تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

البطاط.. معمّم غامض يوزّع التهديدات

واثق البطاط.. شخصيّة غامضة تخرج عبر وسائل الإعلام بتهديدات تسهدف أطراف مختلفة وتعجز الحكومة العراقيّة عن اعتقاله حتى اليوم.
Members of Hezbollah Iraq carry the coffin of their comrade Reza Khudair al-Khalidi, who was also a Shi'ite fighter and killed in clashes with the Free Syrian Army, during his funeral in Kerbala, 110 km (70 miles) south of Baghdad, June 5, 2013. Hundreds of Iraqis attended the funeral on Thursday, and relatives of Khalidi said he was killed while fighting on the outskirts of the border town of Qusair. REUTERS/Mushtaq Muhammed (IRAQ - Tags: CONFLICT CIVIL UNREST MILITARY) - RTX10CYT

اعترف الرجل المعمّم المثير للجدل والمطلوب من قبل القضاء العراقي منذ خمسة شهور واثق البطاط، من على شاشة قناة "البغداديّة" الفضائيّة في 11 تموز/يوليو الجاري،  بارتكابه جرائم قتل وقصف في بغداد عبر مليشيا "جيش المختار".. فقرّرت القوات العراقيّة اعتقال فريق عمل البرنامج الذي أجرى المقابلة معه من دون أن تعتقل البطاط نفسه.

وأثارت تلك الصورة المرتبكة الحيرة في العراق. فالبطاط  الذي قدّم نفسه أمام وسائل الإعلام كأمينٍ عام لتنظيم "حزب الله-العراق"، كان قد أعلن في شباط/فبراير الماضي تشكيل مليشيا هدفها قتل عناصر "تنظيم القاعدة" و"البعثيّين" انتقاماً للتفجيرات التي تستهدف المدن الشيعيّة في البلاد.

وكان ذلك الإعلان كفيلاً بإثارة الذعر في نفوس الأهالي، خصوصاً وأنه شكّل إيذاناً بإعادة إنتاج سيناريو الحرب الأهليّة (2006 – 2008). لكنه في الجانب الأكبر شكّل تحدياً سافراً وخطيراً لسلطة الدولة العراقيّة وعدالتها وقوانينها، الأمر الذي استدعى إصدار مذكّرة اعتقال بحقّ البطاط لم يتمّ تنفيذها حتى اليوم.

وفشل السلطات الأمنيّة العراقيّة في العثور على شخص معروف الهيئة والإقامة تستطيع وسائل الإعلام الوصول إليه لإجراء مقابلات معه ولقاءات ويجري كذلك اتصالات من داخل العراق، أمر يثير أكثر من علامة استفهام.

وقد تزايدت علامات الاستفهام في 11 من الشهر الجاري، عندما بثّت قناة "البغداديّة" لقاءً مباشراً مع البطاط ضمن برنامج "سحور سياسي" استمرّ لمدّة ساعتين، قال فيه "أعلن عن تأسيس جيش المختار لآخذ ثأر الشيعة من القاعدة والتكفيريّين والبعثيّين المرتبطين بأميركا والصهاينة، وكل من يستبيح الدم الشيعي".

وتبنى البطاط قصف معسكر "ليبرتي" الذي يقطنه لاجئون إيرانيون من منظمة "مجاهدي خلق" الإيرانيّة المعارضة، وكذلك قصف ميناء مبارك الكويتي، وقال إنه يمتلك مليون مقاتل في صفوف المليشيات التابعة له.

وبعد ساعتَين من نهاية البرنامج قرابة الساعة الثالثة فجراً، اقتحمت القوّات الأمنيّة مقرّ "البغداديّة" واحتجزت فريق عمل برنامج "سحور سياسي" على مدى ساعتَين قبل إطلاق سراحهم، ما أدى إلى حملة إدانات من منظمات إعلاميّة تدافع عن حريّة الصحافة في العراق.

والمشكلة لا تتعلق فقط بسوء تقدير السلطة لدور الصحافة وحريّتها، لكن بسماحها المستمرّ بتحوّل شخصيات تهدّد السلم الاجتماعي بشكل صريح وسافر إلى أداة لإرعاب الشارع العراقي.

وكانت الحكومة قد اتهمت على لسان الناطق باسمها علي الموسوي في 8 شباط/فبراير الماضي، القضاء بتأخير إصدار مذكّرة اعتقال بحقّ البطاط، عندما كانت شاشات التلفزة تعرض صوراً لشباب يعلنون تطوّعهم في مليشيا "جيش المختار" التي أسّسها. 

لكن الحال لم يتغيّر بعد صدور مذكّرة التوقيف، وتأكّد وجود البطاط في داخل العراق عبر مجموعة من المقابلات والتصريحات التي أدلى بها منذ ذلك الحين وتأكيده تمسّكه بـ"إبادة البعثيّين" و"الإرهابيّين"، ومن ثم تهديده الحكومة بفتح نزاع مسلح في حال أقرّت قوانين جديدة تسمح للبعثيّين بالعودة إلى وظائفهم.

وبرزت شكوك عديدة تتعلّق بشخصيّة البطاط الغامضة، في حين كان يدلي خلال البرنامج التلفزيوني بمعلومات عن اعتقاله في زمن حكم النظام السابق لمرتين، وعن انضمامه إلى مجموعات مسلحة مختلفة وصولاً إلى الانضمام إلى مجموعة "حزب الله-العراق" وتأسيسه مليشيا "المختار" قبل شهور.

هل يتلقّى البطاط حماية من دول خارجيّة؟ هل تتستّر عليه قوى وأحزاب عراقيّة أو عشائر أو شخصيات دينيّة أو حكوميّة؟ هل يمتلك قدرات وإمكانات تساعده على التملّص من الرقابة الأمنيّة؟ هذه كلها أسئلة ما زالت من دون أجوبة في العراق، وتحتاج أن تجيب الحكومة العراقيّة عنها.

والشكوك تتضاعف في ما خصّ مصداقيّة الرجل. فهو يتحدّث في مرّة عن تشكيل فرع لمليشياته في مصر، ويتحدّث مرّة أخرى عن تهديد السعوديّة والأكراد ويشير إلى أن تعداد جيشه وصل إلى مليون مقاتل.

لكن قضيّة البطاط لا تتعلّق بمدى مصداقيّته، وإنما بالبيئة العراقيّة التي تثبت أنها مواتية لظهور المليشيات ونموّها والمهيئة للعزف على المشاعر الطائفيّة لاكتساب تعاطف السكان.

إن إعادة إنتاج المليشيات في العراق، تحتاج كما يبدو إلى معالجة تتجاوز قدرات الحكومة منفردة على التصدّي لها. تحتاج إلى ثقافة عامة تنبذ المليشيات وترفض تبنّيها أو الدفاع عنها. ومثل هذه الثقافة ليست متوفرّة بشكل واضح وتام في العراق الذي عاش سنوات من التحارب الطائفي، وما زالت التهديدات بالحرب الأهليّة تلاحقه لغاية اليوم.

More from Mushreq Abbas

Recommended Articles