تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

على خطى صدّام... "داعش" يلجأ إلى العشائر قبل معركة الحسم

يحاول تنظيم "داعش" اللجوء الى العشائر العربية في نينوى لتعزيز قوته كما فعل صدام حسين واثيل النجيفي والجيش الامريكي من قبل. لكن هل ان العشائر مستعدة للقتال الى جانب التنظيم الذي قتل المئات من ابناءها واستهدف مشايخها؟
Tribesmen walk at a temporary camp set up to shelter Iraqis fleeing violence in Iraq's northern Nineveh province on June 12, 2014, in Aski kalak, 40 kms West of Arbil, in the autonomous Kurdistan region. Thousands of people who fled Iraq's second city of Mosul after it was overrun by jihadists wait in the blistering heat, hoping to enter the safety of the nearby Kurdish region and furious at Baghdad's failure to help them.  many as half a million people are thought to have fled Mosul, which was captured by

اربيل، العراق — "أنتم يا شيوخنا سادة القوم وتاج رؤوسنا". هذه كانت إحدى أشدّ عبارات الترحيب والحفاوة التي تقدّم بها زعماء "داعش" إلى شخصيّات عشائريّة في محافظة نينوى. جاءت هذه المغازلة غير المسبوقة بعد يوم واحد على تحرير تكريت على أيدي القوّات العراقيّة والحشد الشعبيّ بمساندة التحالف الدوليّ.

وقد نشر تنظيم "داعش" فيلماً دعائيّاً قصيراً عن اللقاء الذي نظّمه مع شيوخ العشائر في الموصل بواسطة حساب عائد له على تويتر، تحت عنوان "عشائر نينوى تجدّد البيعة وتستعدّ للمواجهة".

وظهرت في الفيلم مجموعة أشخاص يرتدون الزيّ العربيّ، ويدخلون قاعة نقابة المهندسين في منطقة الفيصليّة وسط المدينة. كما ظهر ستّة من زعماء "داعش"، وجميعهم محلّيون من الموصل، باستثناء الأردنيّ عمر مهدي زيدان، أشهر منظّري التنظيم في بلاده، وكان هذا الظهور الأوّل له منذ مغادرته الأردن وانضمامه إلى "داعش" في شهر تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي. انتهى الفيلم بإعلان الحاضرين البيعة للبغدادي، وهي تعني الطاعة العمياء والقتال حتّى الموت.

أبرز الملاحظات على هذا الفيديو أنّ التنظيم عدّد أسماء 30 عشيرة في نينوى ادّعى مبايعتها للبغدادي. الحقيقة أنّ قرابة 80 رجلاً حضروا البيعة المزعومة وظهروا في الفيديو، وصفهم أبرز زعماء العشائر في نينوى الشيخ عبدالله الياور، شيخ عشيرة شمر، في حديث إلى "المونيتور" أنّ "غالبيّتهم ليسوا شيوخاً وإنّما رؤساء أفخاذ (فرع صغير من العشيرة)، ولا يمثّلون سوى أنفسهم، فالرؤساء الحقيقيّون معروفون جيّداً".

وتابع الياور الذي هو من أشدّ المعارضين لـ"داعش"، متحدّثاً من مدينة دهوك: "حتّى هؤلاء كانوا يردّدون ما يمليه عليهم زعماء التنظيم، فأهل المدينة جميعاً رهائن، وهذا أمر مؤسف جدّاً".

وعلّق شيخ عشيرة الحديديّين أحمد الورشان على ظهور شخص من عشيرته في الفيديو قائلاً: "إنّ هذا الشخص الذي تحدّث باسم عشيرته لا يمثّل إلّا نفسه، والأمر ينطبق على الأشخاص الآخرين". جاء ذلك في مقطع فيديو نشره قياديّ كرديّ على صفحته الشخصيّة على الـ"فايسبوك" واطّلع عليه "المونيتور".

ذهبت التصريحات الرسميّة تجاه الفيلم إلى القول إنّ "المواقف التي تعلنها العشائر في المناطق الخاضعة إلى سيطرة التنظيم الإرهابيّ ليست حقيقيّة، وتجري تحت تهديد السلاح، وهو أسلوب التنظيم لإظهار شعبيّته في الموصل". هذا بالضبط ما أعلنه النائب عن محافظة نينوى سالم محمّد للمركز الخبريّ لشبكة الإعلام العراقيّ.

وأشار إلى أنّ "داعش" ركّز على شخصيّات في عينها، تحدّثت ببراعة وبلغة عربيّة فصحى، ووظّفت أحاديث وآيات قرآنيّة للحثّ على الجهاد، وهذا غريب تماماً على شيوخ العشائر الذين يتحدّثون عادة بلهجة عاميّة.

وكشفت مصادر مطّلعة لـ"المونيتور" أنّ أغلب المتحدّثين ينتمون إلى "داعش"، وليس أقلّ من اثنين منهم خطباء جوامع عيّنهم التنظيم في مساجد الموصل بعد طرد خطباء الجوامع الذين رفضوا الانصياع لأوامره بعد حزيران/يونيو 2014.] فمنذ سيطرة تنظيم "داعش" على الموصل بدأ يروج لافكاره عبر الجوامع لانها الوسيلة الاسهل والاسرع والاكثر اقناعا للمسلمين، لذا عملت على طرد خطباء الجوامع الذين لا يؤيدون افكار التنظيم وابدالهم باخرين من الموالين لاقامة الدولة الاسلامية.

وأشارت هذه المصادر إلى أنّه ليس مصادفة أن ينشر الفيديو بعد يوم واحد من تحرير مدينة تكريت، فهو يأتي كنوع من الردّ، واستعراض الدعم والتأييد، وتوريط أكبر قدر من الناس في معركة الموصل المقبلة.

ورصد عالم الاجتماع المعروف الدكتور فالح عبد الجبّار ظاهرة ملفتة للنظر في العراق، تتلخصّ في أنّه كلّما ضعفت الفئة التي تمتلك زمام السلطة، فإنّها تستقوي بالقوى المحليّة، ولا سيّما العشيرة.

ويبدو أنّ "داعش" يسير على هذا النهج، بل على خطى صدّام حسين الذي شجّع القبليّة وقرّب شيوخ العشائر عندما ضعفت سلطته. ظهر ذلك في وضوح عندما أدرك أنّ واشنطن ماضية في شنّ الحرب على العراق في عام 2003. اما المثال الأقرب على توظيف العشيرة كقوّة داعمة للسلطة بقدر تعلّق الأمر بمحافظة نينوى، هو ما قام به المحافظ أثيل النجيفي الذي زجّ العشائر لمواجهة القوّات الأمنيّة العراقيّة عن طريق التظاهر، فيما عرف بساحة الأحرار في عام 2013.

والآن، هل نتوقّع أن يقاتل أبناء عشائر نينوى إلى جانب "داعش"؟

إنّ العشيرة في نينوى ظاهرة اجتماعيّة-سياسيّة، وليست قوّة عسكريّة قتاليّة يحسب حسابها. حتّى أنّ تجربة الصحوات فشلت في نينوى بينما نجحت في الأنبار.

كما لم تستطع العشائر الوقوف في وجه "داعش" بمفردها، والدليل أنّ التنظيم الإرهابيّ استولى على ممتلكات الكثير من الشيوخ وفجّر منازلهم ومضايفهم، ونفّذ بين الحين والآخر إعدامات ضدّ أبناء القرى في نينوى، من دون أن تحرّك عشائرهم ساكناً.

ويقول الشيخ عبد الله الياور الذي استولى التنظيم على أملاكه كلّها في نينوى بعد سيطرة داعش على الموصل: "أنا واثق بأنّ العشائر لن تقاتل إلى جانب "داعش"، وأنّ زعماء التنظيم واهمون إن اعتقدوا أنّهم بهذا اللقاء العلنيّ، سيجنّدون أبناءنا للقتال معهم".

الراجح أنّ العشائر لن تقاتل القوّات التي ستهاجم "داعش" في نينوى للأسباب التي ذكرت أعلاه. وعلى العكس، سيكون للعشائر في مرحلة ما بعد التحرير دور في مسك الأرض، ولا سيّما في الأقضية والنواحي والقرى النائيّة، إلى حين استعادة القوّات الأمنيّة سيطرتها على الوضع الأمنيّ.

More from Saleh Elias

Recommended Articles