هل حقّقت القاهرة نجاحاً في جولة المفاوضات التساعيّة حول سدّ النهضة؟

انتهت جولة المفاوضات التساعية حول سد النهضة بوثيقة جديدة تستهدف في مجملها التعاون لكنها لم تحسم الخلافات القائمة حول ملئ وتشغيل السد.

al-monitor .

ماي 25, 2018

القاهرة - في محاولة للخروج من دائرة النزاع والتعثّر بين مصر وإثيوبيا والسودان حول سد النهضة، انتهت جولة المفاوضات التساعيّة بين وزراء الخارجيّة والمياه ورؤساء أجهزة المخابرات في مصر والسودان وإثيوبيا، في 15 أيّار/مايو، في أديس أبابا، بالتوقيع على وثيقة تتضمّن 5 بنود تستهدف في مجملها وضع خارطة طريق جديدة بعيدة عن مسارات المماطلة والفشل، وتجدّد فيها الدول الثلاث التعهّد بالتعاون وفقاً لاتّفاق إعلان المبادئ الموقّع في آذار/مارس 2015.

وعلى الرغم من أنّ الوثيقة التي توصّل إليها الاجتماع بعد 16 ساعة من الاجتماعات المتواصلة، لم تحسم الجدل والخلافات الجوهريّة بين مصر وإثيوبيا، في ما يتعلّق بإجراء دراسات فنّيّة من شأنها تحديد تأثيرات السدّ السلبيّة على مصر أو الاتّفاق على آليّة تخزين السدّ وتشغيله، من دون التسبّب في ضرر بالغ للقاهرة، إلّا أنّ وزير الخارجيّة المصريّ سامح شكري، اعتبرها نجاحاً، قائلاً في تصريحات صحافيّة عقب التوقيع على الوثيقة: "وضعنا مساراً لكسر الجمود، وأثق بأنّ إخلاص النوايا سيؤدّي إلى الانتهاء من الدراسات الفنّيّة لمصلحة البلدان الثلاثة".

وكان شكري يقصد الجمود الذي انبثق عن الجولة الأخيرة من المحادثات بين الدول الثلاث واذي أدى إلى تبادل الاتهامات في الإعلام.

وتنصّ الوثيقة على 5 بنود، أوّلها الاتّفاق على عقد قمّة ثلاثيّة بين الرؤساء كلّ ستّة أشهر، والبند الثاني يتضمّن إقامة صندوق تمويل ثلاثيّ للبنية الأساسيّة، فيما لم يحسم البند الثالث الخلافات القائمة على الدراسات الفنّيّة، واكتفى بتحديد مهلة 3 أسابيع للمكاتب الاستشاريّة لتقديم تصوّر للدراسات، في إطار الملاحظات التي قدّمتها كلّ دولة، وإعادة النقاش على هذا التصوّر في جولة مفاوضات أخرى في 16 حزيران/يونيو على المستوى التساعيّ، وتضمّن البند الخامس إقامة فريق بحثيّ علميّ قوميّ مستقلّ، لتطوير سيناريوهات مختلفة تتعلّق بالتخزين وقواعد التشغيل، بالتطابق مع مبدأ الاستخدام العادل والمنصف لمصادر المياه المشتركة، مع أخذ كلّ الإجراءات الممكنة لمنع حدوث أضرار بالغة، وحدّدت الوثيقة مهلة 3 أشهر للفريق البحثيّ لتقديم تقرير في شأن هذه السيناريوهات إلى وزراء المياه في البلدان الثلاثة.

وتضاف وثيقة مخرجات الاجتماع إلى عدد من الوثائق التي وقّعت عليها البلدان الثلاث في شأن التوافق حول سدّ النهضة، منذ صدور تقرير اللجنة الدوليّة للخبراء في أيّار/مايو 2013، الذي أكّد أهمّيّة دراسة تأثيرات السدّ البيئيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة على دول المصبّ، فكان هناك عدد من الوثائق كاتّفاق إعلان المبادئ الذي وقّعه الرؤساء في آذار/مارس 2015، ووثيقة مخرجات اجتماع الخرطوم في كانون الأوّل/ديسمبر 2015، التي حدّدت جداول زمنيّة للانتهاء من الدراسات والاتّفاق على الملء وقواعد تشغيل السدّ، في مدّة أقصاها عام، إلّا أنّ خلافات حول التفاصيل الفنّيّة حالت دون تنفيذ أيّ من تعهّدات الدول في هذه الوثائق.

وتتحدّد الخلافات الأساسيّة في تعطّل مسار الدراسات الفنّيّة التي يقوم بها المكتبان الاستشاريّان الفرنسيّان "بي آر إل" و"أرتيليا"، بعد مرور عام ونصف على توقيع عقود الدراسات من قبل وزراء المياه الثلاثة منذ أيلول/سبتمبر 2016، بسبب رفض إثيوبيا والسودان التقرير الاستهلاليّ الذي قدّمه الاستشاريّ ومحاولتهما إدخال تعديلات من شأنها تفريغ الدراسات من مضمونها- حسب بيان لوزارة الموارد المائيّة والريّ المصريّة في تشرين الثاني/نوفمبر 2017.

وافقت مصر على التقرير الاستهلالي لأنه يتماشى مع العقد، إلا أن هذا التقرير قوبل برفض السودان وإثيوبيا.

حيث تتمثّل الخلافات بمرجعيّة خطّ الأساس الذي تستند إليه مراجع الإسناد في الدراسات، حيث ترى القاهرة أنّ الدراسات يجب أن تلتزم حرفيّاً بما حدّده العقد بأن تكون مرجعيّة الإسناد هي الوضع المائيّ الحاليّ في النيل الشرقيّ، متضمّناً السدّ العالي حتّى دلتا النيل.

وتنتظر إثيوبيا موسم الفيضان المقبل، الذي يبدأ في تمّوز/يوليو، لبداية التخزين الأوّليّ، في إطار استكمال عمليّة الإنشاءات في موقع السدّ واختبارات الأمان والتشغيل المبدئيّ لتوربيات توليد الكهرباء، وتقدّر الكمّيّة الأوّليّة للتخزين بـ14 مليار متر مكعّب من المياه، وهي كمّيّة المياه التي سيتمّ حجبها خلف السدّ، من دون وصولها إلى مصر والسودان.

وفي حديث إلى "المونيتور"، قال مسؤول مصريّ شارك في الاجتماعات: "المحدّد الرئيسيّ لنجاح هذه الجولة هو تنفيذ بنود وثيقة مخرجات الاجتماع، والالتزام بالتوقيتات الزمنيّة المحدّدة لحلّ الخلاف حول التقرير الاستهلاليّ لدراسات المكاتب الاستشاريّة، ووضع سيناريوهات توافقيّة للتخزين في السدّ".

وأوضح المسؤول– الذي طلب عدم ذكر اسمه-: "الوثيقة ليست حلّاً جذريّاً للخلافات القائمة سواء في شأن التقرير الاستهلاليّ للدراسات أم ملء خزّان السدّ وقواعد تشغيله، لكنّ استمرار الخلاف بعد فشل جولة المفاوضات التساعيّة في نيسان/أبريل الماضي، كاد أن يهدّد المصالح المصريّة في مياه النيل، خصوصاً مع بداية عمليّات التخزين في إثيوبيا واستمرار التعنّت ضدّ أيّ مقترحات تقدّمها مصر للدفع بمسار الدراسات الفنّيّة لتأثيرات السدّ، وعدم إمكان القبول بالخطّة الإثيوبيّة المنفردة لملء خزّان السدّ".

يضيف المسؤول: "الخروج من دائرة الخلاف إلى زوايا جديدة للتعاون في إطار المصالح المشتركة مثل صندوق البنية الأساسيّة للتنميّة، هو سياسة جديدة من القاهرة تبدي فيها مرونة كبيرة في إطار سياسات تأمين المصالح في النيل الشرقيّ وحماية الحصّة السنويّة لمياه النيل من أيّ قرارات فرديّة متعنّتة".

وعلى الرغم ممّا انتظره المراقبون من دخول رؤساء أجهزة المخابرات في المفاوضات بإحداث اختراق للاتّفاق على النقاط العالقة، إلّا أنّ مخرجات اجتماعيّ الخرطوم في 5 نيسان/أبريل، وأديس أبابا في 15 أيّار/مايو، لم تأت بنتائج محدّدة لإثبات التأثيرات السلبيّة للسدّ على مصر، ومنع أيّ أضرار بالغة جرّاء عمليّة التخزين أو التشغيل.

وفقاً للقانون الدولي، كان الإخطار المسبق مطلوباً من إثيوبيا قبل الشروع في أي عملية بناء يمكن أن تضر ببلدان المصب. ومع ذلك، بدأت إثيوبيا بناء سد النهضة في عام 2011، ما أدى إلى نشوب صراع طويل مع مصر حول السد وتأثيره على الحصة المصرية من مياه النيل.

لم تتّفق مصر وإثيوبيا والسودان على إعطاء تقرير الفريق البحثيّ الجديد المكلّف بوضع سيناريوهات ملء السدّ صفة الإلزاميّة وبالتالي تبقى نتائج عمله استرشاديّة فقط.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو