تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الأسماء المتعدّدة التي يحملها أبو بكر البغدادي

المونيتور يقتفي أثر الرحلة الذي حوّلت طالبًا دينيًا عاديًا إلى زعيم تنظيم الدولة الإسلاميّة الذي نصّب نفسه الخليفة أبو بكر البغدادي.
A man purported to be the reclusive leader of the militant Islamic State Abu Bakr al-Baghdadi has made what would be his first public appearance at a mosque in the centre of Iraq's second city, Mosul, according to a video recording posted on the Internet on July 5, 2014, in this still image taken from video. There had previously been reports on social media that Abu Bakr al-Baghdadi would make his first public appearance since his Islamic State in Iraq and the Levant (ISIL) changed its name to the Islamic S

بغداد – حتّى بالنسبة إلى أولئك الذين طاردوه وتعقّبوا كلّ خطوة خطاها، يبقى الخليفة المتربّع على عرش تنظيم الدولة الإسلاميّة، أبو بكر البغدادي، لغزًا غامضًا.

قال الرائد بكر (اسم مستعار)، وهو عضو في 'لواء الصقر'، الوحدة العراقية المختارة لمكافحة الإرهاب، "قبل كلّ شيء، أريد أن أفهم لماذا أصبح ما هو عليه اليوم، لم قد يتخّذ شخص أكاديمي مثل هذا الخيار وكيف يشعر حيال آلاف الأشخاص الذين قتلهم في كافة أنحاء الشرق الأوسط. ثمّ سأحرص على أن تتمّ معاقبته".

كان البغدادي في مرمى القوات العراقية في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2014، لكنّ الغارة الجوية أتت متأخرة وأصابته بجروح فقط، وتمكّن بعدها الخليفة، بحسب ما يلقّب نفسه، ابن الـ44 عامًا، من التسلّل عبر الحدود السوريّة، وهو يتنقّل اليوم بسرّيّة ويتفادى الظهور العلني باستثناء خطبه الشائنة أيّام الجمعة في أحد مساجد الموصل. وفي حين زادت عزلته من أهميّته، تبقى أصول البغدادي محاطة بغموض أكبر من ذاك الذي يلفّ تحرّكاته.

إنّ كشف الستار عن الرجل خلف الديماغوجيا لم تكن مهمّة سهلة، وللحصول على إجابات، أجريت مقابلات مع أشخاص سبق والتقوا به، أو رؤوه أو عاشوا معه في الماضي. زرت الحيّ حيث كان يعيش في بغداد، والجامع حيث كان يقيم الصلاة كإمام؛ ورأيت صورًا لأفراد عائلته، بما في ذلك أبنائه، وبناته، وإخوته وزوجته. وبالاستناد إلى كلّ ذلك، سأحاول رسم صورة الرجل الذي كان عليه قبل أن يصبح البغدادي الفارّ، صورة الرجل الذي كان اسمه ابراهيم عواد ابراهيم علي البدري السامرائي، أو الشيخ ابراهيم من سامراء وكان يعيش حياة طبيعيّة بالكامل.

كيف تحوّل الشيخ ابراهيم إلى الخليفة البغدادي؟

هذا كان السؤال الرئيسي الذي كنت أبحث عن إجابة له. إذًا، كانت محطّتي الأولى طبعًا في حيّ الطوبجي الواقع شمال غرب بغداد حيث كان يعيش البغدادي ويشغل منصب إمام جامع الحاج زيدان السني المشيَّد في العام 1958.

توجّهت مباشرة إلى الباب الخشبي للجامع، وقرعت مرّتين قبل أن يفتح لي شرطيّ ويعرب عن دهشته عندما سألته ما إذا كان هذا هو المكان حيث كان يقيم زعيم داعش صلاة الجماعة عندما كان إمامًا. أجاب الشرطي، "لا أعلم شيئًا عن الموضوع" ثمّ نادى على خالد، الرجل الذي عرّفني على نفسه بأنه ابن إمام الجامع. وقال خالد "يخشى الناس هنا مناقشة هذا الموضوع علنًا. جرى توقيف والدي عدّة مرّات بسبب البغدادي، وفي المرّة الأخيرة، بقي محتجزًا لحوالي الشهرين. أرادت المخابرات التحدّث معه مرة أخرى. لا أعتقد أنك ستجد هنا من قد يطلعك على أيّة معلومات".

اقتربت بعدها من رجلين، بدا لي أحدهما كبيرًا بما يكفي ليعرف كلّ من عاش في المنطقة في السنوات الأربعين الماضية. وعندما سألته ما إذا كان يعرف البغدادي، اكفهرّ وجهه ثمّ قال لي وهو ينظر إلى صديقه والخوف بادٍ في عينيه، "لا نعرفه، كان واحدًا من بعض الطلاب اليافعين الذين عاشوا هنا منذ 15 عامًا. لا أحد يعرفه حقّ المعرفة. هذه قصّة قديمة نفضّل ألا نتطرّق إليها".

لكنّ المجموعة الأخيرة من الرجال الذين قابلتهم كانت أكثر صراحة، فقد أخبرني رجل في أواخر السبعينات أنه اعتاد رؤيته في المنطقة لكنّه لم يكلّمه قطّ، في حين قال رجل آخر من نفس العمر تقريبًا، "لم يكن إمام الجامع، بل كان خياطًا وطالبًا". أمّا رجل ثالث، يبلغ من العمر حوالي 35 عامًا، فقال إنّ البغدادي عاش هنا أثناء دراسته في الجامعة العراقيّة قبل الغزو الأميركي للعراق. وقال لي الرجل، "لم يكن بمفرده، بل برفقة عائلته. بدا الشاب طبيعيًا جدًا، وأجل أنا أذكره جيدًا".

انتظر الرجل الأصغر سنًا حتّى ابتعدت عن مجموعة كنت واقفًا معها، ثمّ اقترب منّي وأخبرني أنه عرف البغدادي معرفة جيدة. وبعد أن عرّف عن نفسه باسم أمجد، قال إنّ "الشيخ ابراهيم [البغدادي] كان شخصًا طبيعيًا جدًا، شخصًا مثلك تمامًا. لم تكن في حياته أيّة تعقيدات، واعتدنا لعب كرة القدم هنا،" مشيرًا إلى قطعة أرض فارغة بجانب الجامع. "كان مهووسًا بتحقيق الأهداف؛ وكان يتوتّر ما لم يسجّلها". وأضاف أمجد، "لكن عندما قامت الولايات المتّحدة بغزو العراق، قرّر رفع السلاح والقتال، وتغيّر كثيرًا بعدها".

عندما أنهى أمجد حديثه، قال لي أحد الرجال الذين التقيت بهم قبل ذلك، "أما زلت تسأل عن الرجل عينه؟ قلنا لك إنّنا لا نعلم شيئًا عنه. هذه قصّة قديمة ولا ننوي أبدًا الإجابة على أسئلتك". كان واضحًا أنّ رحلتي إلى الطوبجي قد انتهت، لكنّ بحثي لم ينته.

بحسب الوثائق الرسميّة، تزوّج البغدادي من امرأتين أنجبتا أطفاله الستة. تدعى زوجته الأولى أسماء فوزي محمد الكبيسي، وهي ابنة خالته، ووالدة حذيفة، وأميمة، ويمن، وحسن وفاطمة؛ أمّا زوجته الثانية فتدعى إسراء رجب محل القيسي وهي والدة ابنه الأصغر، علي. ولا نعرف ما إذا كانت زوجتاه أسماء وإسراء تعيشان معه، لكنّ أبا أحمد، الذي يزعم أنه عرف البغدادي منذ تسعينيات القرن الماضي، ودرس معه في الجامعة عينها وكان جزءًا من دائرته المقرّبة، أشار إلى أنّهما تقطنان داخل الأراضي التي يسيطر عليها. ووافق أبو أحمد على التحدث معي بشرطين: أن يغطّي وجهه وأن نجري المقابلة في غرفتي في الفندق.

بحسب أبي أحمد، لزعيم داعش ثلاثة إخوة: شمسي، وجمعة وأحمد. وقال أبو أحمد، "هناك خلافات كبيرة بين الشيخ ابراهيم وأخيه 'شمسي'. وفي عدّة مناسبات، اعترض 'شمسي' علنًا على خيارات أخيه، لكنّ هذا لم يحل دون احتجازه عدّة مرات من قبل القوات الأميركيّة والعراقيّة. 'جمعة' من جهته كان سلفيًا منذ البداية، وكان متطرّفًا حتّى قبل أن ينخرط البغدادي في هذه الجماعة، ما سبّب الكثير من المشاكل بينهما. لكنّ الأمور مختلفة اليوم، فجمعة هو أحد حراس أخيه ومن أقرب معاونيه. أمّا أخوه الثالث 'أحمد' فسبّب له بعض المشاكل، وسمعته سيّئة بعض الشيء من حيث القضايا الماليّة".

إنّ 'شمسي' محتجز في أحد مراكز الاعتقال التابعة للمخابرات العراقيّة في شمال بغداد وهو يعاني مشاكل صحيّة خطيرة. وقد استبعد مصدر أمني رسمي عراقي إمكانيّة إجراء أيّ مقابلة معه.

وفي ما يتعلّق بفترة تعلّم البغدادي في الجامعة، قال أبو أحمد، "كان الشيخ ابراهيم شخصًا هادئًا. اعتاد المشاركة في الأنشطة الاجتماعيّة، لكنّه بدأ يتغيّر بعد أن تعرّف على د. اسماعيل البدري الذي وجّهه في مسار خاصّ مع الإخوان المسلمين. أصبح بعدها عضوًا في الإخوان الجهاديّين وأحد الأتباع المخلصين لسيّد قطب، لكنّه تركهم في العام 2000 بعد أن استنتج أنّهم [الإخوان] أصحاب أقوال لا أفعال".

قال هشام الهاشمي، مؤلّف كتاب "عالم داعش" ومستشار في الحكومة العراقيّة حول الجماعات المتطرّفة، إنّ البغدادي أصبح سلفيًا في العام 2003. "تأثّر بأبي محمّد المفتي العالي، وهو الرجل الذي كان يُعتبَر آنذاك المنظّر الأبرز للجماعات الجهاديّة في العراق. وكان البغدادي، إلى جانب أتباع آخرين لأبي محمد – ما كان يُعرَف بجماعة أهل السنة والجماعة – على معرفة بأشخاص في بغداد وسامراء."

بعدها، التقيت بأبي عمر في مكان ما بالقرب من بغداد، وهو عضو سابق في داعش جرى احتجازه لثلاث سنوات في مركز الاعتقال "كامب بوكا" الذي كانت تديره قوات الاحتلال الأميركيّة في العراق بالقرب من مدينة أم قصر. حمل المخيّم اسم كامب بوكا تخليدًا لذكرى رونالد بوكا، وهو رجل إطفاء أميركي قتِل في خلال هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر في نيويورك. وقال أبو عمر الذي اعتُقِل في المخيّم بسبب انتمائه إلى تنظيم القاعدة، "شكّل كامب بوكا خدمة كبيرة أسدتها الولايات المتّحدة للمجاهدين. وفروا لنا المناخ الآمن، والمنامة، والطعام، وسمحوا أيضًا بدخول الكتب ما قدّم لنا فرصة رائعة لتغذية معرفتنا بأفكار أبي محمد المقدسي والإيديولوجيّة الجهاديّة. وكان هذا على مرأى من الجنود الأميركيّين. وقد جرى إعداد المجنّدين الجدد حتّى يكونوا عبارة عن قنابل موقوتة عند تحريرهم".

في كامب بوكا، التقى أبو عمر بالبغدادي الذي كان يستعمل عندها الاسم المستعار أبو دعاء. وقال أبو عمر، "اعتاد ترأس الصلوات، وفي الكثير من المناسبات ألقى خطب الجمعة. لم يكن شخصًا مهمًا هناك مقارنة بمساجين آخرين بارزين مثل أبو معتزّ، وأبو عبد الرحمن البيلاوي والمتحدّث الحالي باسم داعش أبو محمد العدناني. كانت هذه هي الأسماء البارزة صاحبة البصمة الأكبر في الساحة الجهاديّة".

جرى توقيف البغدادي في العام 2004 أثناء زيارته لصديق مرتبط بتنظيم القاعدة، وفي تلك المرحلة، لم يكن بعد الزعيم المستقبلي لداعش جزءًا من التنظيم. كان قد تخرّج للتوّ بشهادة ماجستير في الدراسات الإسلاميّة من الجامعة العراقيّة ببغداد، المعروفة اليوم باسم جامعة العراق الإسلاميّة، وكان يستعدّ ليبدأ مرحلة الدكتوراه. وقال الهاشمي، "في كامب بوكا، تشرّب البغدادي الإيديولوجيّة الجهاديّة وأثبت نفسه من بين الأسماء الكبرى. وتعرّف إلى حجّي بكر، الذي كان معروفًا آنذاك باسم سمير الخليفاوي، وإلى أبي مهند السويداوي وأبي أحمد العلواني. كان هؤلاء ضباطًا في جيش صدام [حسين]، وعلى الرغم من أصولهم البعثيّة، أثّروا فيه بفضل خبرتهم العسكريّة، وهم تأثّروا به بدورهم لجهة خلفيّته الدينية، بخاصّة معرفته بعلوم القرآن".

أفادنا أبو عمر، صديق البغدادي في كامب بوكا، بتفاصيل أخرى حول حياة البغدادي اليوميّة هناك: "شاهدته يلعب كرة القدم مع مساجين آخرين، ولقد أدهشتني مهارته، وعلمت لاحقًا أنهم أطلقوا عليه اسم مارادونا. هذه الصفة الوحيدة التي رأيتها فيه. سمعت خطبه لكن لم يكن لها أيّ ثقل مقارنة بأبي مصعب الزرقاوي، فكلماته افتقرت إلى القوّة".

في خلال السنوات التي أمضاها في كامب بوكا، نسج البغدادي شبكة معارفه وأقام علاقات جيدة داخل تنظيم القاعدة في العراق. وفور إطلاق سراحه، أصبح عضوًا في التنظيم، متّخذًا الاسم المستعار أبو دعاء. سعى البغدادي إلى مواصلة دراساته وحاز شهادة دكتوراه في الشريعة من الجامعة الإسلامية في بغداد. وخارج السجن، التقى البغدادي بالشيخ فوزي الجبوري، أحد المفكّرين من أصحاب النفوذ في صفوف تنظيم القاعدة في العراق. عرّفه الجبوري بوزير الإعلام في التنظيم، 'محارب عبد اللطيف الجبوري'، الذي استعمل سلطته لمساعدة البغدادي على التوجّه إلى سوريا والتركيز على كتاباته شرط أن يكون حاضرًا للمساعدة في المسائل الإعلاميّة عندما يحتاجون إليه.

وقال أبو أحمد، "كان اختصاص الشيخ ابراهيم صوتيات القرآن، وهو اختصاص نادر لم يختره إلا القلائل في دراسات الدكتوراه. تأثّر بوالده الذي كان يعلّم القرآن في جامع الإمام أحمد بن حنبل في سامراء". نال الزعيم المستقبلي لداعش شهادة الدكتوراه في حزيران/يونيو 2006، في الشهر عينه الذي قُتِل فيه زعيم القاعدة في العراق، أبو مصعب الزرقاوي الذي يتحدّر من جذور أردنيّة، على يد القوات الأميركيّة والعراقيّة.

لم يكن هناك أيّ مرشّح بارز ضمن القاعدة في العراق يمكن أن يكون خلفًا للزرقاوي الذي تمتّع بشهرة وجاذبيّة فائقتين في صفوف التنظيم. وكان الزرقاوي في الواقع قد شكّل تهديدًا كبيرًا لسلطة أسامة بن لادن بقدر التهديد الذي شكّله الرئيس الأميركي جوش دبليو بوش.

اختلفت إيديولوجيّة الزرقاوي عن إيديولوجيّة بن لادن، واستاء من مبايعة بن لادن، فأولويّات الزرقاوي كانت مختلفة: كان يؤمن بضرورة التركيز على العدوّ القريب لا البعيد. هذا يعني قتل الأعداء المسلمين، الشيعة مثلاً، قبل قتل الجنود الأميركيّين. ونظرًا للشبه الكبير بين فلسفة داعش ومعتقدات الزرقاوي، يؤمن معظم الجهاديّين أنّ الزرقاوي هو في الواقع الأب المؤسّس لداعش.

بعد موت الزرقاوي، جرى أيضًا الإعلان عن قيام تنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق الذي جرى نسبه في ما بعد إلى تنظيم القاعدة. ووقع الاختيار على أبي عمر البغدادي كالأمير الأوّل للتنظيم، وعلى أبي حمزة المهاجر (المعروف أيضًا باسم أبو أيوب المصري) كنائبه ووزير الحرب.

عندما أنهى البغدادي دراساته، عاد إلى سوريا للاضطلاع بأدوار أكثر جديّة داخل القاعدة، وأصبح مساعدَ أبو الغادية الذي كان مسؤولاً عن نقل المقاتلين عبر سوريا إلى العراق.

قال الهاشمي "قيل إنّ أبا الغادية قُتِل على يد القوات الأميركيّة في غارة على الحدود بين سوريا والعراق. لكنّ الحقيقة هي أنّه نجا واحتجزه الأميركيّون، ثمّ جرى تسليمه في ما بعد إلى السلطات العراقيّة، لكنّه نجح في الفرار إلى جانب آخرين في 21 تموز/يوليو 2013 من سجن أبي غريب".

بعد الهجوم على أبي الغادية، عاد البغدادي إلى بغداد حيث عرّفه حجي سمير، الذي كان قد التقاه في السجن، إلى أبي حمزة المهاجر، وهو نائب زعيم تنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق. أُعجِب المهاجر بالبغدادي وعرّفه إلى أمير التنظيم، أبو عمر. كان واضحًا أنّ البغدادي له من يدعمه داخل تنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق وقد ساعدوه على تسلّق سلم الرتب سريعًا. وقال الهاشمي "إنّ علاقته بأبي عمر لم تكن مباشرة في البداية، لكنّ المهاجر أوصى به لشغل عدّة أدوار. وجرى تعيينه لاحقًا كعضو في مجلس الشورى النافذ".

تعتقد المخابرات العراقيّة أنّ البغدادي رُقّي لاحقًا ليصبح عضوًا في لجنة التنسيق. وقال الرائد بكر، الضابط في المخابرات، "إنّ أعضاء القاعدة يسمّونها لجنة التنسيق المباركة، وهي مسؤولة عن التنسيق بين أمير التنظيم وحكام الولايات. كان واحدًا من ثلاثة رجال وأصبح الأبرز من بينهم وموضع الثقة الأكبر، وقد قام أبو عمر البغدادي بإعطاء هذه اللجنة سلطة عليا".

في خلال تلك الفترة، بدأت الأعين تتفتّح على البغدادي، وكلما علا في سلم القاعدة التنظيمي، كلما تقدّم على لائحة أهمّ المطلوبين في العراق. وفي 18 نيسان/أبريل 2010، أصبح القبض عليه من الأولويّات.

في ذلك التاريخ، قُتِل كلّ من أبي عمر البغدادي وأبي أيّوب المصري في عملية أميركيّة عراقيّة مشتركة، وبذلك خسر تنظيم القاعدة في العراق زعيمه ونائبه، وكان بأمسّ الحاجة إلى اختيار خلف لهما. علم المونيتور أنّ حجي بكر دعم تعيين الشيخ ابراهيم كالأمير التالي للقاعدة في العراق، لكنّ بن لادن أراد رجلاً آخر، هو حجي إيمان، كخلف لأبي عمر، وهذا صعّب مهمّة حجي بكر إذ كان عليه إقناع اللاعبين الرئيسيّين بأنّ الرجل الذي يدعمه هو الخيار الأمثل. وفي النهاية، نجح في ذلك، ووافق تسعة أعضاء من مجلس الشورى على التصويت للشيخ ابراهيم.

قال أبو عمر، العضو السابق في داعش، إنّ أحد أهمّ أسباب اختيار البغدادي كان تحدّره من قريش، وهي القبيلة عينها التي ينتمي إليها النبي محمد، وهذا أحد الشروط التي يجب أن تتوافر في أيّ خليفة يتمّ اختياره. وقال أبو عمر، "كان ذلك في غاية الأهمية بالنسبة إلى أولئك الذين يعدّون الاستراتيجيّة المستقبليّة للتنظيم، أولئك الذين أرادوا تحقيق أحلام الزرقاوي بالإعلان عن قيام الخلافة في المرحلة التالية. برز تحدٍّ كبير كان لا بدّ من مواجهته بعد امتناع مجلس الشورى عن القبول بالبغدادي. لم يكن [البغدادي] جاهزًا لهذا الدور. سمعت الكثير من خطبه. كان يفتقر إلى الجاذبيّة، ولا يمكن أبدًا مقارنته بالزرقاوي".

اختار عندها الشيخ ابراهيم الاسم المستعار أبو بكر البغدادي، وهو خيار غريب بالنسبة إلى شخص يتحدّر من سامراء. وقال أبو عمر، "وكأنهم يقولون بذلك إنّ بغداد ستكون دائمًا هدفهم. ستجري المعركة النهائيّة في بغداد. يريد البغدادي إعادة إحياء مجد الخلافة العباسيّة، وبالتالي هذه رسالة أيضًا إلى العدوّ بأنّ بغداد ملك لنا".

قضت تعليمات البغدادي الأساسيّة بإعادة إحياء الدولة الإسلاميّة في العراق، فبدأ بجمع أعضاء اعتقد أنهم قادرون على مساعدته لتحقيق هدفه. وفي غضون بضعة أشهر، اشتعل الربيع العربي وبدأت الثورة في سوريا. وكانت تلك الفرصة الأمثل للتنظيم لينتشر في بيئة خصبة.

بعد مرور أشهر، أدّت التطوّرات إلى إخلاء الساحة أكثر أمام البغدادي، فقد قُتِل بن لادن وخلَفَه أيمن الظواهري الذي لم يكن على قدر من الجاذبيّة. استفاد البغدادي إذًا من الفراغ في القيادة، وأرسل اثنين من معاونيه إلى سوريا لتوسيع نطاق دولته، فقام هذان المعاونان، أبو محمد الجولاني وملا فوزي الدليمي، بتأسيس جبهة النصرة.

بدأت الجماعة الجديدة بإحراز تقدّم في غضون أشهر، وقرّر البغدادي أنّ الوقت قد حان للإعلان عن قيام دولة تخضع له في البلدين تحمل اسم تنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام. لكنّ الجولاني رفض الموافقة على قرار البغدادي وكذلك الظواهري، فمرّ عندها تنظيم البغدادي بأوقات عصيبة فيما وقف على شفير أوّل انشقاق جدّيّ في صفوفه.

قال عبد الباري عطوان، وهو صحفي عربي مخضرم التقى بن لادن وألّف كتابًا حول داعش، "كان أبو محمد الجولاني أحد جنود البغدادي، وأرسله لإنشاء فرعٍ لتنظيم الدولة الإسلاميّة في سوريا. أراد البغدادي التوسّع من خلال الجولاني، لكنّ هذا الأخير قرّر بدلاً من ذلك الالتفات نحو قائدهم [الظواهري]. أراد [الجولاني] أن يكون فرعًا لتنظيم القاعدة الرئيسي، وأراد أن يكون أميرًا تمامًا كالبغدادي. وأراد أيضًا أن يمثّل هذا الفرعُ السوريّين فحسب".

بثّ قرار الجولاني الخوف في قلب البغدادي الذي قرّر الانتقام عبر التوجّه بنفسه إلى سوريا. وقال أبو عمر، "أتت خطوة الجولاني كصفعة للبغدادي؛ كطعنة في ظهره. سلّمه البغدادي كلّ شيء؛ الرجال، والمال والعلاقات، لكنّ الجولاني رأى نفسه كقائد محتمل مع علاقات مباشرة بخراسان [القيادة المركزيّة لتنظيم القاعدة]. اعتقد أنّ الوقت قد حان للقيام بقفزة كبيرة". ظهر شرخ كبير في صفوف تنظيم القاعدة في سوريا: كان البغدادي والجولاني في حالة حرب في ما بينهما، وسرعان ما بدأ داعش يستولي على مناطق سبق واحتلّتها جبهة النصرة، وكانت الرقّة أوّل محافظة سوريّة تسقط بالكامل في يد داعش. كان واضحًا أنّ رجال البغدادي هم المسيطرون في القتال، وفي حزيران/يونيو 2014، دخل داعش إلى الموصل في العراق ونفّذ الضربة القاضية في المعركة من أجل التفوّق، ليطبع بداية مرحلة جديدة.

أعلن البغدادي عن قيام الخلافة ونصّب نفسه الخليفة الجديد. وقال الهاشمي إنّ "أربعة رجال أعلنوه خليفة وهم أبو محمد العدناني، وأبو ابراهيم المصري، وتركي البينالي وأبو سليمان العتيبي، قبل انشقاقه. وأقنعوه بالقيام بهذه الخطوة خوفًا من أن يسبقهم الظواهري إليها؛ ومثل هذا الإعلان يجذب المجنّدين الجدد والهبات". وضعت إذًا هذه الخطوة حدًا للمنافسة.

انتهت الرحلة، وابراهيم عواد ابراهيم علي البدري السامرائي، الإمام المحلي، والرجل الأكاديمي، والمسجون لدى الولايات المتّحدة وضابط القاعدة، أصبح الخليفة أبو بكر البغدادي.

More from Ali Hashem (Syria Pulse)

Recommended Articles