نبض العراق

الزعامات السنّيّة في العراق تتصارع على السلطة والنفوذ

p
بقلم
بإختصار
دفعت الاستعدادات المبكرة للانتخابات المحلّيّة في العراق بعض الأطراف السنّيّة إلى تشكيل تحالفات انتخابيّة جديدة، فيما أعلنت أخرى انشقاقها عن التحالفات القائمة، رغبة منها في تسيّد المشهد السياسيّ السنّيّ، وإنهاء صراع الزعامات القائم منذ الانتخابات التشريعيّة في عام 2018.

بدأت الكتل السنّيّة في العراق استعداداتها المبكرة لانتخابات مجالس المحافظات المقرّرة في نيسان/أبريل المقبل، بتشكيل التحالفات والأحزاب الجديدة من جهة وتبادل الاتّهامات المختلفة من جهة أخرى، الأمر الذي عكس حجم الصراع السياسيّ في المناطق المحرّرة من تنظيم "داعش".

فبعد أكثر من عام على الانتخابات التشريعيّة الأخيرة، فشلت الأطراف السنّيّة في تشكيل تكتّل واحد داخل البرلمان العراقيّ، بعكس ما كانت تروّج له قياداتها السياسيّة على أنّها تعمل ضمن تحالف كبير هو تحالف المحور الوطنيّ، الذي سرعان ما انقسم بين الكتل الشيعيّة الرئيسيّة البناء بزعامة هادي العامري، وسائرون بزعامة مقتدى الصدر.

واليوم هناك 3 أطراف سنّيّة بارزة تتصارع على زعامة المشهد السنّيّ، في مقدّمتها اتّحاد القوى العراقيّة بزعامة رئيس البرلمان محمّد الحلبوسي، ويدّعي أنّه يمتلك 40 نائباً من المحافظات السنّيّة، وكتلة المحور بزعامة خميس الخنجر. وأعلن رئيس البرلمان الأسبق أسامة النجيفي أخيراً تشكيل جبهة الإنقاذ والتنمية بمشاركة مجموعة من النوّاب والأحزاب وشيوخ العشائر السنّيّة، في 14 أيلول/سبتمبر الجاري، وتتبنّى المطالبة بحقوق النازحين والمغيّبين السنّة وتحسين الأوضاع في المحافظات المحرّرة من تنظيم "داعش".

واللافت أنّ الخلافات بين هذه الأطراف ظهرت بعد تشكيل الحكومة الاتّحاديّة والصراع على المناصب المهمّة، فانشقاق الحلبوسي عن الخنجر ومحافظ نينوى السابق أحمد الجبّوري كان بعد اعتراض الأوّل على ترشيح منصور المرعيد إلى منصب محافظ نينوى، وهو سنّيّ ينتمي إلى تحالف عطاء بزعامة فالح الفيّاض (شيعيّ) مدعوم من قبل الخنجر، فيما ضمّ تحالف النجيفي شخصيّات وأحزاب ترى أنّها لم تحصل على استحقاقها في المناصب العامّة واحتكار السنّة في تحالف البناء (كتل الخنجر والحلبوسي) كلّ المناصب التنفيذيّة المهمّة.

وتتّهم جبهة الإنقاذ والتنمية رئيس البرلمان الحلبوسي بـ"الخضوع إلى إيران" والأطراف الشيعيّة الموالية لها، وترى أنّه يمتنع عن فتح ملفّات تتعلّق بالنازحين والمغيّبين خشية أن يفقد منصبه، وتعتقد أنّ الخنجر يعمل أيضاً على استمالة الشيعة للحفاظ على المكاسب التي حقّقها ولرغبة كتلته في الحصول على منصب وزير التربية، ويمكن القول إنّ الأطراف المشكّلة لهذه الجبهة استغلّت حادثة الكشف عن الجثث المجهولة في محافظة بابل في الشهر الماضي، لفتح ملفّ المغيّبين السنّة والسجون واستمرار منع العائلات السنّيّة من العودة إلى مناطقها المحرّرة، وتحديداً في مدينة جرف الصخر، ومن ثمّ تشكيل لجان لمتابعة الحادثة برئاسة سليم الجبّوري وإعداد مؤتمرات تطالب بتدويل الأزمة، لخلق أرضيّة مناسبة، قبيل إعلان الجبهة الجديدة، وتصويرها على أنّها الممثّلة الحقيقيّة للمكوّن السنّيّ، وأنّ النجيفي هو الزعيم الحقيقيّ للمحافظات المحرّرة.

في المقابل، يبرز الحلبوسي على أنّه الزعيم الشابّ القادر عمليّاً، ومن خلال منصبه وتكتّله الكبير في البرلمان، على تحقيق ما يمكن للمحافظات السنّيّة، وأنّ حملة الإعمار التي شهدتها محافظة الأنبار تعود إلى الجهود التي بذلتها كتلته المسيطرة أيضاً على مجلس المحافظة. وبحسب عضو تحالف القوى العراقيّة كامل الدليمي، فإنّ "الشعارات التي تطرحها التكتّلات الجديدة، بما فيها جبهة الإنقاذ والتنمية هي شعارات انتخابيّة، الهدف منها كسب الجمهور قبل الانتخابات المحلّيّة". وقال إنّ "معظم حالات القتل والتهجير التي تعرّض إليها السنّة كانت حين كان النجيفي في منصب نائب رئيس الجمهوريّة، والكثيرون من أعضاء الجبهة في الحكومة السابقة، لكنّهم لم يطالبوا حينها بتدويل الأزمة أو إرجاع النازحين إلى مدنهم".

أمّا زعيم حزب المشروع العربيّ خنجر المتحالف مع تكتّل النائب أحمّد الجبّوري (أبو مازن) في تحالف المحور، فأعلن رفضه الالتحاق بتحالف النجيفي الجديد، بحجّة أنّه يضمّ شخصيّات "خاسرة رفضها الشعب العراقيّ"، لكنّه في حقيقة الأمر يسعى أيضاً إلى أن يكون الزعيم الأوحد للسنّة، وخصوصاً بعدما تمكّن من دعم شخصيّة موالية له لرئاسة الحكومة المحلّيّة في نينوى هي منصور المرعيد، فيما يسيطر تحالف المحور على المناصب المهمّة في محافظة صلاح الدين، وينتظر أن يصوّت البرلمان على مرشّحه إلى منصب وزير التربية، لذا فإنّه يعتقد أنّه في إمكانه تحقيق نتائج جيّدة في الانتخابات المحلّيّة المقبلة، من دون الدخول في تحالف كبير لا يحدّد الزعيم المفترض لسنّة العراق.

ولا يقتصر التنافس بين هذه الزعامات على تشكيل التحالفات أو تبادل التهم حول استغلال معاناة المحافظات السنّيّة، بل يتعدّاهما إلى ما هو أبعد من ذلك، فبحسب مصدر مطّلع، إنّ كتلة الخنجر متخوّفة من التعديل الأخير لقانون الانتخابات المحلّيّة والذي منع النازحين من التصويت داخل المخيّمات، وتعتقد أنّ كتلة الحلبوسي تقف وراء هذا التعديل، على اعتبار أنّ غالبيّة النازحين من محافظتي الموصل وصلاح الدين (مناطق نفوذ تحالف المحور الوطنيّ). وقال المصدر لـ"المونيتور" إنّ "تحالف المحور يسعى إلى تعديل القانون مرّة أخرى والطعن بنسخته الحاليّة، لأنّها مخالفة للدستور وتحرم المواطن من حقّ الانتخابات، وهناك تنسيق مع الكتل الكرديّة التي ترفض هذه الفقرة من القانون".

والحال، فإنّ الصراع بين هذه الأطراف الكبيرة وغيرها، على تصدّر المشهد في المدن السنّيّة سيتصاعد خلال الأشهر المقبلة ومع اقتراب موعد انتخابات مجالس المحافظات، حيث يأخذ أشكالاً مختلفة بعيدة عن السياسة، فقرار البرلمان رفع الحصانة البرلمانيّة عن بعض النوّاب السنّة فسّر على أنّه استهداف شخصيّ من قبل رئيس البرلمان ضدّ خصومه من تحالف جبهة الإنقاذ والتنمية، وبدأت العشائر التي ينتمي إليها هؤلاء النوّاب في محافظة الأنبار بالتدخّل للردّ على التهم الموجهة إليهم.

ولعلّ استمرار الأوضاع الصعبة التي تعيشها المدن العراقيّة الشيعيّة والسنّيّة، هو السبب في تحوّل التنافس بين الأطراف السياسيّة إلى صراع ممتدّ ومحتدم، ذلك أنّ الدعاية السياسيّة في العراق منذ عام 2003 قائمة على أساس المتاجرة بمعاناة الناس ومظلوميّتهم، بدلاً من تحقيق الإنجازات الحقيقيّة، كما أنّ ضعف الجهات الرقابيّة والقضائيّة يسمح لتلك الأطراف باستخدام الوسائل غير المشروعة لتحقيق الغايات السياسيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

عمر ستار كاتب وصحافي عراقي مختص في الشان السياسي عمل لوسائل اعلام محلية وعربية حاصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept