نبض الخليج

التحالف... جاء لاستعادة الشرعيّة في صنعاء فأسقطها في عدن

p
بقلم
بإختصار
تدخّل التحالف السعوديّ- الإماراتيّ في اليمن تحت مبرّر إعادة السلطة الشرعيّة إلى العاصمة الرسميّة صنعاء، لكنّه نفّذ انقلاباً على الشرعيّة في العاصمة الموقّتة عدن.

بيروت - في اليمن، لا ينطفئ حريق حتّى تشتعل بدلاً منه حرائق عدّة. صوت السلاح هو الطاغي، والانقسامات صارت الموضة في هذا البلد. تندلع معارك محليّة هنا وهناك، وتطفو تجاذبات إقليميّة تعصف بأمنه واستقراره، ومواقف دوليّة غير واضحة وفي أغلب الأحوال ليست جادّة، ليتحوّل على أثر كلّ ذلك إلى سلطات عدّة في وطن وقوى بدلاً من جيش واحد.

يشهد جنوب اليمن معارك كرّ وفرّ بين الحكومة الشرعيّة المعترف بها دوليّاً والمجلس الانتقاليّ المدعوم من دولة الإمارات. وجاء ذلك بعد إعلان الأخير انقلابه، في 7 آب/أغسطس، على السلطة الشرعيّة وسيطرته في 10 من الشهر نفسه على العاصمة الموقّتة عدن ومحافظة أبين. لم يتوقّف الأمر هنا، فبعد سيطرة الانتقاليّ على عدن وأبين، اتّجه مباشرة شرقاً نحو محافظة شبوة الغنيّة بالغاز والنفط، والمختلفة تماماً عن عدن وأبين من حيث الجغرافيا المعقّدة والديموغرافيا البدويّة الصلبة والمتماسكة، بعكس عدن المدنيّة وجارتها أبين، فضلاً عن تجاوزه للمحاصصة غير المعلنة بين السعوديّة والإمارات للنفوذ في الجنوب، ليُمنى بهزيمة مدويّة هناك.

يشار إلى أنّ الإمارات تبسط نفوذها على موانئ عدن والمخا وباب المندب وجزيرتيّ ميون وسقطرى الاستراتيجيّتين، فيما تتواجد الرياض بقوّة في شبوة والمهرة ووادي حضرموت شرقيّ اليمن.

المجازفة نفسها التي ارتكبتها قوّات الانتقاليّ بتوجّهها إلى شبوة من دون غطاء سعوديّ - إماراتيّ، ارتكبتها القوّات الحكوميّة بعودتها إلى عدن وأبين. فبعد انتصار الشرعيّة في شبوة تجاوزت الخطوط الحمراء التي وضعها التحالف السعوديّ- الإماراتيّ في بيانه المشترك الصادر في 26 آب/أغسطس، والذي دعا إلى وقف إطلاق النار، تمهيداً لجمع الطرفين في مؤتمر جدّة، توجّهت القوّات الحكوميّة لاستعادة عدن وأبين عسكريّاً، لتتدخّل الإمارات بصورة علنيّة عبر تنفيذها غارات جويّة على هذه القوّات، وهو ما دعا وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان اليمنيّة إلى إدانة القصف الجويّ الإماراتيّ على القوّات الحكوميّة في العاصمة الموقّتة عدن وضواحيها، ومدينة زنجبار في محافظة أبين، والذي أسفر عن سقوط أكثر من 300 قتيل وجريح من أبناء القوّات المسلّحة. وطالبتا السعوديّة بـ"الوقوف بجديّة إلى جانب الحكومة الشرعيّة وبمحاسبة المتسبّبين".

بدورها، دانت الخارجيّة اليمنيّة "القصف الجويّ الإماراتيّ على قوّات الحكومة الشرعيّة"، محمّلة "الإمارات كامل المسؤوليّة عن هذا الاستهداف السافر الخارج عن القانون والأعراف الدولية"، مشيرة إلى أنّها "تحتفظ بحقّها القانونيّ المكفول بالقانون الدوليّ وميثاق الأمم المتّحدة باتّخاذ الإجراءات اللاّزمة كافّة لإيقاف هذا الاستهداف والتصعيد الخطير"، مطالبة في الوقت ذاته مجلس الأمن بـ"إدانة هذا الاستهداف السافر والاضطلاع بمسؤوليّته لحفظ الأمن والسلام ووحدة وسلامة الأراضي اليمنيّة"، ليأتي الردّ من وزارة الخارجيّة والتعاون الدوليّ الإماراتيّة في بيان أشار إلى أنّ "تهديداً مباشراً لأمن قوّات التحالف استدعى استهداف المليشيات الإرهابيّة بضربات جويّة محدّدة".

أمّا بيان الرئاسة اليمنيّة الذي أعقب الثلاثة بيانات، فقد اتّهم الإمارات بـ"السعي إلى تقسيم اليمن". وفي تعليقه على الغارات الجويّة التي نفّذتها الإمارات، قال: "لن ترهبنا طائرات العابثين المستهدفين أرضنا".

وفي هذا الصدد، يشار إلى أنّ غرفة عمليّات التحالف السعوديّ- الإماراتيّ التي تتحكّم بمسار الطلعات الجويّة وأهدافها هي مشتركة ومتواجدة في الرياض، فضلاً عن الصمت السعوديّ المريب إزاء هذه الغارات، الأمر الذي يعني أنّ هناك تواطؤاً سعوديّاً واضحاً تجاه التدخّل العسكريّ للإمارات، بهدف إضعاف الشرعيّة اليمنيّة كمصلحة سعوديّة -إماراتيّة مشتركة، لتقاسم النفوذ في اليمن قبل أيّ مفاوضات مع الحوثيّين.

لم ترد مصادر إماراتية وسعودية على طلب المونيتور للتعليق.

وتأتي هذه التطوّرات الإقليميّة في اليمن، وسط دعوات دوليّة إلى المضيّ قدماً في تحقيق السلام، أبرزها المساعي الأميركيّة لدفع التحالف العربيّ بقيادة السعوديّة إلى التفاوض مع الحوثيّين، وجاء ذلك خلال لقاء جمع بين وزير الخارجيّة الأميركيّ مايك بومبيو ونائب وزير الدفاع السعوديّ الأمير خالد بن سلمان بـ28 آب/أغسطس في واشنطن، الأمر الذي يعني أنّ الإدارة الأميركيّة الحاليّة ترمي إلى إحداث استقرار في اليمن قبيل الانتخابات الأميركيّة.

 يضاف إلى ذلك، بيان مجلس الأمن الذي صدر في 29 آب/أغسطس، داعياً إلى "تسوية سياسيّة تشارك فيها الأطراف كافّة، في إطار حوار جامع لحلّ الخلافات ومعالجة الشواغل المشروعة لجميع اليمنيّين، بما في ذلك سكّان الجنوب"، مشيراً "بقلق إلى التطوّرات الأخيرة في جنوب اليمن، بعد الاستيلاء على مؤسّسات الدولة باستخدام العنف".

وقال المستشار في السفارة اليمنيّة ببيروت عبد الرحمن الأشول لـ"المونيتور": "لا بدّ من تصحيح المسار وإلغاء مشاركة الإمارات في التحالف العربيّ وتقديم شكوى إلى مجلس الأمن بسبب الانتهاكات الأخيرة من قبل أبوظبي التي طالت السيادة اليمنيّة واستهدفت قوّات الحكومة المعترف بها دوليّاً".

أضاف: "إنّ التحالف بين الرياض وصنعاء قائم، والتعاون سيبقى مستمرّاً بمعزل عن مشاركة الإمارات، حتّى يتم تحرير كلّ الأراضي اليمنيّة وإنهاء انقلاب ميليشيا الحوثيّ والانتقاليّ، وبسط نفوذ الدولة على التراب اليمنيّ كافّة".

وأشار إلى أنّه "لا يوجد خلافات بين السعودية والإمارات والخلاف الراهن هو خلاف يمني اماراتي"، لافتاً إلى أنّ "موقف السعوديّة واضح وما زالت آخذة على عاتقها دعم الشرعيّة، وهي تبذل الكثير من التضحيات في سبيل ذلك".

من جهته، رأى رئيس مركز "يمنيّون للدراسات" ومقرّه كوالالمبور فيصل علي، في حديث لـ"المونيتور" أنّ "صمت الشرعيّة وتهاونها منذ البداية مع الإمارات جعلا الأخيرة تعلن عن موقفها العدائيّ بشكل صريح".

واعتبر أنّ "صمت الرياض على قصف أبوظبي للجيش الوطنيّ في جنوب اليمن ينبئ بتواطؤ مع الإمارات واتفاق ثنائيّ على إضعاف الشرعيّة"، وقال: "إنّ الرياض تخشى من حدوث نهضة يمنيّة كانت قد بشّرت بها ثورة الشباب في عام 2011، فضلاً عن سعيها إلى السيطرة على منفذ في بحر العرب، والاستحواذ على موارد اليمن في المناطق الحدوديّة للبلدين، فيما تسعى الإمارات إلى فرض أمر واقع عبر دعم الميليشيا للاستفادة من الموانئ والجزر اليمنيّة".

لقد تدخّل التحالف السعوديّ- الإماراتيّ تحت مبرّر إعادة السلطة الشرعيّة إلى العاصمة الرسميّة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيّين، لكنّه بعد ما يقارب الخمس سنوات، نفّذ انقلاباً آخر على الشرعيّة في العاصمة الموقّتة عدن، الأمر الذي أفقده مصداقيّته حتّى عند مؤيّديه، ورفع رصيد خصومه المفترضين المتمثّلين بالحوثيّين.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

Ammar al-Ashwal is a Yemeni journalist who writes for several Yemeni and Arab newspapers, including the Yemen Today newspaper, An-Nahar and Al Akhbar. He is a master's student of information and communication sciences at the Lebanese University of Beirut. On Twitter: @lshwal

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept