تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تقويض "داعش" في الأنبار... يقلب موازين الحرب في العراق وسوريا

يتم الحديث في العراق وخارجه على ان تنظيم "داعش" يعود الى الانبار، خلال الاسابيع الاخيرة ويركز جهوده على احتلال بلداتها الواحدة تلو الاخرى، وقد تمكن اخيراً من التقدم في بلدات، هيت وكبيسة، والسيطرة على اجزاء من مدينة الرمادي، وان هذا التحرك يهدد العاصمة العراقية بغداد.
A man walks past a damaged building in the Anbar province town of Hit October 6, 2014. Iraqi forces backed by Shi'ite volunteer fighters are fighting to retake control of the western Iraqi town of Hit from the insurgents of the Islamic State, residents said. Residents said that fighting is going on in the outskirts of the town, which was captured by IS militants a week ago. Picture taken October 6. REUTERS/Stringer (IRAQ - Tags: CIVIL UNREST POLITICS MILITARY TPX IMAGES OF THE DAY) - RTR49ECK

بغداد — يتمّ الحديث في العراق وخارجه عن أنّ تنظيم "داعش" يعود إلى الأنبار، خلال الأسابيع الأخيرة ويركّز جهوده على احتلال بلداتها الواحدة تلو الأخرى. وقد تمكّن أخيراً من التقدّم في بلدتي هيت وكبيسة، والسيطرة على أجزاء من مدينة الرماديّ، ويهدّد هذا التحرّك العاصمة العراقيّة بغداد.

لكنّ السؤال الذي لم يتمّ التّعامل معه بمسؤوليّة على مستوى خطط محاربة "داعش"، هو: هل غادر تنظيم "داعش" الأنبار ليعود إليها اليوم؟ ففي واقع الحال، إنّ التّنظيم ما زال يعتبر أنّ الأنبار هي ساحته العسكريّة الأكثر حساسيّة والمحافظة العراقيّة الأكبر مساحة (3/1 من مساحة العراق)، وتشكّل ساحة رئيسيّة للتّنظيمات المتطرّفة منذ عام 2003 وترتبط جغرافيّاً بثلاث دول، هي: السعوديّة والأردن وسوريا، مثلما ترتبط بستّ محافظات عراقيّة، هي: الموصل وصلاح الدين وبغداد وبابل وكربلاء والنّجف.

ولطالما كانت صحراء الأنبار المعقّدة والمترامية الأطراف، موقعاً لتمركز المجموعات الإرهابيّة وميداناً لتحرّكهم عبر المدن، بعيداً من خطوط النّقل الرئيسيّة والرّصد الاستخباريّ. كما أنّ الطبيعة الديموغرافيّة لسكّان الأنبار، حيث يغلب الطابع العشائريّ والبداوة، مثلّت بدورها بيئة مناسبة لتأسيس حواضن اجتماعيّة لتنظيم "داعش". كما ساعدت أيضاً على أن تقود الأنبار طوال عام 2013 الاحتجاجات السنيّة ضدّ الحكومة، وكانت الساحة الأولى لمعارك تنظيم "داعش" في العراق بداية عام 2014.

وكانت "المونيتور" اعتبرت في 9 تموز الماضي أنّ تهديد "داعش" في العراق، بدأ في لحظة احتلاله للفلّوجة (غرب بغداد) منذ 1/1/2014 لما لهذه المدينة التي تعدّ من أهمّ مدن الأنبار، من مكانة لدى سكّان الأنبار، ولأنّها تضمّ الثقل العسكريّ للمجموعات المسلّحة والممانعات الأكبر للتّنظيم. ولم يسمح هذا الواقع للزعيم بغدادي طوال 6 أشهر من احتلاله الفلّوجة بإعلان نفسه خليفة، حتى احتلال الموصل.

وأشارت الظروف الموضوعيّة طوال الأشهر التي أعقبت احتلال "داعش" للموصل، إلى أنّ نقطة نهاية التّنظيم تبدأ من الفلّوجة، وأنّ السيطرة على الفلّوجة ستضمن السيطرة على محافظة الأنبار. وإنّ خروج الأنبار عن سيطرة "داعش" سيعني التّسريع في انهيار التّنظيم، ليس في العراق فقط، بل في سوريا أيضاً.

ويمكن الإشارة إلى أنّ التدخّل العسكريّ الجويّ لقوّات التّحالف الدوليّ لم ينتبه إلى الأنبار في شكل جديّ حتّى بداية أغسطس الماضي.

فيما أهدرت الأوساط السياسيّة الكثير من الوقت، في تغيير الحكومة واختيار أعضائها، وكان هذا الوقت كافياً ليتمكّن "داعش" من تعميق وجوده والاستقرار في عدد من البلدات والمدن.

وكان تنظيم "داعش" سيطر في 15/6/2014 على مدينة القائم الاستراتيجيّة عند الحدود العراقيّة - السوريّة، وضمّ إليها مدينة "البوكمال" السوريّة في أغسطس، ليعلن عن تشكيل ما أطلق عليه "ولاية الفرات".

وفي سبتمبر، أعلن التّنظيم مدينة الفلّوجة ولاية مستقلّة عن الأنبار التي حملت بقيّة مدنها اسم "ولاية الأنبار".

وبذلك، فإنّه قسّم الأنبار إلى ثلاث وحدات إداريّة وعسكريّة، ونظّم في شكل تدريجيّ قدرته على إخضاع القرى والبلدات تباعاً، ابتداء من السيطرة على صحراء الأنبار، وصولاً إلى المعارك التي يخوضها اليوم في الرمادي وهيت، وتهديده معسكر عين الأسد العسكريّ في ناحية خان البغدادي.

وتأخّر الحكومة العراقيّة، في اتّخاذ اجراءات سريعة لاستعادة الأنبار، برز حسب رئيس حكومة الأنبار المحليّة صباح كرحوت، الذي أبلغ "المونيتور" أنّ العشائر والقوى الأمنيّة والعسكريّة في الأنبار لم يتمّ دعمها بالأسلحة والإمدادات في شكل صحيح، رغم المناشدات المستمرّة للعشائر والحكومة المحليّة تقديم الدعم إلى مدن الأنبار التي قاومت تنظيم "داعش" منذ أكثر من 10 أشهر".

وأكّد كرحوت، الذي سبق وطالب بتدخّل بريّ أميركيّ في الأنبار، أنّ "داعش" يقدم، في شكل تدريجيّ، إلى حصار عشرات القرى على نهر الفرات، أبرزها: البوعامر، الخفاجيّة، الخزرج، البونمر، العبيد، الجغايفة، الهيتاوين، وخان البغدادي، وإنّ هذا التقدّم لم تصاحبه إجراءات حكوميّة مناسبة لدعم مقاومة أبناء العشائر في هذه القرى.

وفي الواقع، يبدو مفهوم "دعم العشائر" فضفاضاً، فلن تتمكّن أيّ حكومة من تقديم دعم مفتوح إلى مدنيّين في مناطق الصراع، من دون أن يرتبط هذا الدعم بآليّات واضحة تجيب عن أسئلة مثل: من يتلقّى الدعم؟ وكيف يتمّ التّنسيق مع الأجهزة الأمنيّة الرسميّة؟ وكيف يتمّ إدخال مقاتلي العشائر في الخطط الأمنيّة؟ وما هو الدعم المطلوب؟ هل هو ماليّ، أم تسليحيّ، أم لوجستي، أم جويّ؟

وإنّ الحصول على تلك الاجابات لن يتمّ قبل ترجمة جملة "الحرب على داعش" إلى تفاصيل عمليّة، تشمل تنظيم مقاتلين متطوّعين لهذه الحرب من داخل المدن وتدريبهم وتسليحهم، وهو المشروع الذي يطلق عليه اليوم اسم "الحرس الوطنيّ"، ولم ير النور في شكل رسميّ حتى الآن، ولا يتوقّع أن يقوم بأدوار فاعلة في الحرب قبل مرور أشهر عدّة مقبلة.

وإنّ التّحذيرات من تدهور الأوضاع الأمنيّة في الأنبار، ونتائج هذا التّدهور على أمن بغداد تبرّره اعتبارات عدّة، أهمّها أنّ الأنبار تمتلك إطلاله شديدة الخطورة على مدن بغداد وبابل وكربلاء، ممّا سيجعل كلّ هذه المدن في دائرة الخطر. وإنّ التّنظيم كان ظهر في نيسان الماضي، أيّ قبل شهرين من احتلاله الموصل، في بلدة أبو غريب، التي تعدّ جزءاً من حدود بغداد الإداريّة الغربيّة، وتربط العاصمة بمحافظة الأنبار، ونفّذ استعراضاً عسكريّاً بالعجلات في تلك البلدة.

كما أنّه سيطر في الشهر نفسه على سدّة الفلّوجة وقطع إمدادات المياه وشكّل خطراً على مساحات واسعة من الأراضي في جنوب بغداد وأغرق مساحات أخرى في بلدة أبو غريب.

وإنّ هذا الوجود المبكر للتّنظيم على حدود بغداد، يطرح المزيد من التّحذيرات حول أمن العاصمة، وضرورة الانتباه إلى الأنبار عموماً، ومدينة الفلّوجة خصوصاً، كمصدر تهديد حقيقيّ وعامل حاسم في الحرب.

كما أنّ استعادة الأنبار بالكامل، ومن ضمنها مدينة الفلّوجة، يجب أن يكون جوهر الخطط الأمنيّة الجديدة للعراق، ويجب أن يتمّ فتح حوار سريع لتشكيل القوى المسؤولة عن خوض الحرب مع "داعش" في الأنبار بالسرعة القصوى، وأن يركّز التحالف الدوليّ جهوده لتغيير معادلات القوى في هذه المحافظة كمقدّمة لتغييرها في كلّ المناطق الأخرى التي يسيطر عليها التّنظيم.

More from Mushreq Abbas

Recommended Articles