تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مراكب النزهة النيليّة في التحرير... رحلة الموت المحقّق للمصريّين

RTX1LI82.jpg

القاهرة - مراكب النزهة النيليّة من أكثر الوسائل الترفيهيّة التي يقبل عليها المصريّون، وخصوصاً من الطبقات الفقيرة، نظراً إلى انخفاض سعر التنزّه فيها. فـكلفة جولة سياحيّة وسط مياة النيل، لا تتجاوز أربع جنيهات للفرد الواحد.

يقبل على على هذه الجولات السياحيّة الأصدقاء وأفراد العائلات المصريّة، الذين يرغبون في قضاء وقت ممتع وسط مياه النهر الخالد، في أجواء حافلة بالمرح والموسيقى. فالنيل هو شريان الحياة للمصريّين، ولكن هذا المشهد الخلّاب سرعان ما تحوّل إلى مستنقع مليء بالمخالفات والانتهاكات التي تهدّد حياة المصريّين.

قام "الـمونيتور" بجولة داخل أحد المراكب النيليّة الكائنة في منطقة التحرير، ليرصد حجم التجاوزت والمخالفات التي يمارسها أصحاب تلك المراكب النيليّة، بما يخالف قانون الملاحة النهريّة رقم 10 لسنــة 1956.

تتكوّن أرضيّة المركب من ألواح خشبيّة متلاصقة، تفصلها فجوات بأشكال وأحجام متفاوتة، وفيها فتحات تسمح بتسرّب المياه من أسفلها. عدد المقاعد فيها 25 مقعداً، ومع ذلك قام صاحب المركب بتكديسها بنحو 52 فرداً، إضافة إلى عدم وجود أيّ أطواق أو سترات للإنقاذ في مخالفة واضحة لشروط الهيئة العامّة للنقل النهريّ."

وقد حدّدت الهيئة العامة للنقل النهريّ شروطاً لا بدّ من توافرها فى المراكب النيليّة لتمنح صاحبها الترخيص، وتتضمّن توافر أطواق نجاة داخل كلّ مركب نيليّ، بما يطابق عدد الركاب، إضافة إلى وجود سترات واقية من الغرق، بعدد الركاب أيضاً، ووجود طفّايات حريق داخل كلّ مركب نيليّ لاستخدامها فى حال حدوث حريق.

كما اشترطت الهيئة أيضاً أن يقوم مهندسوها بفحص تقنيّ لموتور المركب، وجسمه الخشبيّ والمعدنيّ، للتأكّد من قدرته على حمل العدد المقرّر من الركّاب والإبحار بهم فى مياه النيل من دون مخاطر، مع تحديد عدد البحّارة والعاملين، ودور كلّ منهم داخل المركب لضمان تفادي الحوادث التى تنتج عن عدم كفاءة قائد المركب أو العاملين فيه.

على مقدّمة المركب، تقف فتاة ترقص وسط أجواء الموسيقى والمرح لتجذب الشباب للنزول إلى المركب للاستمتاع بجولة فى النيل مقابل 4 جنيهات للفرد الواحد.

وخلال النزهة النيليّة التى تتراوح مدّتها بين 15 و20 دقيقة، لا تنقطع الفتاة عن الرقص، وقد تسمح لأحد العمّال بملامسة جسدها لزيادة الإثارة ودفع الشباب إلى النزول إلى المركب.

تقول الفتاة لـ"المونيتور": "هربت من منزلي فى أحد أحياء القاهرة العشوائيّة بسبب تضييق أهلي، ولا أملك أيّ مأوى، وجئت إلى مركب التحرير بعدما سمعت عن احتضانه الفتيات في مقابل ماديّ، حيث يكون دوري جذب الشباب ودفعهم إلى النزول ودفع قيمة الرحلة".

يقول صاحب المركب أحمد عليوة " لـ"المونيتور": "يخشى الجميع هنا ترخيص المراكب الخاصّة بهم حتّى يتجنّبوا دفع المخالفات"، قائلاً: "إذا أردت تجديد الرخصة كلّ عامين سيتمّ انتداب مهندسين لمعاينة المركب، ولا يوجد مركب واحد على الكورنيش لا يحتاج إلى صيانة أو تجديد".

وأكمل: "يقوم المركب بما يقارب 20 رحلة يوميّة، ويتراوح عائد كلّ رحلة ما يقارب 200 جنيه يوميّاً، تقلّ أو تزيد حسب زيادة الركّاب، مشيراً إلى أنّ وجود الفتيات الراقصات يزيد من عدد الركّاب".

وقال د. حمدي برغوت عضو مجلس إدارة الجمعية العربية للنقل واللوجيستيات والمحاضر بمعهد النقل الدولي لـ"المونيتور": تنقسم مخالفات المراكب إلى نوعين، الأوّل يعتبر بسيطاً ويتعلّق بأمور مثل صدور ضوضاء نتيجة تشغيل الأغاني، وتشغيل فتيات للرقص، وهذه المخالفات عددها كبير جدّاً، والنوع الثاني يتعلّق بعدم الالتزام بشروط السلامة، وهو ما يستدعي صدور قرار بإيقاف تشغيل المركب".

وأكمل: "من المفترض أن يقوم صاحب المركب بتجديد الترخيص كلّ عامين، لكن بعد الثورة أصبح بعض المراكب يعمل من دون ترخيص أصلاً".

وتابع: "أثناء حملات التفتيش، إذا وجد أنّ هناك استعانة من المراكب بعاملين من دون الموافقة عليهم من الهيئة، أو عدم توافر أطواق نجاة أو أيّ من شروط السلامة، يتمّ التحفّظ على المركب، وإيقاف العاملين فيه عن العمل، وتحويل صاحبه إلى النيابة لمخالفته شروط السلامة والترخيص".

واعتبر أنّ كلّ ذلك ليس له قيمة، بسبب نصوص قانون الملاحة رقم 10 لسنة 1956، لإنّ العمل بها يعود إلى 50 عاماً مضت، فلا تصل عقوبة المخالف إلى الحبس، أو حتّى الغرامة الكبيرة، فلا تتجاوز الغرامة 100 جنيه، ثمّ تقوم النيابة بالإفراج عنه فى الحال باعتبار أنّ القضيّة جنحة وليست جناية، واصفاً هذا القانون بـ"المخزي".

وتوفّي 31 شخصاً في أحد مراكب النزهة في منطقة الوراق الكائنة في محافظة الجيزة، في 22 من شهر يوليو الماضي، بسبب الإهمال الجسيم وافتقاد المركب إلى شروط السلامة والوقاية، ممّا أهدر حياة هؤلاء الأشخاص.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، فحوادث المراكب النيليّة تعود إلى سنوات طويلة، حيث غرق مركب صغير يقلّ 20 فتاة خرجن فى نزهة نيليّة جماعيّة نظّمتها إحدى الكنائس أمام منطقة طرة كوتسيكا في المعادي، وانقلب المركب بعد لحظات من إبحاره واتّضح ‏أنّ حمولته المقرّرة لا تزيد عن 6 أشخاص.

ونجا قائد المركب الشابّ بعدما ألقى بنفسه فى المياه وسبح إلى الشاطئ، تاركاً الفتيات اللواتي تراوحت أعمارهنّ بين 8 و18 سنة يواجهن مصيرهنّ.

وفى شهر تمّوز/يوليو من العام الماضي، شهدت منطقة كورنيش النيل حادثاً مروعاً إثر غرق أحد المراكب النيليّة أمام مبنى ماسبيرو بعدما اصطدم بجسم كوبري أكتوبر، ممّا أدّى إلى غرق المركب الذى كان يقلّ 25 راكباً، وتدخّل أصحاب المراكب الأخرى وتمكّنوا من إنقاذ 19 راكباً لكنّ ستّة ركّاب غرقوا فى المياه.

وفي محاولة للتصدّي لتلك المخالفات، ألقت الهيئة العامّة للنقل النهريّ، اللوم على قانون الملاحة النهريّة، حيث أصدرت وحدة بحوث النقل النهريّ في الأكاديميّة البحريّة تقريراً يوم 1 من شهر سبتمبر الجاري، طالبت فيه بضرورة تعديل قانون الملاحة النهريّة، باعتبار أنّ هذا القانون مرّ عليه 50 عاماً، والعقوبات الواردة في نصّ القانون والتي توقّع على المخالفين لا تتعدّى الـ100 جنيه.

وقال رئيس الهيئة العامّة للنقل النهريّ اللواء رضا اسماعيل في تصريحات له إنّ عدد المراكب والمعديات يتجاوز تسعة آلاف و500 مركب وقارب ولنش، ومعظمها غير مرخّص، ويستخدمها المواطنون في نزهاتهم وحفلاتهم وتنقّلاتهم اليوميّة بين ضفّتي النيل، على الرغم من عدم توافر شروط السلامة ومعدّات الإنقاذ فيها.

More from Khalid Hassan

Recommended Articles