تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

"معجزة" عون–جعجع: قصّة الاتّفاق من ماضيه حتّى المستقبل

بعد أكثر من ثلاثين سنة من التنافس والصراع، التقى زعيما أكبر حزبين وكتلتين برلمانيتين مسيحيتين في لبنان، الجنرال ميشال عون ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع. لقاء كان يعد من المستحيلات، خصوصاً أنه توج بإعلان تأييد جعجع لترشيح عون لرئاسة الجمهورية. وبالأخص لأن ما بين الرجلين، في الماضي والحاضر، من التناقضات، يجعل السؤال مشروعاً: كيف حصلت الخطوة؟ وهل تنهي أزمة الرئاسة اللبنانية؟
505556172.jpg

وأخيراً حصلت "المعجزة". هكذا يمكن وصف اللقاء الذي حصل يوم الاثنين في 18 كانون الثاني/يناير 2016، بين زعيمي أكبر حزبين مسيحيّين، وأكبر كتلتين برلمانيّتين لدى المسيحيّين، زعيم التيّار الوطنيّ الحرّ وتكتّل التغيير والإصلاح الجنرال ميشال عون، ورئيس حزب القوّات اللبنانيّة سمير جعجع. فبعد أكثر من سنة ونيّف من التفاوض بين الطرفين، زار عون جعجع في مقرّ الأخير في قرية معراب، وسط كسروان في جبل لبنان، حيث عقد مؤتمر صحافيّ بين الرجلين، تخلّله إعلان جعجع تأييده مع حزبه ترشيح عون إلى رئاسة الجمهوريّة الشاغرة في لبنان، منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان في 24 أيّار/مايو 2014.

"معجزة" هي لأكثر من سبب.

أوّلاً، لأنّه تاريخيّاً، شهد عون وجعجع صراعاً مريراً في علاقتهما وفي تنافسهما، على مدى نحو 30 عاماً، منذ تسلّم جعجع قيادة القوّات اللبنانيّة أثناء الحرب الأهليّة اللبنانيّة في عام 1986، حيث دخل في علاقة متوتّرة مع عون الذي كان يومها قائداً للجيش اللبنانيّ. صراع تداخلت فيه عوامل كثيرة، منها من يكون الزعيم المسيحيّ الأوّل، ومنها طموح مشروع للرجلين إلى رئاسة الجمهوريّة، ومنها أيضاً الموقف والتحالفات مع القوى اللبنانيّة الأخرى، وحتّى مع القوى الخارجيّة المؤثّرة على لبنان. صراع بلغ بعد شغور رئاسة الجمهوريّة والتنافس حولها بين عامي 1988 و1990، حدّ الحرب العسكريّة المفتوحة بين الرجلين، والتي لم تنته إلّا باجتياح الجيش السوريّ لبنان في 13 تشرين الأوّل/أكتوبر 1990، وإلحاقه هزيمة عسكريّة بعون، ومن ثمّ نفيه إلى فرنسا. لكن بعد نحو أربعة أعوام، وفي ظلّ الوصاية السوريّة على السلطة اللبنانيّة، دخل جعجع إلى السجن في 21 نيسان/أبريل 1994، بتهمة ارتكابه جرائم عدّة أثناء الحرب العسكريّة. هكذا، انتهت مرحلة أولى من صراع الزعيمين إلى هزيمة مشتركة لهما. هزيمة استمرّت حتّى انسحاب الجيش السوريّ من لبنان في 26 نيسان/أبريل 2005.

بعدها، عاد عون إلى بيروت في 7 أيّار/مايو 2005، وخرج جعجع من السجن بعد ذلك بأسابيع في تمّوز/يوليو 2005 أيضاً. وفجأة عاد الرجلان إلى التنافس. وكان استحقاق انتخاب رئيس للجمهوريّة يلوح في الأفق، عند نهاية ولاية رئيس الجمهوريّة في حينه إميل لحود، الذي كان السوريّون قد فرضوا تمديد ولايته الرئاسيّة حتّى 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2007، علماً أن فرض السوريين تمديد ولاية لحود، هو ما أدى إلى صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن في اليوم نفسه للتمديد للحود، في 2 أيلول 2004، الذي دعا إلى حصول انتخابات رئاسية في لبنان، وانسحاب جميع القوى المسلحة غير اللبنانية منه.

ومرّة جديدة، تباعد الرجلان. ومرّة أخرى، ذهب كلّ منهما إلى تحالف سياسيّ ورئاسيّ مناهض للآخر ومناقض له. تحالف جعجع مع فريق الأكثريّة السنّيّة بزعامة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري منذ الانتخابات النيابية الأولى التي جرت بعد انسحاب الجيش السوري، في ربيع العام 2005، فذهب عون في 6 شباط 2006 إلى التفاهم مع فريق الأكثريّة الشيعيّة، بزعامة أمين عام حزب الله السيّد حسن نصرالله. هكذا، تكرّر انقسام الحزبين المسيحيّين الكبيرين. ومرّة أخرى، كانت نتيجة انقسامهما هزيمة الاثنين معاً، إذ انتهت ولاية الرئيس لحّود، من دون التمكّن من انتخاب رئيس. فدخلت البلاد في مرحلة جديدة من الشغور الرئاسي بعد إميل لحود استمر من 24 تشرين الثاني 2007 حتى انتخاب ميشال سليمان في 25 أيار 2008 والتوتّر، وصلت إلى الاشتباك العسكريّ المباشر بين الحريري وحزب الله في 7 أيّار/مايو 2008. وهو الاشتباك الذي مهّد إلى تسوية قطريّة–تركيّة، أدّت إلى انتخاب رئيس للجمهوريّة، لا علاقة لعون ولا لجعجع به، هو قائد الجيش يومها، ميشال سليمان.

مع اقتراب ولاية سليمان من الانتهاء في 24 أيّار/مايو 2014، كانت التساؤلات مطروحة حول ما إذا كان عون وجعجع سيكرّران صراعهما للمرّة الثالثة على التوالي. وهو ما حصل فعلاً. فعلى مدى سنة ونيّف، أعلن جعجع ترشّحه إلى الرئاسة، مدعوماً من حليفه الحريري، فيما رفض عون القبول بجعجع مرشّحاً، مدعوماً من حلفائه الشيعة. وبين هذين الموقفين، تعطّلت انتخابات الرئاسة منذ جلستها الأولى في 23 نيسان/أبريل 2014، ليستمرّ التعطيل بعد نهاية ولاية سليمان ودخول البلاد في شغور جديد.

لكن في هذا الوقت، ومنذ كانون الثاني/يناير 2015، بدأ يتطوّر سرّاً في بيروت، مساران جديدان غريبان: أوّلاً، بداية اتّصالات بعيدة عن الضوء، بين أحد حلفاء الجنرال عون، وهو النائب سليمان فرنجيّة، والحريري، في مقابل اتّصالات أخرى بين عون وجعجع، عبر ممثّلين لهما، هما النائب ابراهيم كنعان والمسؤول الإعلاميّ لدى جعجع ملحم الرياشي. وعلى مدى هذا العام، أدّى هذّان المساران إلى بداية انقلابين: التقى فرنجيّة بالحريري في باريس في 17 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، واتّفقا على دعم الأوّل إلى الرئاسة، فرفض عون وجعجع وذهبا إلى تقارب مقابل، انتهى في 18 كانون الثاني/يناير بتأييد جعجع لعون.

هكذا تتّضح أكثر معالم "المعجزة"–المفارقة. فما بين عون وجعجع في الماضي صراع مرير، في السياسة والحرب حول الرئاسة والسياسة نفسها. وما بينهما في الوضع الراهن، تباعد في كلّ شيء: عون حليف حزب الله، فيما جعجع حليف الحريري. عون على علاقة جيّدة بإيران، فيما جعجع على علاقة وثيقة بالسعوديّة. عون كان مرشّحاً للرئاسة مدعوماً من خصوم جعجع، فيما جعجع ظلّ حتّى ما قبل اللقاء، مرشّحاً أيضاً للرئاسة مدعوماً من الحريري خصم عون، الذي انقلب فجأة على الاثنين معاً، ليؤيّد فرنجيّة... ومع ذلك، أو بسبب ذلك كلّه، التقى عون وجعجع وحصل الاتّفاق.

يقول النائب ابراهيم كنعان، وهو أحد مهندسي هذه الخطوة لموقعنا إنّ الاتّفاق بين الزعيمين شامل، وهو يتعدّى الرئاسة، والأهمّ أنّه يطمح إلى أن يجمع كلّ القوى اللبنانيّة. ويؤكّد صديقه ملحم الرياشي لموقعنا أيضاً أنّ الاتّفاق ليس موجّهاً ضدّ أحد. وهو مسار لا رجعة فيه إلى الوراء.

لكن ما هي نتائجه المباشرة على انتخاب رئيس؟ وهل يكفي اتّفاق عون جعجع من أجل ضمان فوز الأوّل بانتخابات الرئاسة؟ ردّ الفعل الأوّل للمرشّح الآخر سليمان فرنجيّة بدا سلبيّاً، إذ نقل عنه أنّه مستمرّ في ترشيحه، بعدما كان قد صرّح مراراً أنّه سينسحب لصالح عون إذا أيّده جعجع. باقي الأطراف تتريّث في حسم مواقفها. لكنّ وزيراً مسيحيّاً معنيّاً بلقاء عون جعجع أكّد لموقعنا أنّ "ما حصل في 18 كانون الثاني/يناير، هو شبه إجماع مسيحيّ على تأييد عون". ويعتبر الوزير الذي طلب عدم كشف اسمه، أنّ "أكثر من 85 في المئة من الرأي العام المسيحيّ بات الآن مع عون، بعد انضمام جعجع وحزبه إلى تأييده. وإذا كان شبه الإجماع المسيحيّ هذا عاجزاً عن تأمين انتخاب رئيس، فالأمور عندها قد تتّجه صوب تطوّرات جذريّة، إذ سيتأكّد عندها أنّ النظام اللبنانيّ برمّته، لم يعد قابلاً للاستمرار". بمعنى آخر، بعد "معجزة" 18 كانون الثاني/يناير 2016، إمّا أن يكون عون رئيساً للجمهوريّة، وإمّا ألّا تكون الجمهورية اللبنانيّة كما كانت، ولا يكون بعد اليوم لها رئيس، إلّا في نظام سياسيّ ودستوريّ آخر.

صحيح أن الدافع المباشر لخطوة تأييد جعجع لعون في انتخابات الرئاسة، هو ذهاب حليفه السني، سعد الحريري إلى تبني ترشيح خصمه اللدود سليمان فرنجيه، من دون التشاور مع جعجع ولا الاتفاق معه حول الخطوة. غير أن لما حدث في 18 كانون الثاني خلفيات أخرى ممكنة في السياسة. أقلها أجواء الانفتاح بين الغرب وطهران، واحتمال انعكاس ذلك على العلاقات في لبنان. علماً أن حزب الله مؤيد للخطوة، ومتحمس لارتفاع حظوظ عون في انتخابه رئيساً للجمهورية.

Join hundreds of Middle East professionals with Al-Monitor PRO.

Business and policy professionals use PRO to monitor the regional economy and improve their reports, memos and presentations. Try it for free and cancel anytime.

Free

The Middle East's Best Newsletters

Join over 50,000 readers who access our journalists dedicated newsletters, covering the top political, security, business and tech issues across the region each week.
Delivered straight to your inbox.

Free

What's included:
Our Expertise

Free newsletters available:

  • The Takeaway & Week in Review
  • Middle East Minute (AM)
  • Daily Briefing (PM)
  • Business & Tech Briefing
  • Security Briefing
  • Gulf Briefing
  • Israel Briefing
  • Palestine Briefing
  • Turkey Briefing
  • Iraq Briefing
Expert

Premium Membership

Join the Middle East's most notable experts for premium memos, trend reports, live video Q&A, and intimate in-person events, each detailing exclusive insights on business and geopolitical trends shaping the region.

$25.00 / month
billed annually

Become Member Start with 1-week free trial

We also offer team plans. Please send an email to pro.support@al-monitor.com and we'll onboard your team.

What's included:
Our Expertise AI-driven

Memos - premium analytical writing: actionable insights on markets and geopolitics.

Live Video Q&A - Hear from our top journalists and regional experts.

Special Events - Intimate in-person events with business & political VIPs.

Trend Reports - Deep dive analysis on market updates.

All premium Industry Newsletters - Monitor the Middle East's most important industries. Prioritize your target industries for weekly review:

  • Capital Markets & Private Equity
  • Venture Capital & Startups
  • Green Energy
  • Supply Chain
  • Sustainable Development
  • Leading Edge Technology
  • Oil & Gas
  • Real Estate & Construction
  • Banking

Start your PRO membership today.

Join the Middle East's top business and policy professionals to access exclusive PRO insights today.

Join Al-Monitor PRO Start with 1-week free trial