، لكنّ أحداً لم يردّ على أسئلتنا، وتمّ إغلاق جوّالات المسؤولين عنها وهواتفهم، لكنّ رئيس مجلس إدارة الجمعيّة هشام سالم وزّع بياناً في 12 آذار/مارس، قال فيه إنّ قرار إغلاقها تمّ من دون مسوّغات قانونيّة، لأنّ الجمعيّة تأسّست في عام 2004، وهي موجودة وتعمل قبل أن تحكم حماس غزّة في عام 2007.

نفّذت الجمعيّة الكثير من المشاريع بدعم من إيران، وبتمويل من لجنة إمداد الإمام الخمينيّ، عبر توفير إيواء وملابس وسلّات غذائيّة وأغطية، وتنظيم موائد الإفطار لعائلات الشهداء والأيتام.

وقال مدير عام المنظّمات غير الحكوميّة في وزارة الداخليّة في غزّة أيمن عايش لـ"المونيتور" إنّ "قرار إغلاق الجمعيّة هو بسبب مخالفات قامت بها، حيث انحرفت عن مهامها الخيريّة والإنسانيّة التي تأسّست من أجلها، وأصبحت تمارس أنشطة سياسيّة بما يخالف القانون رقم 1 لعام 2000 الخاصّ بعمل الجمعيّات الخيريّة".

هذا المسئول الفلسطيني رفض الكشف عن طبيعة الأنشطة السياسية التي مارستها الجمعية، لكن "المونيتور" علم من أوساط في وزارة الداخلية الفلسطينية بغزة، رفضت كشف هويتها، أن الجمعية دأبت على الترويج لأفكار سياسية إيرانية، وتوزيع صور الخميني الزعيم الإيراني في كل أنشطتها الخيرية.

ربّما يكون قرار وزارة الداخليّة في غزّة إداريّاً بحتاً، وليس له دلالات سياسيّة مباشرة، لكنّ تزامنه مع التطوّرات في علاقة حماس وإيران يثير تساؤلات حول حقيقة الدوافع التي تقف خلف قرار إغلاق الجمعيّة المموّلة من إيران.

وقال وزير الإعلام السابق في حكومة حماس والمستشار السياسيّ لرئيس الحكومة المستقيل اسماعيل هنيّة، يوسف رزقة لـ"المونيتور" إنّه "لا يظنّ أنّ إغلاق جمعيّة هنا أو هناك قد يتسبّب في قطيعة بين حماس وإيران، كما أنّ الإيرانيّين يعلمون أنّ حماس ترفض حالة الاستقطاب السائدة في المنطقة، وحماس تعتقد أنّ فلسطين لن تتحرّر بجهود دولة واحدة، وإنّما بجهود شعوب ودول مجتمعة عدّة، وحماس ترفض مبدأ إمّا معنا أم ضدّنا، وتؤمن بأنّ القضيّة الفلسطينيّة تعتبر القاسم المشترك الأهمّ بين الدول المتنافسة في المنطقة، وعلى رأسها السعوديّة وإيران".

لكنّ قناة الميادين المقرّبة من إيران، نشرت في 17 آذار/مارس، ما قالت عنه إنّه تفاصيل لقاء جمع قائد فيلق القدس الإيرانيّ قاسم سليماني، مع وفد حماس لدى زيارته الأخيرة إلى طهران في شباط/فبراير الماضي، قائلاً له إنّ حماس قفزت من محور المقاومة الممتدّ من طهران إلى غزّة.

وشنّ موقع "تابناك" التابع إلى الحرس الثوريّ الإيرانيّ هجوماً على رئيس المكتب السياسيّ لحماس خالد مشعل، في 16 آذار/مارس، متّهماً حماس بالابتعاد عن إيران، وبأنّ قادتها لا يخجلون بالحديث عن ذلك علانيّة، لأنّ حماس أصبحت تحت تأثير الأحداث الإقليميّة والدوليّة، فهي تبتعد عن إيران، وتقترب من دول أخرى في المنطقة.

وقال وزير الأوقاف الفلسطينيّ السابق وأستاذ العقيدة الإسلاميّة في الجامعة الإسلاميّة في غزّة وأحد المتخصّصين في مكافحة الفكر الشيعيّ صالح الرقب، لـ"المونيتور" إنّ "إيران تحاول عبر الجمعيّات الخيريّة إقامة أذرع لها في فلسطين، باعتبارها أدوات متقدّمة لسياستها، ودأبت جمعيّة الباقيات الصالحات على توزيع مساعداتها باسم الزعيم الإيراني الخميني، وتدفع من يتلقّون المساعدات إلى شكر إيران، ممّا يعني أنّ إيران تحاول تكرار تجارب حزب الله في لبنان والحوثيّين في اليمن، وبالتالي يتطلّب من الجهّات الرسميّة في غزّة الحذر من منح التراخيص إلى الجمعيّات ذات التوجّهات المذهبيّة المخالفة لأهل السنّة، كيلا يتمّ اختراق المجتمع الفلسطينيّ من قبل إيران".

إن قراءة متأنية لتجربة إيران في بناء حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، تظهر كيف أن إيران تستغل ضعف الدولة المركزية، في لبنان واليمن، لإمداد الجمعيات الخيرية التابعة لها بالمال والدعم، ومحاولة توفير المتطلبات المعيشية للسكان في البلدين، بحيث تصبح لهم قاعدة اجتماعية وسياسية مع مرور الوقت.

الجدير بالذكر أنّ أهل قطاع غزّة مسلمون سنّة، وليس هناك انتشار للمذهب الشيعيّ، لكنّ جمعيّة الباقيات الصالحات حرصت على توزيع مساعداتها على المحتاجين والفقراء الفلسطينيّين، وهي تضع عليها صورة الخميني، ممّا قد يجعل حماس تتخوّف من نشر المذهب الشيعيّ عبر هذه الواجهة الإنسانيّة، مع العلم أن أحمد يوسف المستشار السياسي السابق لإسماعيل هنية، رئيس حكومة حماس السابقة، نفى يوم 26 يوليو 2015 وجود شيعة في غزة، لأن الموجود فقط هو حالة من التعاطف مع إيران ليس أكثر.

وقال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأزهر في غزّة ناجي شراب لـ"المونيتور" إنّه "لا يمكن فصل قرار إغلاق الجمعيّة التابعة إلى إيران عن أبعاده السياسيّة في المنطقة، فحماس ترى استقطاباً حادّاً بين إيران والسعوديّة، ويمكن تفسير قرارها بهذا التوقيت بأنّه تقارب من حماس نحو دول الخليج العربيّ والسعوديّة، ومن الواضح أنّ حماس لن تسمح بأن يكون لإيران نفوذ مباشر في غزّة عبر هذه الجمعيّات، لأنّ الحركة ترى غزّة كياناً سياسيّاً خاصّاً بها، وتخشى أن تشكّل هذه الجمعيّات والحركات التابعة إلى إيران تحدّياً لها في المستقبل يهدّد وجودها".

يتزامن الحديث عن تقارب حماس من أحد محوري الاستقطاب السائد في المنطقة مع الحديث الأخير لمشعل في 15 آذار/مارس، حين أكّد أنّ إيران تراجعت عن دعم حماس بصورة كبيرة، بسبب موقفها ممّا يجري في سوريا، لكن الحركة لم تقطع العلاقة بها، وهناك وفود تذهب إليها من حين إلى آخر للإبقاء على التواصل، وقد اختتم وفد قيادي من حماس آخر زيارة له إلى إيران يوم 18 فبراير الماضي، ضم عضو مكتبها السياسي محمد نصر، ومسئول العلاقات الدولية في الحركة أسامه حمدان، وممثلها في طهران خالد القدومي.

أخيراً... صحيح أنّ قرار إغلاق الجمعيّة الخيريّة في غزة التابعة إلى إيران، قد يبدو إداريّاً وفنيّاً وقانونيّاً، لكنّ أبعاده السياسيّة يصعب إغفالها، لتزامنه مع حالة المدّ والجزر بين حماس وإيران، لأن وزارة الداخلية بغزة أبلغت الجمعية بشكل رسمي بالقرار بعد صدوره بثلاثة أشهر، لأن القرار تم اتخاذه في ديسمبر 2015.

وفي حين تحاول حماس ترميم علاقتها بطهران، لا تبدي الأخيرة اكتفاءها بذلك، وربّما تريد من حماس حسم خياراتها السياسيّة نحوها في مواجهة السعوديّة، وهذا ما لا تستطيع حماس القيام به، ولا أظنّها تريده.

More from Adnan Abu Amer

Recommended Articles