تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل عادت "فرق الموت" إلى شوارع بغداد؟

Iraqis inspect the damage following fighting in Baghdad's Sadr City August 7, 2006. Two people were killed and 18 wounded when U.S. and Iraqi forces raided a suspected death squad in the mostly Shi'ite area of Sadr City in east Baghdad, a police source said. The U.S. military said they were targeting suspected members of a punishment and torture cell.   REUTERS/Kareem Raheem    (IRAQ) - RTR1G607

يصيب مصطلح "فرق الموت" العراقيّين بذعر لا يعادله ذعر آخر. فالذكريات لا تُمحى عن أعمال القتل على الهويّة خلال الحرب الأهليّة العراقيّة التي اندلعت بعد تفجير مرقد الإمامَين العسكريَّين في سامراء في العام 2006، وقد تحوّلت المدن المختلطة مذهبياً في العراق وخصوصاً العاصمة بغداد إلى أكبر مسارح تلك الحرب التي ارتُكبت خلالها فضائع تحمّلتها مجموعات مسلّحة سنيّة وشيعيّة على حدّ سواء تبادلت القتل والتهجير بين الأحياء.

و"فرق الموت" كانت الجهة الأكثر غموضاً خلال تلك الحرب. فقد نفّذت أعمال خطف وقتل عبر ارتداء زيّ الشرطة العراقيّة، وكانت تتجوّل بآليّات رسميّة وعسكريّة خلال عامي 2006 و 2007 في فترات حظر التجوال المسائي (من الساعة 12 ليلاً إلى 6 صباحاً)، لاصطياد ضحاياها.

ولكن مصطلح "فرق الموت" كان قد ظهر بداية قبل اندلاع الحرب الأهليّة، عندما أشارت صحيفة الواشنطن بوست في 4 كانون الأول/ديسمبر من العام 2005 إليه في معرض انتقادها لأسلوب تكوين قوّات الشرطة العراقيّة واختراقها من قبل المليشيات.

ومن اللافت أن  يعود هذا المصطلح بعد نحو ثماني سنوات من ذلك التاريخ، حيث تتحدّث الأنباء الواردة من بغداد عن عودة المظاهر المسلّحة وظهور مليشيات تمارس عمليّات تصفية في وضح النهار. وهو الأمر الذي حمّلت كتلة "متّحدون" السنيّة مسؤوليته إلى السلطات العراقيّة، وقد اتّهمتها بمحاولة إعادة إنتاج الحرب الأهليّة. لكن وزارة الداخليّة العراقيّة نفته وأكّدت أن الحديث عن ظهور "نقاط تفتيش وهميّة" تقتل على الهويّة في شوارع بغداد مجرّد شائعات، هدفها بثّ الذعر.

وبصرف النظر عن حجم الإغتيالات التي تنفّذها "فرق الموت الجديدة" هذه الأيام في بغداد، فإنها كانت كفيلة بالفعل بنشر الذعر بين سكّان المدينة.

ويتداول السكّان قصصاً مروّعة عن اغتيالات حدثت تحت مرأى قوّات حكوميّة في أحياء السيديّة والدورة والكاظميّة والشعب، استهدفت مواطنين سنّة وشيعة.

والذعر في ضوء عدم توفّر معلومات دقيقة من السلطات نفسها، يعكس بالدرجة الأولى هشاشة الوضع الأمني في هذا البلد وسهولة انقياده إلى المواجهة الداخليّة مرّة أخرى.

ويعود سبب مثل هذا الانطباع، إلى أن الحديث عن عودة "فرق الموت" التي ترتدي زيّ الشرطة العراقيّة سبقته سلسلة من التطوّرات الأمنيّة، بدأت بتكثيف تنظيم "القاعدة" ومجموعات مسلّحة سنيّة هجماتها ضدّ تجمّعات سكّانية شيعيّة. وقد أتى ذلك بالتزامن مع اندلاع تظاهرات المدن السنيّة في نهاية العام 2012 وتفجّر المخاوف من احتمال ظهور مواجهة سنيّة شيعيّة جديدة، خصوصاً في أعقاب تحذيرات علنيّة أطلقها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي من احتمال نشوب حرب أهليّة على خلفيّة التظاهرات.

ويمكن القول أن الإنجاز الأكبر الذي حقّقه المالكي طوال فترة حكمه التي بدأت في العام 2006، هو القضاء على "فرق الموت" عبر عمليّات عسكريّة أطلِق عليها حينها تسمية "صولة الفرسان"، وقد أعقبتها عمليّة تطهير واسعة النطاق للقوى الأمنيّة شملت مئات الضبّاط والجنود الذين يُعتقد أنهم متورّطون بشكل أو بآخر في تشكيل "فرق الموت".

ولا يتعلّق هذا الإنجاز بالمالكي نفسه كرئيس حكومة أو قائد حزب سياسي (دولة القانون)، بل يخصّ بالدرجة الأولى ثقة السكّان بالأجهزة الأمنيّة، وإذا كانت مثل هذه الثقة ستتقوّض مع ارتفاع معدّلات العنف وعودة ظواهر الحرب الأهليّة.

والمشكلة الأساسيّة التي تخصّ تشكيل القوى الأمنيّة والعسكريّة في العراق منذ العام 2003 وحتى اليوم، تتعلّق بتعرّضها إلى اتّهامات بمحاباة مكوّن اجتماعي على حساب آخر أو بولائها إلى حزب المالكي دون سواه.

ومثل تلك الاتّهامات كان لها أن تتقوّض في حال تمسّكت القوى الأمنيّة العراقيّة بالدور الذي لعبته في معركة "صولة الفرسان" وما بعدها، عبر طرح نفسها كحامية ومدافعة عن السكّان في وجه الأعمال الإرهابيّة.

ويبدو لافتاً أن التحذيرات من الحرب الأهليّة لم ترتبط بأعمال التفجير المتواصلة التي كثيراً ما تبنّاها تنظيم "القاعدة" في العراق. فتلك التفجيرات لم تهزّ ثقة العراقيّين بحياد القوّات الأمنيّة، مع العلم أن ضحايا تلك التفجيرات التي لم تتوقّف خلال الأعوام العشرة الماضية، أكثر بكثير من ضحايا أعمال القتل التي تحدث في بغداد هذه الأيام. ويبقى الفيصل في الموضوع حياد القوّات الأمنيّة والعسكريّة والتزامها بعدم الانخراط في الصراع السياسي أو الطائفي.

ومثل هذا الاحتمال يبدو أكثر صعوبة، مع غياب القوات الأميركيّة التي لعبت خلال تلك الحرب دور الوسيط بين الأطراف السياسيّة ونجحت في إعادة السلم الأهلي نسبياً، ابتداءً من العام 2008.

ويبدو أن الغياب الأميركي عن مجمل الأزمة العراقيّة التي تترابط مدلولاتها الأمنيّة بالسياسيّة والاجتماعيّة، عبّر عنه وزير الخارجيّة العراقي هوشيار زيباري عندما قال في مقابلة مع قناة "سي أن أن" الأميركيّة بتاريخ 24 أيار/مايو الجاري أن "العراق فقد دور الوسيط النزيه. في السابق، كانت الولايات المتّحدة تقوم بهذا الدور".

كذلك أشار إلى أن الحكومة العراقيّة "فشلت بالسموّ فوق الخلافات الطائفيّة".

وعلى الرغم من أن زيباري استبعد خلال المقابلة انزلاق العراق مجدّداً إلى الحرب الاأهليّة، إلا أن المعطيات التي تعكسها دلالات عمليّات الاغتيال الأخيرة في بغداد قد تشير إلى عكس ذلك.

والسؤال الذي يُطرح بإلحاح في شوارع بغداد اليوم مفاده "هل أُهدِرت كلّ الفرص لتجنّب الحرب الأهليّة؟".

قد تكون الإجابة صعبة، لكنها تؤكّد الحاجة إلى قيادات سياسيّة بحجم الأزمة من دون أن تكون جزءاً منها.

More from Mushreq Abbas

Recommended Articles