تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

خشية من انتقال تفجيرات عاشوراء إلى لبنان...

Shi'ite Muslim men bleed as they gash their foreheads with swords and beat themselves during a ceremony marking Ashura in Nabatieh, southern Lebanon November 25, 2012. Shi'ite mourners beat themselves during Ashura with steel-tipped flails or slash their bodies with knives to mark the death anniversary of Imam Hussein, a grandson of the Prophet Mohammad, who was killed during a battle in A.D. 680 in Kerbala, a city in modern-day Iraq. REUTERS/Sharif Karim  (LEBANON - Tags: RELIGION) SOCIETY) - RTR3AURP

في كلّ عام، يقيم المسلمون الشيعة في خلال الأيام العشرة الأولى من شهر محرّم وفق التقويم الهجري، مراسم ذكرى مقتل الإمام الحسين بن علي حفيد الرسول محمد ونجل الإمام علي (زوج ابنة الرسول) وأحد أئمّتهم الإثني عشر الذين يُحظَون بتقدير ديني رفيع لديهم. وكانت واقعة مقتله قد حدثت في العام 61 هجرياً (بحسب التقويم الإسلامي، أي قبل نحو ألف عام)، وذلك عندما قطع جيش يزيد بن معاوية الطريق على الحسين الذي كان يقصد العراق مطالباً بحسب ما تذكره الرويات عنه " بإصلاح دين جدّه" من سوء تطبيقات بني أميّة له .

فحاصر جيش يزيد الحسين مع أبناء عائلته في مكان يسمّى كربلاء، وذلك لمدة ثلاثة أيام انتهت بقتله مع رجاله ومن بينهم أبناء بيته وقد سبيت نساءه.  

ومنذ ذاك التاريخ، يثابر الشيعة على إحياء هذه المناسبة بحرارة توحي كأنها حصلت اليوم. من حيث المبدأ، لا يوجد خلاف ديني عميق ما بين المسلمين السنّة والشيعة بخصوص نظرتهما لمظلوميّة الحسين وعدالة أهدافه، لكن نظرتهما السياسيّة لموقعة كربلاء في داخل الأحداث اللاحقة للصراع على الأحقيّة بالولاية (الحكم) بعد وفاة الرسول محمد، تتباين بعمق إلى حدّ تتسبّب بصراع مرير ودام بينهما ما زالت تراجيعه مستمرّة لغاية اليوم .

إرادة التحدّي والعزاء

في خلال هذا العام، تكتسب ذكرى عاشوراء بخاصة لدى الشيعة في لبنان، معنى خاصاً. فهم يقبلون على إقامة مجالس عزاء عاشوراء التي تُعتبَر إحدى أبرز شعائر إحياء هذه المناسبة، باندفاع يلبّي موجبات حالة التحدّي المتبادلة السائدة حالياً في المنطقة بين السنّة والشيعة. وتقدّم أحداث الاقتتال الدائرة حالياً بين الطرفَين في كلّ من العراق وسوريا على خلفيّة حسم هويّة هذَين البلدَين المذهبيّة، حوافز إضافيّة لتصبح مناسبة عاشوراء هذا العام خطّ تماس أيديولوجي مشتعل بينهما. فالشيعة اللبنانيّون مصرّون على المبالغة في إظهار إحيائهم لمراسم عاشوراء كتعبير عن تحدّيهم لمحاولات قهرهم على أيدي الحركات السلفيّة السنيّة التي تملأ حراك الساحات المتوتّرة من العراق مروراً بسوريا وصولاً إلى لبنان. في المقابل، فإن السلفيّين يلوّحون بقبضتهم في وجه هذه المناسبة مهدّدين بكبحها عن طريق أسلوب بات مستخدماً من قبلهم في العراق، وهو تنفيذ عمليات تفجير انتحاريّة ضدّ تجمّعات الاحتفالات العاشورائيّة.   

وكانت "ظاهرة  مكافحة"  السلفيّين السنّة لمناسبات عاشوراء قد ظهرت للمرّة الأولى في العراق، وذلك بعد تفجّر الفتنة الشيعيّة-السنيّة هناك كإحدى نتائج الاحتلال الأميركي له. فقد أدّى هذا الاحتلال إلى احتدام الصراع الإقليمي السعودي-الإيراني وكذلك الداخلي، حول هويّة العراق الإسلاميّة. فالسعوديّون دفعوا باتجاه إبراز هويّته الإسلاميّة السنيّة العربيّة عبر دعم القوى الإسلاميّة السنيّة العراقيّة ومن بينها القوى السلفيّة، فيما دعمت إيران القوى الشيعيّة ومن بينها قوى تؤمن بولاية الفقيه التي يقودها مشايخ قم عتاة الثورة الإسلاميّة في إيران. وسمح بروز هذا الاصطفاف باحتدام صراع مذهبي في العراق، في داخل مشهد الصراع ضدّ الاحتلال الأميركي. وفيما انسحب الأميركيّون من العراق لتنطفئ جذوة الحركة الجهاديّة ضدّ الاحتلال، استمرّ الصراع المذهبي المتّصل بهويّة العراق.

منذ نحو عشرة أعوام يتبادل الشيعة والسنّة العراقيّون السيارات المفخّخة التي يرسلها كلّ طرف إلى مناطق الطرف الآخر. لكن هذا النوع من القتل المذهبي الجماعي يحتدم بخاصة في خلال موسم عاشوراء. وصار هناك تقليد معروف حول آليّة عمل القوى السلفيّة الجهاديّة المرتبطة بالقاعدة في خلال مواسم عاشوراء بخاصة في العراق، وأحياناً في بلدان أخرى يتواجد فيها الشيعة. فيقضي ذلك بإرسال "عناصر انتحاريّة" تتزنّر بأحزمة ناسفة إلى تجمّعات المسيرات الشيعيّة العاشورائيّة، فيندسّون بين الجموع ويفجّرون أنفسهم بينهم. في المقابل، أصبحت المليشيات الشيعيّة تتّخذ بمناسبة عاشوراء إجراءات أمنيّة استثنائيّة لكبح الهجمات الانتحاريّة السلفيّة .

وتتعاظم هذا العام المخاوف في لبنان من انتقال حرب السلفيّين ضدّ مناسبة عاشوراء إليه، بخاصة بعد أن أصبح حزب الله شريكاً في القتال إلى جانب النظام في سوريا ضدّ المعارضة المشكّلة بقسم كبير منها من سلفيّين. وبحسب مصدر أمني لبناني تحفّظ عن ذكر اسمه، فإن نصائح وجّهت إلى حزب الله لجعل إحياء مراسم عاشوراء هذا العام في لبنان تجري على نحو ضيّق. لكن الحزب رفض ذلك وأعلن أنه سيقبل التحدّي الأمني الذي يطرحه السلفيّون في وجه هذه المناسبة، وسيجعل عاشوراء هذا العام أكثر حرارة من أي عام آخر، وذلك في رسالة تحدّ لهم وإثبات وجود. وثمّة مخاوف حقيقيّة من أن ينجح سلفيّون تكفيريّون انتحاريّون بالوصول إلى تجمّعات المراسم العاشورائيّة في لبنان، وتفجير أنفسهم بين جموعها على نحو يشابه ما يحدث في العراق. وقال مصدر في حزب الله  لـ"المونيتور" إن هذا الاحتمال موجود، لكن قرار قيادة الحزب في المقابل هو قبول التحدّي ودعوة الشيعة إلى أوسع مشاركة في عاشوراء كنوع من إثبات الحضور ورفض الإذعان  .

وتجدر الإشارة في هذا المجال إلى أنه في خلال إحياء شيعة لبنان العام الماضي فعاليات عاشوراء، تمّ اكتشاف محاولة لتفجير مجلس عزاء في مدينة النبطيّة في جنوب لبنان التي تقطنها أغلبيّة شيعيّة. ولهذه المدينة تاريخ عريق في إحياء مناسبة عاشوراء يعود إلى بدايات القرن الماضي. وتقول الرواية التاريخيّة التي يحفظها سكان المدينة، إنه في تلك الفترة المبكرة وفد إلى النبطيّة طبيب إيراني تزوّج من إحدى بناتها، وهو الذي أدخل تقليد إحياء عاشوراء إليها. ومنذ ذلك الوقت أصبحت النبطيّة مركزاً لإحياء هذه المناسبة في كلّ لبنان. لكن بعد صعود نجم حزب الله منذ ثمانينيات القرن الماضي، عمّم هذا الأخير تقاليد إحياء عاشوراء في كلّ المدن والبلدات والقرى الشيعيّة اللبنانيّة. وتلبّي هذه المناسبة بمعناها الرمزي إحدى مفاهيم التعبئة الأساسيّة التي يتوسّلها الحزب لاستقطاب جمهور الشيعة في لبنان، حول فكرة المقاومة وتحمّل ضريبة الشهادة واتباع نهجه القائم على الانحياز لشيعة أهل البيت الذي تمثّل إيران في هذه الفترة مركزه في العالم. فالحسين بحسب ما ترسمه الرواية الشيعيّة هو استشهادي ومقاوم من أجل رفع الظلم ونشر الحريّة، وأيضاً من أجل إثبات حقّ أهل بيت الرسول بالولاية بعد الرسول.

وفي ظروف الشقاق السنّي-الشيعي الراهن والمتجدّد والممتدّ من العراق إلى لبنان مروراً بسوريا، أصبحت مناسبة عاشوراء مدعاة  لتضخّم إبراز إرادة التحدّي لدى الطرفَين، بعد أن كانت بشكل عام مناسبة غير مستفزّة لشرائح كثيرة من السنّة. وعليه، تراجع المتعاطفون دينياً مع مناسبة عاشوراء في داخل الشرائح السنيّة وراحوا ينظرون إليها على أنها مناسبة يحييها الشيعة لإبراز التحدّي السياسي لهم ولإبراز ارتباطهم بعاصمة القرار الشيعي في العالم، أي طهران الفارسيّة وغير العربيّة. أما الشيعة من جانبهم، فقد أصبحوا أقرب إلى الفكرة التي تقول بأن قتالهم اليوم ضدّ السنّة المتشدّدين هو استمرار لقتال الحسين دفاعاً عن الإسلام الحقّ وعن أهل بيت الرسول. وترى إيران ومعها حلفاؤها من الشيعة العرب أن نهج أعداء الحسين في الإسلام مستمرّ، وتعبّر عنه حالياً السياسة السعوديّة ومجموعات التكفيريّين الجهاديّة الهادفة اليوم كما في الأمس إلى الاستئثار بالحكم واتهام شيعة علي زوج ابنة الرسول والحسين، بأنهم مرتدّون وأصحاب "بدعة" و"شعوبيّين" (تعبير يطلق على فرق تخرب الإسلام من داخله).

وقصارى القول إن تاريخ الشقاق السنّي-الشيعي في الإسلام يتجدّد اليوم في المنطقة ويصل إلى لبنان، وكأن الأعوام الألف الماضية (وهي عمر هذا الشقاق) لم تترك في ذاكرتهما الجماعيّة أي تأثير للنسيان ولا للتسامح.

More from A correspondent in Beirut

Recommended Articles