تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الظلال المنيرة في قم المقدسة: وجه آخر لفاتيكان الشيعة

الظلال المنيرة في قم المقدسة: وجه آخر لفاتيكان الشيعة
A cleric speaks on his mobile phone on the campus of the Seminary in Qom, 120 km (75 miles) south of Tehran February 3, 2009. REUTERS/Caren Firouz  (IRAN) - RTXB72O

ما زالت أنماط الحياة وسلوكيات طبقة رجال الدين وطلبة العلوم الدينية في مدينة قم تتّسم بغموض كبير، رغم أننا نعيش في خضم الثورة المعلوماتية وتغطية خبرية هائلة لكل حدث صغير او كبير. وبعيداً عمّا يبثّه الاعلام المؤدلج الرسمي، هناك حياة متنوعة ومختلفة تماماً لشرائح من علماء وطلاب حوزة قم مغطية تحت رماد داكن وهي مؤهلة لأن تغير وجه المؤسسة الشيعية الأكبر في العالم في مستقبل ليس ببعيد. لقد قدم العالم الشيعي الشهير "السید محمد حسن النجفي القوچاني" (م 1944) اول تقرير أنثروبولوجي مفصل عن حوزة النجف قبل حوالي مائة عام في كتابه "سياحة الشرق" ما يدهش القارئ مما يشاهده من حياة غريبة ومختلفة عمّا هو المعروف، وهناك أيضاً تقارير ومدونات شخصية عن حياة طلبة الحوزة مثل ما كتبه "مهدي خلجي" الطالب في حوزة قم سابقاً والمعارض الايراني حالياً بعنوان "ناتني" والذي يعني "الأخ غير الشقيق". ومع هذا ما زال الكثير من غير المسموع بخصوص المدينة المحرمة.

لقد إحتضنت حوزة قم أهمّ حركات الإصلاح الديني في العالم الشيعي – المقبول منه والمرفوض رسمياً – منذ أكثر من مائة عام. فقد تخرج عدد كبير من روّاد نقد الفكر الديني الشيعي منها بعد ما قضوا فترة طويلة فيها، منهم من اتجه نحو الفكر السني منتقداً بعض أهم مبادئ اللاهوت الشيعي، أمثال: السید ابوالفضل البرقعي (م 1991)، ومنهم من أصبح ليبراليا منتقداً للاهوت والايدئولوجيا الدينية بشكل عام، أبرزهم: الشيخ محمد مجتهد الشبستري، وقد طرحت عدد كبير من الآراء النقدية لعبدالكريم سروش ومصطفى ملكيان، فلاسفة الدين الشهيران، في مدينة قم وخصوصاً الأخير الذي قضى معظم حياته في أكثر مؤسسات قم إغلاقا وتطرفاً، مؤسسة الشيخ مصباح اليزدي. وأضف على ذلك عدد كبير من منتقدي القراءة الفقهية التقليدية جزئياً او كلياً من أمثال الشيخ صالحي نجف آبادي وله مؤلفات عديدة في نقد آراء فقهية كثيرة من وجهة نظر عقلية حداثوية، الشيخ عباس يزداني صاحب كتاب "نقد العقل الفقهي" والذي توفى فجأة بعد فترة من كتابه هذا مما أثار شكوكاً في ملابسات الحدث، والمرجع الشيخ ابراهيم جناتي المعروف بفتاويه الجريئة لصالح مساواة حقوق المرأة وعصرنة الفقه الشيعي.

تأسيس عدد كبير من المؤسسات الشبه جامعية في قم مرتبطة بحوزتها الدينية ساهم بشكل ملفت للنظر في نقد القراءة الرسمية للفكر الديني والشيعي بشكل خاص، رغم أنها جاءت لإصلاح مسار الدراسات الإنسانية الغربية لتكون موافقة مع مبادئ اللاهوت والفقه الشيعي؛ ولكنها نتجت العكس. يعتقد نعمت الله صفري فروشاني في مناظرة رسمية مع رجل دين محافظ اقامها المجمع العلمي للحكمة الاسلامية في قم، والأول هو مدير قسم التاريخ في مدرسة الامام الخميني في قم، أن ليس هناك ضرورة لصدور معاجز وخوارق عادات من الانبياء او الأئمة عقلياً وأنّ هناك الكثير من المدسوس والموضوع في هذا المجال في كتب التراث الاسلامي والشيعي، وقد بذل نعمت الله، الكثير في نقد ظاهرة الغلو والتقييم العلمي للتراث الشيعي القديم ممّا أدّى الى نقد كم غفير من المعتقدات التي كان لا يقبل النقاش فيها سابقاً. وهو حالياً يدير جلسات نقاش في المواضيع المذكورة والتي يعتبرها خصومه أنها مثيرة للشبهات ومن شأنها أن تضعف المعتقدات الشيعية لطلاب علوم الدين. وقد قام الشيخ داود فيرحي وهو رجل دين واستاذ جامعي بنقد تاريخي للخطاب الفقهي السياسي الشيعي مستخدماً منهجية فوكو في نقد الخطاب، ويقول في مناظرة رسمية مع رجل دين آخر محسوب على منهجية الشيخ مصباح المتشددة، أن أخطر ما يواجهه البشر اليوم هو أدلجة الدين وهو أخطر بكثير من أدلجة أيّ منظومة معرفية أخرى، وأن إضفاء الفكر الديني بأنماط جديدة من التفكر لا يمثل تهديداً له بقدر ما يساهم في تطويره ونموّه. وقد أثارت تلك الأفكار مخاوف التيار التقليدي المحافظ والجهة الرسمية الممثلة لولي الفقية في الحوزة، رغم وجود خلاف بينهما على أساس منطق العدوّ المشترك، إذ الأفكار المذكورة تشكل تهديداً وخطراً للإثنان. وقد واجهت زهراء وهي طالبة دكتوراة في أحدى المؤسسات الحوزوية في قم تحقيقاً أمنياً بسبب أنها قد حاولت الحصول على منحة دراسية في إحدى الدول الغربية المحسوبة على الخط الامبريالي من منظور السياسة الرسمية الايرانية، وجدير بالذكر أنها قد ناقشت سابقاً رسالة ماجستير في نقد الآيات القرآنية بخصوص حقوق المرأة.

وعلى مستوى السلوك اليومي، هناك ظاهرة متفشية من ظهور علماء حوزويين بارزين لم يلبسوا الزيّ الرسمي لعلماء الشيعة وهو يمارسون مهامهم العلمية والدينية، والكثير منهم خرج من هذا الزيّ بعد ما كان يستخدمه في فترة طويلة من حياته، مما يظهر نقداً سلوكياً لأخطاء المؤسسة الرسمية وخاصة في مجال السياسة. وكان ردّ فعل المؤسسة بتعليق الكثير من الحقوق والخدمات التي يحصل عليها طلاب واساتذة الحوزة على شرط التزامهم بالزي الرسمي، مما أدّى الى إتخاذ أسلوب الحياة المزدوجة من قبل قسم من الرافضين لهذا الزيّ بحيث يلبسونه حين مراجعتهم للدوائر الرسمية وينزعونه في حياتهم العامّة. ورغم وجود هيمنة أمنية مرعبة على الحوزة ورجال الدين بشكل خاص متمثلة بمحكمة خاصة لهم منفصلة عن القضاء ولا تخضع لأي رقابة، ومركز الإحصاء التابع للأمن الايراني لرصد فعاليات رجال الدين والطلبة، فهناك أنماط متنوّعة من السلوك الفردي والإجتماعي بين أساتذة وطلبة الحوزة تعتبر انتهاكاً للشريعة حسب النمط الرسمي الحوزوي. وربما يثير العجب أن يسمع أحد بأنّ عدد من الأساتذة والمدراء في حوزة قم ممّن يعتبرون من الطبقة الوسطى للحوزة يجتمعون في سهرات ليلية ترافقها أطرب نغمات الموسيقا التي يعزفها أحدهم وأحيانا مطعّمة بأندر المشروبات الروحية التي باتت تتحصل في أي مكان من ايران بفضل التهريب من دول الجوار او الصناعة التقليدية المستخدمة منذ قرون؛ ولكنها ليست غريبة للمتابع لتاريخ الفكر الديني وتنوعاته في الشرق الأوسط وخاصة ايران الغنية بتراثها الأدبي والفني.