تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

صفقات الطاقة قد تؤدّي إلى اعتماد تركيا على موسكو بشكل لا رجوع عنه

على الرغم من الشعور بالبهجة في أنقرة بعد زيارة الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين، من المتوقّع أن يزيد اعتماد تركيا على روسيا في مجال الطاقة في ظلّ مشاريع محطّات الطاقة النووي
Russian President Vladimir Putin (L) walks past a photographer at the Botas gas pumping station in Durusu near Turkey's Black Sea city of Samsun, November 17, 2005 during the inauguration of a gas pipeline "Blue Stream" carrying Russian gas to Turkey through Black Sea. REUTERS/Mustafa Ozer/Pool - RTR1B7TH

انتهت القمّة الخامسة لمجلس التعاون التركيّ الروسيّ رفيع المستوى، التي عُقدت في أنقرة في الأوّل من كانون الأوّل/ديسمبر، بتوقيع اتّفاقات وإعلان صاعق للرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين. فقد قال الزعيم الروسيّ إنّ مشروع خطّ أنابيب "التيّار الجنوبيّ"، الذي كان من المفترض أن ينقل الغاز الطبيعيّ الروسيّ إلى أوروبا عبر قناة تمرّ تحت البحر الأسود إلى بلغاريا ثمّ النمسا، قد ألغي، وأنّ المسار الجديد سيمرّ بتركيا.وقد اعتبر معظم خبراء الطاقة والاستراتيجيّات أنّ هذا التغيير هو فوز لتركيا.

فالمسار الجديد الذي حلّ مكان "التيّار الجنوبيّ" يعني قناة غاز ثالثة بين تركيا وروسيا. وتصل القناة الأولى إلى منطقة تراقيا التركيّة عبر أوكرانيا وبلغاريا. أمّا القناة الثانية، المعروفة بـ "التيّار الأزرق"، فتمرّ تحت البحر الأسود باتّجاه ميناء سامسون الشماليّ في تركيا، ثمّ باتّجاه مدينة جهان في البحر الأبيض المتوسّط. وقد أظهرت إحصاءات مجلس تنظيم سوق الطاقة للعام 2013 أنّ تركيا تستورد 98% من الغاز الطبيعيّ الذي تستخدمه. وتؤمّن روسيا وحدها 58% من الكميّة المذكورة.

لكنّ ما يجعل الوضع أسوأ، وهو جانب غالباً ما يتمّ تجاهله، هو أنّه عدا عن المسار الثالث الذي سيزيد اعتماد تركيا على الغاز الروسيّ إلى حوالى 70%، ستعتمد تركيا على روسيا أيضاً في مجال الطاقة النوويّة. وتمثّل واردات الطاقة التركيّة من روسيا غالبيّة حجم التجارة بين البلدين البالغة قيمته حوالى 30 مليار دولار.

وقد اختلفت مواقف تركيا وروسيا مؤخّراً بشأن أزمات إقليميّة ودوليّة كثيرة، بما فيها سوريا والعراق ومصر وقبرص وأوكرانيا والنزاع بين أذربيجان وأرمينيا والتوتّرات في شرق البحر الأبيض المتوسّط. وعلى الرغم من كلّ تلك الخلافات، ترتبط تركيا، التي هي عضو في حلف شمال الأطلسيّ (ناتو)، بروسيا، التي يُعتقد أنّها تبني سياجاً لاحتواء الناتو، ارتباطاً وثيقاً من خلال روابط اقتصاديّة قويّة والاعتماد عليها في مجال الطاقة، إلى درجة أنّ البلدين مضطرّين إلى غضّ النظر عن المشاكل الأخرى في العلاقات الثنائيّة. وقد كانت هذه الروابط، التي تجعل كلّاً من هذين البلدين "ضروريّاً" للآخر، من الأسباب الرئيسيّة التي جعلت اجتماع بوتين وأردوغان الذي دام ساعة ونصف الساعة خالياً من الصدامات.

وكُلّفت شركة "روساتوم" الحكوميّة الروسيّة للطاقة النوويّة بمشروع إنشاء محطّة "أكويو" للطاقة النوويّة البالغة التي تبلغ ميزانيّتها 20 مليار دولار، والتي ستبلغ قوّتها 4800 ميغاواط، وستلبيّ 16% من الطلب التركيّ على الطاقة. ويعني ذلك أنّ شركتي "روساتوم" و"غازبروم" ستسيطران على 74% من سوق الطاقة التركيّة في المستقبل.

وقد بدأت تركيا محادثات أوليّة مع "روساتوم" بشأن محطّة أخرى للطاقة النوويّة، علماً أنّ "روساتوم" بدأت بتدريب الأتراك الذين سيعملون في قطاع الطاقة النوويّة. ويتواجد مئتا عالم ومهندس تركيّ في روسيا حاليّاً من أجل التدريب.

ووقّعت تركيا على صفقة بقيمة 22 مليار دولار مع اليابان لبناء محطّة ثانية للطاقة النوويّة في سينوب، لكن يبدو أنّ روسيا بدأت تكثّف جهودها لبناء المحطّة الثالثة. وفي حال حصول ذلك، ستصبح تركيا معتمدة على روسيا إلى الأبد، ليس في مجال الغاز الطبيعيّ فحسب، بل أيضاً في مجال الطاقة النوويّة، بما في ذلك التكنولوجيات ذات الصلة، وقضبان الوقود، وإمدادات اليورانيوم.

بالإضافة إلى ذلك، بموجب الاتّفاق الموقّع مع "روساتوم" من أجل بناء محطّة "أكويو"، ستبيع الشركة الروسيّة أيضاً الكهرباء للسوق، وستحصل على ضمانة للسعر من الدول التركيّة في شراء الكهرباء التي سيتمّ إنتاجها.

وفي سياق تقييم المشروع، شدّدت غرفة المهندسين الكهربائيّين التركيّة على أنّ الاعتماد على روسيا في محطّة "أكويو" للطاقة النوويّة سيطرح مخاطر اقتصاديّة وسياسيّة، وسلّطت الضوء أيضاً على جوانب سلبيّة أخرى، مثل موقع المحطّة الموجود في منطقة معرّضة للزلازل وقريبة من المراكز السياحيّة، ومخاوف بيئيّة. وحذّرت الغرفة من أنّ حصول حوادث نوويّة شبية بكارثتي فوكوشيما وتشرنوبيل قد يؤدّي إلى إصابات وخسائر هائلة في مدينة مرسين المجاورة التي تضمّ أكثر من مليون نسمة، وتدمّر بعض الحقول الزراعيّة وبساتين الحمضيّات الأبرز في تركيا.

وعلى الرغم من كلّ هذه التحذيرات والاعتراضات، تمّت الموافقة على تقرير تقييم الأثر البيئيّ لمحطّة "أكويو" قبل ساعات من وصول بوتين إلى أنقرة، ما أزال العائق الأخير في وجه عمليّة البناء. وقد اعتبر الكثيرون خطوة الحكومة "بادرة" حسن نيّة تجاه بوتين.

وأشارت التقارير والتعليقات في الإعلام الروسيّ إلى أنّ إعلان بوتين استبدال مشروع "التيّار الجنوبيّ" بمسار جديد يمرّ عبر تركيا، وحسم الـ 6% الذي قدّمته روسيا على سعر الغاز الطبيعيّ، لا يفرضان أيّ التزامات على تركيا في المقابل.

فقد قال ييفغيني سيغال من صحيفة "كومرسانت"، وهي الصحيفة الماليّة الأولى في روسيا، إنّه على الرغم من حجم مشروع خطّ الأنابيب الذي ستبلغ سعته السنويّة 63 مليار متر مكعّب، والحسم على سعر الغاز، لن يتعيّن على تركيا تحمّل أيّ مسؤوليّة أو تقديم أيّ ضمانات بشأن ما يتبقّى من الغاز الطبيعيّ بعد سحب 14 مليار متر مكعّب لاستهلاكها الخاصّ.

واعتبر المدير التنفيذيّ لـ "غازبروم"، ألكسي كيلر، أنّ "المشروع انتهى. فقد قدّم الاتّحاد التركيّ صمّام الغاز إلى تركيا". وقد تلهّف الروس للتعبير عن حماسهم إزاء المسار الجديد إلى تركيا، فسارعوا في إنشاء الشركة التي ستبني القناة، وأطلقوا عليها اسم "غازبروم-روسكايا".

واعتبر خبير الطاقة التركيّ جنيت كازوغوغلو أنّ الحسم الروسيّ على سعر الغاز ليس من باب الإحسان. وشرح أنّه بموجب شروط العقد، يتمّ تسعير الغاز وفقاً لصيغة تستند إلى أسعار النفط، وبالتالي فإنّ الحسم هو نتيجة تعاقديّة للانخفاض العالميّ لأسعار النفط.

ومع تسارع التعاون التركيّ الروسيّ في مجال الطاقة النوويّة، والمحادثات الأوليّة بشأن بناء محطّة ثانية للطاقة النوويّة، يبرز موضوع آخر يتعلّق بتخطيط تركيا المحتمل لتطوير أسلحة نوويّة. وبالاستناد إلى تقارير لوكالة الاستخبارات الألمانيّة "بي أن دي"، نقلت صحيفة "دي فيلت" الألمانيّة مزاعم في أيلول/سبتمبر مفادها أنّ تركيا تستعمل الطاقة النوويّة كوسيلة مستترة لتطوير أسلحة نوويّة.

وجاء في المقال الذي كتبه هانز روهلي، وهو مسؤول بارز سابق في وزارة الدفاع الألمانيّة، أنّ تركيا كانت تجري اتّصالات سريّة مع باكستان وإيران من أجل تطوير أسلحة نوويّة. وكتب روهلي أنّ الرئيس رجب طيب أردوغان لن يقبل برؤية تركيا متأخّرة عن إيران وإسرائيل في هذا المجال، مضيفاً أنّ وكالة الاستخبارات الألمانيّة حصلت على معلومات عن ذلك من تنصّتات هاتفيّة.

وإنّ المزاعم المتعلّقة باستراتيجيّة تركيّة تقضي بالانتقال من الطاقة النوويّة إلى الأسلحة النوويّة مشكوك في صحّتها. ويبقى السؤال عن مدى قبول حلف شمال الأطلسي وروسيا بمناورات مماثلة من بلد ينتمي إلى الحلف ويعتمد إلى حدّ كبير على روسيا في الوقت نفسه.

More from Zulfikar Dogan

Recommended Articles