تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

انتخابات إقليم كردستان: حسابات السياسة لا تتطابق وحسابات المقاعد

تفرز الانتخابات الكرديّة خريطة سياسيّة جديدة يمتلك بارزاني أهمّ مفاتيحها. لكن حسابات السياسة لا تنطبق على حسابات المقاعد تماماً، في ضوء خيارات معقّدة للتحالفات.
Employees of Independent High Electoral Commission (IHEC) count ballots during regional parliamentary elections after the closing of a polling station in Arbil, capital of the autonomous Kurdistan region, about 350 km (217 miles) north of Baghdad, September 21, 2013. Iraqi Kurds voted on Saturday for a new parliament that analysts said was poised to lead the oil-producing region further down the road to greater autonomy from Baghdad.  REUTERS/Thaier Al-Sudani (IRAQ - Tags: ELECTIONS POLITICS BUSINESS) - RTX

على الرغم من تأجيل مفوضيّة الانتخابات العراقيّة إعلان نتائج انتخابات إقليم كردستان العراق، على أثر إطلاق اتهامات بالتزوير بشكل خاص من قبل حركة "التغيير" المعارضة ضدّ خصمَيها "الاتحاد الوطني الكردستاني" بزعامة الرئيس العراقي جلال طالباني و"الحزب الديموقراطي الكردستاني" بزعامة رئيس الإقليم مسعود بارزاني، إلا أن المعطيات الأوليّة لنتائج الانتخابات عكست حقائق جديدة في الخريطة السياسيّة للإقليم الكردي الذي يحاول تقديم نموذج سياسي ناجح بعد أن قدّم نموذجاً اقتصادياً ناجحاً قياساً الى التجربة العراقيّة.

وقد أحرز حزب بارزاني تقدّماً بحسب الأرقام الأوليّة التي أوردها مراقبو الأحزاب والمنظمات المستقلة بالاستناد إلى نتائج الفرز في المراكز الانتخابيّة، ليبلغ المركز الأوّل وقد حصد 37,4% من الأصوات، ما يؤهّله للحصول على أكثر من ثلث مقاعد البرلمان التي يصل عددها إلى أكثر من 111 مقعداً إذ تضاف إليها مقاعد الأقليات (11 مقعداً) والتي هي مقرّبة تاريخياً من بارزاني. في مقابل ذلك، فإن حزب طالباني الحليف الرئيسي له تراجع إلى المركز الثالث بحصوله على 16.6% من الأصوات في حين تقدّمت حركة التغيير إلى المركز الثاني بنيلها 24.7% منها، وقد نال الاتحاد الإسلامي الكردستاني 9.8% والجماعة الإسلاميّة 6.1% والحركة الإسلاميّة 1.2% والجهات الأخرى 4.2%.

وهذه الأرقام عرضة للتغيير عند إضافة الأصوات التي أدلى بها عناصر قوى الأمن وحرس الإقليم "البيشمركة" (150 ألف عنصر)، التي تشير المصادر إلى أنها ذهبت بنسبة 40% منها إلى حزب بارزاني.

وبصرف النظر عن المتغيّرات التي ربما تطرأ على النتائج عند إعلانها المتوقّع الاثنين في 30 أيلول/سبتمبر الجاري، إلا أنها لن تؤثّر في الترتيب العام للأحزاب. وهو ما دفع رموزاً من حزب الاتحاد الوطني الكرستاني من بينهم نائب رئيس الحزب برهم صالح، إلى الاعتراف بتراجع الحزب وقد اعتبر أن "الخسارة قاسية لكن التهرّب من قرار الشعب مخجل"، في إشارة إلى اتهامات وجّهتها حركة التغيير إلى الحزبَين تقول بمحاولة تزوير النتائج.

وقد بدأت تظهر السيناريوهات المطروحة لتحالفات تشكيل الحكومة الكرديّة قبل إعلان النتائج النهائيّة، إذ عبّر حزب بارزاني عن رغبة صريحة بالتحالف مع "الاتحاد الوطني" و"الاتحاد الإسلامي" لتشكيل الحكومة، في مقابل إبعاد "التغيير" إلى المعارضة، بحسب ما أشار إليه سكرتير الحزب فاضل ميراني.

لكن مثل هذا السيناريو الذي يحافظ على التحالف الاستراتيجي بين حزبَي طالباني وبارزاني، لن يتمّ بالشروط السابقة للتحالف والتي كانت تنصّ على تقاسم رئاسة الحكومة مناصفة بواقع عامَين لكلّ حزب. كذلك، فإن نتائج التصويت قد تقود إلى فقدان "الاتحاد الوطني" منصب رئيس الجمهوريّة في العراق لصالح بارزاني الذي سيتحكّم بمفاتيح السياسة الكرديّة في إربيل وبغداد على حدّ سواء.

إلى ذلك، فإن "الحصان" الكردي القادم إلى الساحة السياسيّة بقوّة والمقصود به نوشيروان مصطفى رئيس حركة التغيير، لن يكون بدوره بلا حلول، فهو ينظر بكثير من الترقّب إلى مصير حزبه السابق "الاتحاد الوطني" في غياب زعيمه التاريخي جلال طالباني.

وقد أشارت مصادر من السليمانيّة معقل الحزبَين لـ"المونيتور"، إلى أحاديث جانبيّة لإعادة توحيد الحزبَين، ما يضمن لهما نسبة كبيرة من مقاعد البرلمان قد تؤهّلهما لتشكيل الحكومة مع الأحزاب الإسلاميّة.

وعلى الرغم من صعوبة هذا الخيار، إلا أنه مطروح حتى في أوساط حزب طالباني الذي لن يتمكّن من تعويض خسارة الانتخابات والدخول في تحالف يضمن مصالحه في بغداد وإربيل من دون الضغط على بارزاني، عبر التلويح ضمناً بورقة التحالف مع نوشيروان مصطفى وهو أحد الزعماء المؤسّسين للحزب لكن ما من علاقات جيّدة تجمعه ببارزاني.

إن إمكانات المناورة بالنسبة إلى حزب طالباني لن تكون كبيرة على أية حال، في غياب زعيمه وتوزّع مراكز القوى فيه على قيادات عديدة تتحدّث التسريبات عن تنازعها زعامة الحزب. فبارزاني يمتلك خيارات أخرى أقلّ ترجيحاً في حالات الطوارئ ومنها القبول بالتحالف مع "التغيير" وإبعاد "الاتحاد الوطني" إلى المعارضة.

وتجدر الإِشارة إلى أن التوازنات الكرديّة–الكرديّة التي شهدت اضطرابات واسعة تسعينيّات القرن الماضي، نتيجة الحرب الأهليّة بين طالباني وبارزاني التي أنتجت إدارتَين مختلفتَين ومستقلتَين في إربيل والسليمانيّة، لم تعرف الاستقرار الحقيقي  إلا بعد التغيير السياسي في العراق في العام 2003. فقد سمحت العمليّة السياسيّة العراقيّة التي قامت على نظام المحاصصة الطائفيّة والقوميّة، بإعادة توزيع الأدوار ما بين الزعيمَين الكرديَّين التاريخيَّين. فتوجّه طالباني إلى رئاسة العراق في مقابل ترؤس بارزاني إقليم كردسان. وكان هذا التوزيع سبباً أساسياً في بناء تحالف استراتيجي بين الحزبَين بعد نزاع طويل.

وتكمن أهميّة انتخابات إقليم كردستان التي جرت أخيراً، في قياس تأثيرها على تلك التوازنات. وبارزاني الفائز يدرك أكثر من غيره أن الحسابات السياسيّة تتجاوز حسابات المقاعد البرلمانيّة، خصوصاً في هذه المرحلة التاريخيّة الحسّاسة من تاريخ الأكراد في العراق والمنطقة، ما يرجّح أنه سيسعى إلى التمسّك بتحالفه مع "الاتحاد الوطني" ويحاول الحفاظ على وحدة الحزب ودعمه للتمكّن من تجاوز أزمة ما بعد طالباني.

وعلى الرغم من تركيز وسائل الإعلام على حزب طالباني والبحث في مصيره، في ضوء معطيات الانتخابات والتكهّنات حول قدرته على بناء استراتيجيات موحّدة في المرحلة المقبلة وانتقاد تمسّكه برمزيّة طالباني وإهمال العمل على آليات واضحة المعالم للمستقبل، إلا أن الانتخابات فرضت واقعاً لا يمكن تجاوزه يتمثّل في حزب "حركة التغيير" الفتيّ الذي تكمن قوّته في وحدته الداخليّة ووضوح زعامته، وكذلك طرحه برنامجاً سياسياً يعتمد الإصلاح السياسي وكشف الفساد، بالاضافة إلى استثمار الذكريات العاطفيّة للعلاقة التنافسيّة ما بين السليمانيّة وإربيل.

وفي ملمح آخر للانتخابات الكرديّة عميق الدلالة، فإنها لم تعكس أي تأثّر بمعطيات المتغيّرات السياسيّة في المنطقة، خصوصاً لجهة قياس وزن الأحزاب الإسلاميّة التي اعتبر عدد كبير من المراقبين أنها حصلت على دعم معنوي كبير مع بروز القوى الإسلاميّة في المنطقة وتصدّرها المشهد في عدد من الدول العربيّة، ما يشير إلى استمرار العامل القومي كمقوّم أساسي للمزاج الشعبي الكردي.