تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الحقيقة وراء نفط الدولة الإسلامية في تركيا

في حين أن مبيعات الدولة الإسلامية للنفط عبر الحدود التركية تشكل مشكلة حقيقية، إلا أن الحكومة التركية لا تتغاضى عنها.
A group of men smuggle diesel fuel from Syria to Turkey hoping to sell it at a higher price, across the Al-Assi River in Darkush town, Idlib countryside May 26, 2013. REUTERS/Muzaffar Salman (SYRIA - Tags: CONFLICT TPX IMAGES OF THE DAY) - RTX1026I

بتاريخ 20 أيلول/سبتمبر الجاري أطلق تنظيم الدولة الإسلامية سراح 49 مواطناً تركياً كان قد احتجزهم لمدة 101 يوماً، ما شكل ارتياحاً كبيراً لتركيا.

عندما سيطرت الدولة الاسلامية في شهر حزيران/يونيو على الموصل في العراق احتجزت كرهائن الدبلوماسيين وموظفي القنصلية (مع أسرهم بما في ذلك طفلين رضيعين).

ومنذ ذلك الحين، صرحت الحكومة التركية أن يديها أصبحتا مكبلتان في انضمامها إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد التنظيم، وهو أمر فيه من المنطق. ولكن اليوم مع إطلاق سراح الرهائن بدأت أنقرا تفكر أكثر بالتهديد القائم على حدودها الجنوبية.

ما هو موقف تركيا الواضح بشأن الدولة الإسلامية؟ بدأت هذه المسألة تثير الجدل في البلاد وفي الغرب. وتم انتقاد الحكومة التركية في ما يخص ثلاث نقاط: هي لم تقم بما يكفي لإغلاق حدودها أمام تدفق المقاتلين الأجانب الذين ينضمون إلى الدولة الإسلامية. وهي لم تأخذ الاجراءات اللازمة لكبح جماح الجماعات المتطرفة في الداخل التي تجند مقاتلين لصالح التنظيم. إن الدولة الإسلامية تربح الأموال عن طريق بيع النفط عبر الأراضي التركية.

رداً على ذلك وبالنسبة للنفطة الأولى، يمكن القول أن الحدود التركية يسهل بالفعل اختراقها، ولكن ذلك بسبب طولها الذي يمتد على نحو 750 كيلومتراً، بالإضافة إلى التضاريس الصعبة، أضف إلى ذلك سياسة أنقرة "بفتح الحدود" التي كان لها الفضل بإنقاذ 1.5 مليون لاجئ منذ بداية الحرب الأهلية في سوريا.

في ما يتعلق بالنفطة الثانية، أي تجنيد المقاتلين لصالح الدولة الاسلامية، يتعين على أنقر أن تكون أكثر حذراً ولكن تجدر الإشارة أيضاً إلى أن عدد المجندين في فرنسا والمملكة والمتحدة وروسيا يفوق الأعداد في تركيا.

أما بالنسبة إلى النفطة الثالثة، أي بيع النفط عبر الأراضي التركية، فهذه المسألة أيضاً تستحق أن تقيم بشكلٍ عادلٍ. لقد قامت مؤخراً لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي بمناقشة مسألة التجارة هذه، التي تم تسليط الضوء عليها في صحيفة نيويورك تايمز، وبلومبرج بيزنيس ويك وتقرير على موقع المونيتور قام بإعداده الصحفي فهيم تستكين. فكما يشرح تستكين، لا يتعلق الأمر بالتجارة الشرعية، إنما بالتهريب، يتم بمعظمه من خلال "أنابيب بلاستيكية صغيرة القطر تُستخدم عادة للري".

بغية فهم الأسباب التي أدت إلى حدوث هذا الأمر، يتعين معرفة أن التهريب هو عادة راسخة على الحدود الجنوبية الشرقة لتركيا مع العراق وسوريا. فالنفط مكلف في معظم الأراضي التركية ولكنه رخيص في الجنوب، مما أدى إلى إنشاء خط تجاري واسع النطاق ولكن غير شرعي بين جنوب وشمال البلاد. ولا تقتصر عملية التهريب على النفط وحسب إنما تضم أيضاً مواد وسلع شعبية شائعة أخرى مثل الشاي. (إذا طلب أحد الزبائن الشاي في جنوب شرق تركيا، غالباً ما يسأله النادل إذا كان "يريد شاي عادي أم شاي مهرب؟").

وعلى مدى عقود كانت الحكومات التركية المتعاقبة متسامحة مع هذا الاتجار غير المشروع استناداً إلى بعض المنطق الاستراتيجي. فالحرب التي دامت 30 عاماً بين الدولة وحزب العمال الكردستاني أضعفت المنطقة الجنوبية الشرقية، مما قلص عائدات الزراعة والتربية الحيوانية. فبقي التهريب مصدر الدخل الوحيد لبعض القرى. وقد استفاد الموالون للدولة (والمعادون لحزب العمال) من إهمال الحكومة الإيجابي في بعض القرى، الذي كان شكلاً من أشكال التعويض لولائهم لها.

شكلت حادثة التفجير العرضي التي أصاب 34 مهرباً في قرية روبوسكي في شهر كانون الأول/ديسمبر عام 2011ـ، الذي قامت به القوات المسلحة التركية مأساة مروعة رفعت الغطاء عن هذه التقليد. فكشف القرويون أنه لغاية اليوم كان الجنود يشحون نظرهم عندما "كنا نقوم بالتهريب".

وبعبارة أخرى، إن مسألة تهريب الدولة الإسلامية للنفط عبر الحدود التركية هي شأن الحكومة التركية التي يتعين عليها مواجهته. وكما ذكر تستكين "بدأت الدولة تتدخل بعدما بدأ الاعلام العالمي بطرح الأسئلة عما إذا كان نفط الدولة الاسلامية يُباع في تركيا." ولكن هذه المسألة معقدة أكثر مما قد تبدو عليه للوهلة الأولى. فهي مسألة لا تُعنى بالإرهاب وحسب وإنما بالاقتصاد المحلي أيضاً.

في كثير من الأحيان، لا يدرك المهربون على الجانب التركي من الحدود أنهم يشترون النفط من مصادر الدولة الإسلامية. فكما ذكرت الصحفية التركية المقيمة في واشنطن تولغا تانيس "إن النفط ينتقل بسرعة من أيدٍ إلى أيدٍ جديدة فلا يدرك المشترون أنهم يشترونه من مصادر تنظيم دولة الإسلامية."

وكما ذكر تستكين أيضاً إن المهربين في قرية تركية قرب الحدود السورية "يفضلون التفكير بأن الجيش السوري الحر هو المستفيد من هذا الاتجار وليس الدولة الاسلامية".

أما السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الشأن ما هو حجم هذه التجارة غير المشروعة؟ بحسب صحيفة نيويورك تايمز، تقدر عائدات النفط بمليون دولار إلى مليونين دولار يومياً".

ولكن مستشار رئاسي، فضل عدم ذكر اسمه، نفى هذه التصريحات في حديث إلى المونيتور. وقد قال أن "هذا أمر مستحيل. برميل النفط يُباع بنحو 50 دولار أميركي في السوق السوداء. فهذا يعني أنه يتم نقل 400,000 برميل يومياً بشكلٍ غير شرعي من العراق أو سوريا إلى تركيا. ولكن من المستحيل نقل هذه الكمية الهائلة عبر أي من وسائل التهريب مثل الخراطين أو الشاحنات والبغال. مما لا شك فيه أن عمليات التهريب تحصل بالفعل على حدود تركيا مع العراق وسوريا وإنما ليس بهذا الحجم بكل تأكيد."

وأضاف المسؤول أن هذه الكميات الكبيرة من النفط ليست نفطً خاماً ولكن لا يمكن لأي من المصفاتين في تركيا، توبراش وألياغا، تكرير النفط المهرب.

أما على صعيد الصورة الأشمل، قال المسؤول أن بروز الدولة الإسلامية يؤكد تحذيرات تركيا إلى الغرب في وقت سابق: إن الجيش السوري الحر لم يحصل على الدعم الذي يستحقه في بداية الصراع وهذا الخطأ قد مهد الطريق أمام بروز الجماعات المتشددة من بينها الدولة الإسلامية.

خلاصة القول هي أنه في حين أن مبيعات الدولة الإسلامية للنفط عبر الحدود التركية تشكل مشكلة حقيقية، إلا أن الحكومة التركية لا تتغاضى عنها، كما أشار وزير الطاقة التركي تانر يلدز بشكلٍ قاطع في خلال مؤتمر صحفي. من الحكمة أن يقوم حلفاء تركيا الغربيون بمناقشة الأمر مع تركيا بإدراكٍ أكبر للفوارق الدقيقة وبنية تقديم مزيد من التعاون بدلاً من إلقاء اللوم على أنقرة حول الامور التي تقع خارج سيطرتها بالكامل.