تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

روسيا لا يمكنها أن تخسر في صفقة نفطيّة مع إيران

تسعى روسيا إلى توطيد علاقاتها التجاريّة مع إيران والاستفادة من أيّ رفع للعقوبات الدوليّة عن إيران.
A Russian supertanker is anchored by Neka oil terminal, 300 km north-east of [Tehran], during an inauguration ceremony of the first phase of an oil swap project with Iran's Caspian neighbours, April 29, 2004. [ Under the project Iran will take crude from Russia, Kazakhstan and Turkmenistan and transfer them through pipelines to refineries in the cities of Tehran and Tabriz.] - RTXMLA4

بعد الإعلان عن الاتّفاق الذي عقدته إيران مع القوى العالميّة حول برنامجها النوويّ، نشرت وكالة "رويترز" في العاشر من كانون الثاني/يناير معلومات غير رسميّة حصلت عليها من مصادر لم تكشف عن هويّتها في إيران وروسيا، عن صفقة قيد الإبرام لمقايضة النفط الإيرانيّ بسلع روسيّة.

وأشارت المصادر التي سرّبت المعلومات إلى اتّفاق يقضي بتأمين 500 ألف برميل نفط يومياً (25 مليون طن سنوياً) مقابل معدّات وسلع روسيّة. وتُعتبر كميّة النفط هذه هائلة. فهي تساوي، من باب المقارنة، حجم إنتاج النفط اليوميّ في الإكوادور (التي ما زالت عضواً في منظّمة الدول المصدّرة للنفط [أوبك] مع أنّها أصغر دولة منتجة). ونتيجة العقوبات التي فرضتها الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ على إيران في العام 2011، تراجعت صادرات النفط الإيرانيّة من 2.5 ملايين برميل يومياً إلى مستواها الحاليّ أي مليون برميل. وبالتالي، فإنّ إبرام صفقة مع روسيا من شأنه أن يؤدّي إلى ارتفاع الصادرات الإيرانيّة بنسبة 50 في المئة. وذكرت المصادر أنّ السعر الذي يتمّ التفاوض عليه هو مليار ونصف المليار دولار أميركي شهرياً، أي حوالى مئة دولار للبرميل الواحد، وهو السعر المعتمد حالياً في السوق. ومقارنة بالسبعة مليارات التي ستنالها إيران من الرفع الجزئيّ للعقوبات، تبدو هذه الصفقة خياراً مغرياً أكثر.

أثارت هذه المعلومات استياء الإدارة الأميركيّة. وقد ادّعى الإيرانيّون أنّهم لا يجرون أيّ مفاوضات نفطيّة، لكنّ وزير الخارجيّة الأميركيّة جون كيري ونظيره الروسيّ سيرغي لافروف أجريا لاحقاً محادثات في هذا الشأن. ولم تؤكّد موسكو أو تنفي أيّ شيء رسمياً، لكنّها قالت إنّ روسيا لا دخل لها في نظام العقوبات الذي تعتمده الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ. وبالتالي فهي لا تنتهكه وهي حرّة في فعل ما تريد.

في 16 كانون الثاني/يناير الجاري، قام وزير الخارجيّة الإيرانيّة محمّد جواد ظريف بزيارة إلى موسكو حيث التقى لافروف والرئيس فلاديمير بوتين. وتحدّث الأطراف صراحة عن تعزيز التعاون الاقتصاديّ بين روسيا وإيران. وقد بلغ اهتمام المراقبين بهذه الزيارة أوجه عندما صرّح لافروف قائلاً "ليس لدينا ما نخبّئه".

وقال ظريف في مقابلة بثّتها قناة "روسيا 24" "بيننا علاقة قديمة جداً. وعلاقتنا أكبر بكثير من هذه المسائل التي (...) تثير الشائعات والتكهّنات. لطالما كانت لدى روسيا وإيران علاقات اقتصاديّة، وسيظلّ الوضع هكذا". لكن لم تصدر أيّ تصريحات رسميّة بشأن صفقة نفطيّة.

وأكّد مصدر في الحكومة الروسيّة فضّل عدم الكشف عن اسمه لصحيفة "كومرسانت" الروسيّة أنّ السلطات الروسيّة وإيران أجرت محادثات، مضيفاً أنّ فكرة إبرام صفقة لمقايضة النفط بالسلع انطلقت في خلال الاجتماع الأوّل بين بوتين ونظيره الإيرانيّ الجديد الرئيس حسن روحاني في أيلول/سبتمبر الماضي في بشكيك، فيما ناقش أعضاء الحكومة الاقتراحات المحدّدة خصوصاً في أثناء زيارة لافروف إلى طهران في كانون الأول/ديسمبر الماضي.

وقال وزير الطاقة الروسيّ ألكسندر نوفاك إنه وعلى الرغم من عدم وجود أيّ اتّفاق حول مقايضة النفط بالسلع، "لا تضع روسيا أيّ قيود على تزويد إيران بمواد أوليّة وسلع". وشدّد على أنه "بغية توسيع التجارة بين موسكو وطهران، ينبغي تطوير آليات لإجراء المبادلات بالروبل الروسيّ أو بأيّ عملات وطنيّة أخرى خاصّة ببلدان لم تشارك في أيّ من العقوبات".

في الوقت نفسه، نفت "زاروبيج نفط" و"غازبروم نفط" و"لويك أويل" و"روس نفط" وهي شركات النفط الروسيّة المؤهّلة نظرياً للمشاركة في هذه الصفقة، نفياً قاطعاً أن تكون لها أيّ علاقة بالمفاوضات وبصفقة التبادل المزعومة. إذا صحّ ذلك، فهذا يعني أن المحادثات كلّها كانت مجرّد محادثات تمهيديّة وعلى مستوى المسؤولين الحكوميّين الذين لجأوا لاحقاً إلى الخداع بتسريب معلومات للصحافة. لماذا كان ذلك ضروريّاً؟

إذا وضعنا جانباً الفوائد السياسيّة البحتة، بغضّ النظر عن إبرام الصفقة النفطيّة، تحلّ روسيا بهذه الطريقة جزءاً من مشاكل سياستها الخارجيّة بإثباتها مرّة أخرى بأنّها لاعب رئيسيّ في سياسات الشرق الأوسط، وباستفزاز السعوديّة في الوقت نفسه والإلماح بأنّها جاهزة لعقد اتّفاق مع الإيرانيّين وتجاهل الغرب تماماً، في حال تمّ تجاهل مصالحها الاقتصاديّة. في ما يتعلّق باقتصاديّات الطاقة، تستحقّ هذه اللعبة الروسيّة المجازفة على الرغم من خطورتها.

أوّلاً، ينبغي التشديد على أنّ سيناريو رفع العقوبات عن إيران كلّياً ومنحها نفاذاً مطلقاً إلى أسواق النفط والغاز العالميّة، سيكون كارثياً بالنسبة إلى روسيا التي يؤمّن قطاع النفط والغاز فيها نصف إيرادات الموازنة. فالأسواق العالميّة تعاني عدم الاستقرار بسبب الركود الاقتصاديّ، والارتفاع الطفيف في الطلب على الهيدروكربون (بل تراجع الطلب في بعض المناطق)، وطفرة الحجر النفطيّ والغاز في أميركا الشماليّة، والدخول الوشيك لمنافسين جدّيين كالعراق وليبيا والبرازيل إلى أسواق النفط، وكأستراليا والولايات المتّحدة وكندا وشرق إفريقيا إلى أسواق الغاز. ويجب ألا ننسى أيضاً التصريح الذي أدلى به وزير النفط الإيرانيّ بيجان زانغنه قبل التخفيف من العقوبات في كانون الأول/ديسمبر الماضي، بشأن استعداد إيران لبدء حرب على الأسعار على الرغم من حصص الإنتاج المحدّدة من الأوبك. في تلك الفترة، أعلنت إيران نيّتها زيادة الإنتاج، وإن أدّى ذلك إلى هبوط الأسعار.

وقال زانغنه "سوف نصل إلى أربعة ملايين برميل يومياً، وإن تراجعت أسعار النفط إلى 20 دولار". ويشكّك الخبراء كثيراً في احتمال هبوط الأسعار إلى هذا الحدّ، لكنّ الاقتصاد الروسيّ مهدّد حالياً، ليس بتراجع الأسعار فحسب بل أيضاً بعدم ارتفاعها. فسعر البرميل الواحد محدّد بمئة دولار في موازنة الدولة. في هذه الحال، سوف تؤدّي قدرة إيران التي تملك حقول نفط عملاقة ورخيصة على النفاذ إلى الأسواق في المستقبل القريب، إلى تراجع أرباح الاتّحاد الروسيّ من الصادرات بلا شكّ.

على روسيا طبعاً أن تدفع ثمناً مقابل أن تصبح لاعباً بارزاً في الشرق الأوسط وأن تضعف السعوديّين وتعتمد سياسات مستقلّة عن الغرب، لكنّ هذا الثمن غالٍ جداً بالنسبة إليها. فروسيا التي بلغ في العام 2013 معدّل نموّها 1.4 في المئة فقط من الناتج المحليّ الإجماليّ (بعد تسجيلها نسبة ترواح معدّلها بين 6 و7 في المئة من العام 2000 إلى العام 2008)، لا يمكنها أن تخاطر بهذا العامل المحرّك للازدهار الاقتصاديّ ودخل الموازنة.

لكن بالتفاوض على صفقة تبادل، تصبح لروسيا القدرة على التأثير في الوضع والسيطرة عليه. فالمنطقة سترى كيف تدعم روسيا شركاءها وتحافظ على خطّ مستقلّ، وإن جرى لاحقاً تمديد العقوبات لأسباب خارجة عن سيطرة روسيا. ففي النهاية، إنّ الاتّفاقات التي تمّ التوصّل إليها في جنيف متزعزعة جداً وهي بالأحرى وسيلة تأجيل وفترة تجربة. هل تتحمّل روسيا فعلاً المسؤوليّة في حال خسرت إيران؟ موسكو حاولت جاهدة مساعدتها...

في الواقع، إنّها لعبة يربح فيها الجميع. فإذا نجحت المفاوضات وتمّت الصفقة، ستمتصّ روسيا في البداية على الأقلّ، فائض النفط الإيرانيّ وتبقيه خارج السوق وسترسله على الأرجح مباشرة إلى الصين بدلاً من النفط الروسيّ الذي لم يتمّ إنتاجه بعد. فتأمين الكميّات على المديَين القصير والمتوسّط التي وعدت بها روسيا الصين والتي يصعب تأمينها قد يهمّ "روس نفط". لكنّ دفع مئة دولار ثمن البرميل الواحد وتغطية تكاليف النقل أيضاً قد يستنزف احتياطيّ "روس نفط"، إلا إذا كان سعر السلع المؤمّنة في المقابل لا يعتمد على أسعار السوق. لكنّ هذا الوضع قد لا يعجب الصين كثيراً.

والصين اليوم تشتري النفط الإيرانيّ على الرغم من العقوبات، وتسعى إلى استيراد النفط من روسيا بالذات بهدف تنويع مصادر تموينها وتحسين أمن الطاقة، كي لا تكون تحت رحمة انعدام الاستقرار في الخليج. وفي المبدأ، من الممكن أيضاً شحن هذا النفط إلى أوروبا التي يمكنها بدورها شحن نفط خام من غرب سيبيريا إلى الصين، لكنّ ذلك قد يكون مفيداً كمناورة قصيرة الأمد ليس إلا، بما أنّ الصفقة لن تعود على الأرجح بالنفع على روسيا على الأمد الطويل في ما يتعلّق بتأمين دخل إضافيّ للموازنة. بالإضافة إلى ذلك، إنّ 25 مليون طن كميّة كبيرة نوعاً ما. فمعدّل كميّة النفط المتّفق عليها في كلّ عقود التصدير الخاصّة بـ "روس نفط" يبلغ 30 مليون طنّاً سنوياً. هل يتعيّن على روسيا التخلّي كلياً عن الأرباح التي تحقّقها جرّاء تعاملها مع الصين؟ يبدو هذا الاحتمال مستبعداً، لكن يمكن تأمين ما بين 5 و10 أطنان سنوياً لسنة واحدة أو سنتين.

من ناحية أخرى، لا تريد روسيا خسارة السوق الإيرانيّة بعد رفع العقوبات. فالشركات الغربيّة ستتدافع لعقد صفقات في إيران. وإيران بحاجة إلى المال والسلع والتكنولوجيا، ما يعني أنّ الاتّحاد الروسيّ لديه حالياً فرصة فريدة من نوعها لاغتنام أفضليّته السياسيّة للمطالبة بالسوق الاستهلاكيّة الإيرانيّة والنفاذ المحتمل إلى الأصول الإيرانيّة الخاصّة بقطاع التنقيب والانتاج. تكمن المشكلة الوحيدة في أنّ إيران لا يمكن أن تقدّم في المقابل سوى النفط أو وعود بالمشاركة في مشاريع مستقبليّة.

إنّ فكرة "توسيع التعاون الاقتصاديّ" مطروحة كاحتمال. لا مانع لدى روسيا من بيع إيران سلعاً غذائيّة ومعدّات، لكنّها ستضيف إليها على الأرجح أسلحة وتكنولوجيا نوويّة لتجمع حزمة من السلع تساوي 18 مليار دولار. ومن الممكن أن يؤدي ذلك إلى إبطاء عمليّة رفع العقوبات.

في 20 كانون الثاني/يناير الجاري، أعلنت الولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ تعليق بعض العقوبات ضدّ إيران بعد موافقتها على وقف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة. لكنّ تزويد روسيا إيران بالمعدّات قد يقلب هذه المعادلة.

بالكاد يستطيع الدخل الإضافيّ الناجم عن بيع المعدّات والسلع ومشاركة الشركات الروسيّة في قطاع التنقيب والإنتاج الإيرانيّ أن يعوّض عن خسارة الدخل المحتملة في أسواق النفط والغاز. ويبدو ذلك بديهياً عند الأخذ بالاعتبار فشل محاولات شركات النفط والغاز الروسيّة الهادفة إلى تطوير أعمالها في إيران، وأيضاً قوانين الموارد الجوفيّة المحدّدة جداً في إيران والتي تلحظ عقوداً لإعادة البيع لا تثير كثيراً اهتمام المستثمرين الروس.

على روسيا إذاً أن تلعب لعبة معقّدة جداً. على الأرجح، حصلت محادثات تمهيديّة وقيّمت روسيا مجموعة من الخيارات للتعامل مع إيران. لكن بعد تسرّب معلومات عن الصفقة، اكتسبت هذه الأخيرة أهميّة أكبر من تلك التي أرادها لها الطرفان. وحتّى لو لم تحصل أيّ مفاوضات بشأن الصفقة النفطيّة، سيكون من الحكمة أن تختلقها روسيا.