تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تنظيم "الدولة الإسلاميّة" يفشل في خلق صراع طائفيّ في العراق

Shi'ite volunteers, from Abbas Unit who have joined the Iraqi army to fight against militants of the Islamic State, formerly known as the Islamic State in Iraq and the Levant (ISIL), parade down a street in Kerbala, southwest of Baghdad August 14, 2014. U.S. President Barack Obama said on Thursday that the Islamist militant siege of Iraq's Mount Sinjar had been broken and most of the U.S. military personnel sent to assess the situation would be pulled out of Iraq in the coming days.  REUTERS/Mushtaq Muhamme

يعتمد تنظيم "الدولة الإسلاميّة" على الصراع الطائفيّ في شكل أساسيّ، لخلق أرضيّة تساعد على تأسيس دولته المزعومة. ويتميّز التنظيم عن نظائره كالقاعدة، باتّخاذه الأجندات الطائفيّة استراتيجيّة دائمة وجوهريّة، حيث تعدّ إثارة الصراع الشيعيّ–السنّي إحدى الأدوات والسياسات المستمرّة والرئيسيّة للتنظيم، منذ تأسيسه الأوّل في عهد أبو مصعب الزرقاوي حتّى الآن.

وقد كان هذا الأمر أحد الأسباب الرئيسيّة لبروز الاختلاف بين التنظيمين منذ بدء عملهما في العراق بعد عام 2003. ففی الرسالة المنسوبة إلى الزرقاوي إلى بن لادن والظواهري عام 2004، تمتّع الحديث عن الصراع الشيعيّ– السنّي بحجم كبير. فقد كان الزرقاوي يرى في قتال الشيعة إحدى الأولويّات الرئيسيّة للجهاد. وكان يعتقد أنّه ليست هناك أولويّة أخرى تتقدّم على قتال الشيعة، وأنّه لا يجب على قتال الأميركيّين أن يعطّل قتال الشيعة أو يوقفه. هذا في حين أنّ فحوى المحادثات بين الطرفين كانت تظهر بأنّ القاعدة تختلف مع جماعة الزرقاوي في استهداف الشيعة، بل كان قادة القاعدة لا يرون حرجاً في التقارب مع جهّات شيعيّة معادية للاحتلال.

وتظهر المتابعة لنشاطات التنظيمين، أنّ القاعدة كانت تتجنّب الاصطدام بالمجتمعات المحليّة، ولكنّ تنظيم "الدولة الإسلاميّة" يصرّ منذ دخوله الأوّل إلى أيّ منطقة إلى تطهير الأرض من غير السنّة، وخصوصاً الشيعة. كما أنّ التنظيم يستخدم طرقاً متنوّعة لإثارة الصراع الطائفيّ، ليؤدي بالسنّة إلى الانضمام إليه كأمر لا بدّ منه.

فقد وسّع التنظيم دائرة نشاطاته الانتحاريّة والتفجيرات في المناطق المدنيّة الشيعيّة في بغداد، منذ سقوط الموصل، في شكل كبير جدّاً، هذا إضافة إلى التفجيرات الكبيرة التي شهدتها مدينة كربلاء والكاظميّة ذات الغالبيّة الشيعيّة. وكان التنظيم يأمل بأن يؤدّي ذلك إلى ردّ فعل عنيف من قبل الميليشيات الشيعيّة في المناطق السنيّة من بغداد، وفي النتيجة، ينتهي ذلك بانضمام سنّة بغداد إلى التنظيم، ومساعدته في بسط السيطرة على العاصمة.

ولكن، كلّ ذلك لم يحدث، بل شهدت المناطق السنيّة في العاصمة العراقيّة هدوءاً نسبيّاً، ولم تحدث أيّ تجاوزات جديرة بالاعتبار في تلك المناطق. ومن جهّة أخرى، يتمتّع المكوّن السنّي في بغداد بخلفيّة مدنيّة واسعة، ممّا يبعده تماماً عن الاقتراب من السياسات الدينيّة المتشدّدة للتنظيم.

وفي حوار مع "المونيتور"، قال أحد رجال الدين البارزين في منطقة الأعظميّة في بغداد ذات الأغلبيّة السنّية، إنّ سنّة بغداد يملكون ثقافة مدنيّة وديانة معتدلة بعيدة عن التشدّد، ولذلك لم يسجّل حضور كبير لسنّة بغداد في التنظيمات المتطرّفة خلال كلّ سنوات ما بعد 2003، إضافة إلى أنّ الكثيرين منهم تربطهم علاقات طيّبة بالشيعة في مجالات عملهم وعلاقاتهم العائليّة.

وأضاف المصدر أنّ "المكوّن السنّي في بغداد، على الرغم من عدم رضاه من بعض التصرّفات غير الودّية من قبل بعض الجماعات المتطرّفة المحسوبة على الشيعة، يفضّل الاستمرار في التعايش والعمل السلميّ الدؤوب، لحلّ المشاكل التي تطرح أحياناً". وقال:"إنّ ما حدث لمدينة الموصل من دمار شامل للحضارة والمدنيّة وتفتيت الشعب وتهجير مئات الآلاف، يمثّل عبرة لنا للابتعاد تماماً عن هذا التنظيم المتطرّف الذي يحاول استغلال أهل السنّة لصالح أجنداته الإرهابيّة والوحشيّة".

وقد لعبت المرجعيّات الشيعيّة دوراً بارزاً في تهدئة المواقف ومنع أتباعها من القيام بردّات فعل عنيفة لا يحمد عقباها. فقد عمد المرجع الشيعيّ السيّد علي السيستاني، إلى تكرار هذه العبارة على لسانه ولسان وكلائه والناطقين باسمه وهي أنّ "السنّة ليسوا إخواننا وحسب، بل إنّهم أنفسنا". كما أنّ السيّد حسين الصدر يستقبل في شكل منتظم ضيوفاً من العشائر ورجال الدين السنّة من مختلف مناطق العراق، ممّا يلعب دوراً بارزاً في منع نشوب صراع طائفيّ بين أتباع المذهبين.

ولم يكتف التنظيم باستهداف الشيعة لجرّهم الى الإعتداء على السنّة فقط، بل يقمع السنّة المعتدلين أيضاً، لتطهير الجبهة الداخليّة من وجهات النظر المعتدلة والمتعايشة مع الشيعة. وعليه، يتعامل التنظيم بقساوة كبيرة جدّاً مع كلّ من العشائر السنيّة التي تحتفظ بعلاقات طيّبة مع الشيعة، أو تودّ الحفاظ على علاقاتها معهم. ويعدّ ما حدث لعشيرة البونم السنّية منذ العشرين من شهر تشرين الأوّل/أكتوبر في محافظة الأنبار مثالاً بارزاً على ذلك. فقد قام التنظيم بقتل 238 رجلاً من البونمر، وقد عثر على مقبرة جماعيّة تضمّ 250 منهم أخيراً.

وقد أدّت هذه الإجراءات إلى ردود فعل معاكسة على خلاف ما كان يريده التنظيم، حيث جعلت السنّة يستنجدون بالشيعة لتخليصهم من التنظيم. فقد استنجد شيخ عشيرة البونمر، النائب في البرلمان غازي الكعو في لقاء مع قناة الحرّة في 29 تشرين الأوّل/أكتوبر، بالقيادات الشيعيّة، وخصّ بالذكر السيّد مقتدى الصدر، ورئيس منظّمة بدر، هادي العامري، للوقوف أمام هلاك عشيرته على يدّ التنظيم. وأضاف الشيخ إنّهم يواجهون إبادة جماعيّة على يدّ مجموعة همجيّة، لا تنتمي إلى أيّ مبادئ دينيّة، أخلاقيّة أو إنسانيّة، ولذلك يرحبّون بأيّ قوة تأتي لمساعدتهم، وحتّى إن كانت من إسرائيل.

وأخيراً، يجدر الذكر أنّ هذه المواقف تفتح إمكانات وخيارات واسعة أمام الحكومة العراقيّة، لاستغلالها في حربها ضدّ التنظيم واستعادة أراضيها منه، التي تقطنها غالبيّة سنيّة غاضبة من التصرّفات المتشدّدة للتنظيم.