تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الانتخابات والتعبئة الإثنو-طائفيّة في العراق

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانيّة في العراق، يجري تصعيد سياسي يستهدف تعبئة القواعد الجماهيريّة على أساس إثني وطائفي. ومع هذا التصعيد يتمّ تهديد النظام السياسي القائم، إذ بدأت القوى الرئيسيّة ترفض علناً الركون إلى الدستور بعد أن كانت تختلف على تفسيره.
Iraq's parliament speaker Osama al-Nujaifi, Prime Minister Nuri al-Maliki, Iraq's Vice President Tareq al-Hashimi and Head of the Sunni Endowment Ahmed Abdul-Ghafoor al-Samarraie (4th R-R) attend a ceremony to mark the birth anniversary of Prophet Mohammed at Um al-Qura mosque in Baghdad February 15, 2011. REUTERS/Mohammed Ameen (IRAQ - Tags: POLITICS RELIGION) - RTR2IMJK

في بلد منقسم بعمق وتعتمد أحزابه الرئيسيّة في تجديد شرعيّتها على سياسات الهويّة، تكون المواسم الانتخابيّة فرصة للتعبئة الإثنيّة والطائفيّة وتعبيراً عن الانقسام السياسي. ويتنامى الميل إلى تبنّي سياسات متشدّدة من قبل تلك الأحزاب التي تقدّم نفسها كحامية للجماعة الطائفيّة أو الإثنيّة. ويبالغ الزعماء الرئيسيّون في مواقفهم الصداميّة، بحيث يتحوّل الموسم الانتخابي إلى ما يشبه الصراع عند الهاوية. وهو ما يحدث اليوم في المواجهة بين رئيس الوزراء نوري المالكي ورئيس البرلمان أسامة النجيفي من جهة، وبين المالكي ورئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني من جهة أخرى. والأمر يتعدّى تعبئة القواعد الانتخابيّة إلى محاولة الإعداد لمرحلة التفاوض ما بعد الانتخابات. فالتشدّد الراهن ينمّ عن شعور بأن لا قيمة سياسيّة للمرونة ولخسارة أوراق الضغط في هذه المرحلة. لقد تحوّلت الانتخابات في العراق إلى مقدّمة لعمليات تفاوض شاقة على توزيع المواقع والمناصب الرئيسيّة، يحاول كلّ طرف أن يستعدّ لها بتجميع أوراق الضغط على خصومه.

مع ذلك، يبدو أن التصعيد الراهن قد يتجاوز الحسابات الانتخابيّة ويهدّد وجود النظام السياسي الذي أقيم في العراق بموجب دستور 2005. فرئيس الوزراء أعلن في كلمته الأسبوعيّة في الخامس من آذار/مارس الجاري أنه يعتبر مجلس النواب "منتهياً" ولا يتمتّع بالشرعيّة، محملاّ رئيس البرلمان مسؤوليّة "المخالفات الدستوريّة والقانونيّة" التي حوّلت البرلمان إلى مؤسسة تقوم بـ "تعطيل عمل الحكومة". وذهب المالكي إلى حدّ دعوة النواب إلى عدم حضور جلسات البرلمان ما دام رئيسه يصرّ على عدم طرح الموازنة على التصويت. وأعلن أنه سيقوم بالصرف من الموازنة من دون انتظار موافقة البرلمان في أول تهديد من نوعه، مضيفاً أنه قدّم طعناً بسياق عمل البرلمان إلى المحكمة الاتحاديّة.   

وفي اليوم التالي على كلمة المالكي، عقد النجيفي مؤتمراً صحافياً اتّهم فيه المالكي بقيادة انقلاب على الشرعيّة الدستوريّة وبأنه يتهرّب من الرقابة الشعبيّة الممثلة بالبرلمان على حكومته. وقال النجيفي إن إقدام المالكي على الصرف من الموازنة من دون انتظار تشريعها من قبل البرلمان يُعَدّ "اختلاساً للمال العام". وأشار رئيس االبرلمان إلى أن رئيس الوزراء ووزيرَي الدفاع والداخليّة بالوكالة امتنعوا عن تلبية دعوة البرلمان إليهم للحضور ومناقشة المشاكل الأمنيّة في البلاد.

هذه هي المرّة الأولى التي يصل فيها الخلاف ما بين الطرفَين إلى مرحلة سحب الشرعيّة، وهو ما يمهّد لأزمة دستوريّة أكبر، خصوصاً وأن الحكومة تستمدّ شرعيّتها من وجود البرلمان في ظلّ نظام يُعتبر – أقلّه نظرياً - نظاماً برلمانياً. كذلك فإن الدستور يوجب على الحكومة في المادة 62 منه أن تحصل على موافقة البرلمان على الميزانيّة، ويفرض على البرلمان أن لا ينهي فصله التشريعي قبل إقرار الموازنة (المادة 57). وخطاب المالكي يضفي مصداقيّة على المخاوف التي تشير إلى أنه يسعى إلى البقاء في السلطة بغضّ النظر عن نتائج الانتخابات، خصوصاً وأنه تبع وترافق مع دعوات من حلفائه بـ"حلّ البرلمان" أو "إعلان حالة الطوارئ". 

وتزامناً مع هذا التصعيد، تتّجه العلاقات ما بين حكومة إقليم كردستان وبغداد إلى مزيد من التأزّم بسبب عدم اتفاقهما على قانون الميزانيّة.  فقد هدّد رئيس الإقليم مسعود بارزاني "بإعادة النظر في العلاقة مع بغداد لأن الأكراد لن يتمكنوا من العيش تحت التهديد". وقد أشار المسؤولون الأكراد مؤخراً إلى طرح الخيار الكونفدرالي للعلاقة ما بين إربيل وبغداد كبديل عن "النظام الفدرالي" القائم حالياً. فأصدر نائب رئيس البرلمان وعضو التحالف الكردستاني عارف طيفور بياناً أشار فيه إلى أن النظام الكونفدرالي هو الحلّ الأمثل للعراق لمواجهة "مخاطر التفرّد بالسلطة من جهة واحدة... ومحاربة الإرهاب والفساد".

لكن الصيغة الكونفدراليّة التي يطرحها المسؤولون الأكراد غير واضحة، وهي تقتصر على أفكار عامة ولا تعالج المشاكل الأساسيّة المتعلقة بتوزيع الموارد والمناطق المتنازع عليها والحدود. كذلك فإنه ليس بالإمكان إعلان الكونفدراليّة من طرف واحد لأنها في النهاية نظام للعلاقات ما بين طرفَين أو أكثر، وليس واضحاً ما إذا كان الإقليم قد ناقش الموضوع مع القوى الإقليميّة والدوليّة، خصوصاً وأن الولايات المتحدة وإيران وتركيا غالباً ما تكرّر أنها تفضّل الإبقاء على وحدة العراق.

إن هذه المواقف الأخيرة التي أطلقها كل من المالكي والنجيفي وبارزاني تشير إلى أن الدستور الحالي لم يعد قادراً على احتواء الصراعات والانقسامات القائمة، وأن المضيّ في التصعيد والعجز عن التوصّل إلى عقد سياسي سيقود إلى انهيار قواعد اللعبة التي حكمت السياسات العراقيّة منذ العام 2005. وربما تكون هذه النتيجة حتميّة بسبب الطابع الذي تشكّلت وفقه تلك القواعد والتي كرّست ومأسست حالة التقسيم الإثني والطائفي، بما أعاد إنتاج الانقسامات والأزمات والصراع على الحصص والمناصب والموارد. إن رغبة رئيس الوزراء بالبقاء في السلطة بأي ثمن وعجز خصومه عن تقديم رؤية بديلة واضحة تقوم على إصلاح النظام، مؤشران إلى أن ذلك النظام ربما قد دخل طور الانهيار.   

More from Harith al-Qarawee

Recommended Articles