تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

العبادي... خطاب إيجابيّ يتطلّب أن يكون سياقاً عاماً

لم يتعمد رئيس الوزراء العراقي المكلف الاثارة الاعلامية، او استثارة الحساسيات السياسية والمذهبية والقومية في خطبه وتصريحاته منذ تكليفه بتشكيل الحكومة، بل ان هدوء خطابه وتوازنه ساهم الى حد بعيد، في تجاوز الكثير عقبات لمحاولات التشكيل التقليدية في الحكومات السابقة.
Iraq's Prime Minister-designate Haider al-Abadi (R) meets with Pastor Farouk Yousuf in Baghdad August 21, 2014. REUTERS/Karim Kadim/Pool (IRAQ - Tags: CIVIL UNREST POLITICS RELIGION) - RTR438QY

لم يتعمّد رئيس الوزراء العراقيّ المكلّف حيدر العبادي الإثارة الإعلاميّة، أو استثارة الحساسيّات السياسيّة والمذهبيّة والقوميّة في خطاباته وتصريحاته منذ تكليفه تشكيل الحكومة، بل إنّ هدوء خطابه وتوازنه ساهم إلى حدّ بعيد، في تجاوز الكثير من عقبات التّشكيل التقليديّة في الحكومات السّابقة.

وفي واقع الحال، فإنّ الحفاظ على خطاب متوازن سواء أكان للجمهور أم للطبقة السياسيّة، وسط كم العنف والأزمات والدّماء في العراق، هو مهمّة صعبة، خاصة فيما يتعلق بمختلف المواقف السياسية. وإنّ احتفاظ العبادي حتّى الآن بنبرة هادئة في كلماته وخطاباته التي وجّهها إلى الرأي العام، والتي نقلت عنه في لقاءاته ومشاوراته لتشكيل الحكومة، يبدو أنّه جهد استثنائيّ.

ساهمت عدة عوامل في انقطاع الحوار في العراق ووصول البلاد الى الانشقاق والتقاطع الحقيقي بين مكوناته. ويمكن الحديث عن مؤثّرات اجتماعيّة وأمنيّة وسياسيّة داخليّة. كما يمكن الحديث عن مؤثّرات إقليميّة ودوليّة. وقد ساهمت كلّها في الوصول الى الوضع الراهن.

وإضافة إلى الجو العام السائد في الشارع، فإنّ عوامل شخصيّة اضافية قد ساهمت في تعميق الانقطاع. تتعلّق هذه العوامل أحياناً بطبيعة تعاطي الزعماء السياسيّين مع بعضهم، واستجابة أعضاء أحزابهم وكتلهم للشدّ السياسيّ بين الزعماء.

والمهمّ في هذه المرحلة، هو اعتماد الخطاب المتوازن من كلّ الأطراف واستئناف الحوارات واللقاءات السياسيّة، وبثّ نوع من الأجواء الإيجابيّة في التّعاطي مع الأزمات وحلولها. والأهم ألاّ تقتصر هذه الأجواء على تشكيل الحكومة. اذ لا يجب على الخطابات الهادئة والمتوازنة أن ترتبط فقط بتجاوز عقبة الاتّفاق على المناصب الوزاريّة بين الأفرقاء، بل أن تطال جميع أوجه الشؤون العراقية.

كما أنّ الاستثمار في الأجواء السياسيّة الحاليّة، وتحويلها إلى نسق سياسيّ عام، وتحقيق التزام أخلاقيّ وقانونيّ يسمح بتطبيق التعهّدات التي ستلزم حكومة العبادي في المرحلة المقبلة، كلّها عوامل مطلوبة لتجاوز الأزمة برمّتها.

ويمكن القول إنّ العبادي نجح في مهمّته الأولى، وهي مهمّة تسبق تشكيل الحكومة، وتتعلّق بقدرته على إقناع كل الأطراف السياسيّة، وإقناع رجل الشارع العادي سواء أكان سنيّاً أم شيعيّاً أم كرديّاً أم تركمانيّاً أم مسيحيّاً أم إزيديّاً أم صابئيّاً، بأنّه رئيس حكومة يمثّل كلّ العراقيّين.

يسلّط موقفه الحالي الضوء على أنّه عازم على مواجهة التحديات الكبيرة التي تحول دون تحوّل العراق الى دولة مستقرّة. كما أنّ العبادي قد يتعرّض إلى مغريات كبيرة للانزلاق إلى الخطاب المتشنّج أو الاستفزازيّ، الذي يحوّله إلى ممثّل لطائفة وإلى عدوّ لطوائف أخرى.

وإنّ مواجهة تحدّيات كهذه تتطلّب قناعة عميقة من العبادي نفسه، بأنّ خطابه الحاليّ المثمر سيتحوّل إلى آلية عمل في المستقبل، تفتح الباب أمام تلاقٍ نادر للأطراف والمكوّنات العراقيّة.

ويجب ألاّ ننسى أنّ العبادي وجّه خطاباً متوازناً حول علاقات العراق الخارجيّة، وتلقّى دعماً إقليميّاً ودوليّاً غير مسبوق. وقد ظهر ذلك من خلال اهتمام الظاهر بالعبادي من قبل اوباما والشخصيات الأوروبية والعربية التي اتصلت به مباشرة، في خطوة خارج اطار البروتوكول بين الدول. 

ومن الضروريّ استثمار هذا الدعم، بما يتيح تحقيق انفراجات في الاختناقات السياسيّة التي يواجه سياسة العراق الخارجية.

إنّ العراق في أمس الحاجة إلى برامج عمل وآليّات مصالحة وحوار طويلة الأمد، وخطاب العبادي الذي يتزامن مع خطابات هادئة من رئيس الجمهوريّة فؤاد معصوم، ورئيس البرلمان سليم الجبوري، قد يكون بداية نموذجيّة لإنتاج برامج كهذه.

More from Mustafa al-Kadhimi

Recommended Articles