نبض مصر

صراع النفوذ بين مصر وتركيّا آخر ضحاياه أسماء الشوارع

p
بقلم
بإختصار
قرّر محافظ القاهرة المهندس عاطف عبد الحميد في 6 شباط/فبراير الجاري تغيير اسم شارع سليم الأوّل بحيّ الزيتون.

القاهرة - قرّر محافظ القاهرة المهندس عاطف عبد الحميد في 6 شباط/فبراير الجاري تغيير اسم شارع سليم الأوّل بحيّ الزيتون، وهو تاسع السلاطين العثمانيّين وخليفة المسلمين الـ74 الذي غزا مصر في عام 1517 خلال معركة الريدانيّة، بناء على ما تقدّم به أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة حلوان الدكتور محمّد صبري الدالي بأنّه لا يصحّ إطلاق اسم المستعمر الأوّل لمصر والذي أفقدها استقلالها على مدار 400 عام وحوّلها إلى مجرّد ولاية من ولايات الدولة العثمانيّة، إلى جانب قيامه بقتل آلاف المصريّين خلال دفاعهم عنها، وأعدم آخر سلطان مملوكيّ طومان باي وحلّ الجيش المصريّ. يعتقد أن التسمية جاءت في فترة حكم محمد على باشا فى الفترة ما بين 1805 و1848 وهو أول من أصدر مرسوما بتسمية الشوارع

ويجري حاليّاً حوار مجتمعيّ برئاسة رئيس حيّ الزيتون اللواء هشام عبد الحميد مع أهالي الحيّ والمهتمّين من المثقّفين والمؤرّخين لاختيار الاسم المناسب.

وعن هذا الشأن، تحدّث أستاذ التاريخ المعاصر بكلية الآداب جامعة حلوان الدكتور عاصم الدسوقي لـ"المونيتور" فقال: "القرار هو تصحيح خطأ قائم بتسمية الشوارع والميادين بأسماء شخصيّات دخلت البلاد غازية وقتلت أهلها. هناك فرق كبير بين سليم الأوّل وعمرو بن العاص صاحب الفتح الإسلاميّ الأوّل لمصر في عام 640 والذي قاتل الروم من دون أن يقتل المصريّين".

أضاف: "إنّ مصر لا تدّعي أخيراً على سليم الأوّل بأنّه قاتل، بل إنّابنأياس المؤرّخ المصريّ الذي أرّخ في الفترة الممتدّة بين عاميّ 901 و928 وأخرج كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور، ذكر الفظائع التي ارتكبها سليم الأوّل عندما كان جنوده يتعقّبون المصريّين، وأيضاً المماليك الذين كانوا يقاومونهم حتّى في المساجد ويقتلونهم حتّى وصلوا إلى إلقاء المصريّين من فوق المآذن، فكيف نخلّد اسم طاغية كهذا؟".

وأشار إلى أنّ القضيّة ليست في أنّ سليم الأوّل تركيّ، فلا مانع من تخليد أسماء لها دور إنسانيّ مثلالفرنسيّ كلوت بيك، الذي خدم الإنسانيّة وأسّس مدرسة طبّ القصر العينيّ في عام 1827، وقال: يجب إنشاء هيئة لمراجعة الأسماء الموجودة في الشوارع والميادين المصريّة ككلّ، لأنّ هناك فوضى حقيقيّة في اختيار الأسماء، لا سيّما أنّ أسماء عدّة كانت تطلق على الشارع باسم أوّل من بنى منزله على رأس الحارة أو الشارع.

من جهته، قال الباحث في الشؤون التركيّة في مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية كرم سعد لـ"المونيتور": إنّ القرار لا يمكن فصله عمّا تمرّ به العلاقات المصريّة - التركيّة منذ عام 2013، بعد إسقاط جماعة الإخوان المسلمين ووصول عبد الفتّاح السيسي إلى سدّة السلطة، وهو ما اعتبرته تركيا انقلاباً عسكريّاً وما زالت مصرّة على هذا التوصيف، وترتّب على ذلك خفض مستوى التمثيل الديبلوماسيّ بين البلدين وتراجع معدّلات التبادل التجاريّ. كما تأزّمت العلاقات الاقتصاديّة بين البلدين وحدثت مناوشات عدّة بين مصر وتركيّا، منها اعتراف مصر قبل 3 أعوام بمذابح الأرمن ورفض العمليّة العسكريّة التركيّة في سوريا.

أضاف: "تطوّرات المشهد حافلة بالكثير من الأحداث السلبيّة في مسار العلاقة بين مصر وتركيا. والوصول إلى هذا المستوى من التوتّر للانتقال إلى تغيير أسماء بعض الشوارع أو الميادين سواء أكان في تركيا أم في مصر هو طقس سياسيّ يعكس رغبة النظامين في استثمار هذا التوتّر لمصلحة القاعدة الانتخابيّة وتعبئتها في الجهتين، فالرئيس السيسي مقبل على الانتخابات في الشهر المقبل وسط جدل سياسيّ كبير حول العمليّة الانتخابيّة، والرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان أيضاً يستفيد من هذا التوتر مع مصر، وهو أيضاً مقبل على انتخابات برلمانيّة ورئاسيّة في عام 2019، والفوز فيها يضمن بقاءه في السلطة حتّى عام 2023.

وأشار إلى أنّ تغيير تسميات الشوارع يرتبط بصراع مناطق النفوذ في منطقة الشرق الأوسط، فالقاهرة لجأت إلى التحالف مع قبرص واليونان نوفمبر 8، 2014 للاستفادة من ثروات الطاقة والتضييق على تركيا، فيما تناكف تركيا بكلّ ما تملك وكان أخيراً تحالفها مع السودان في إدارة جزيرة سواكن السودانيّة عبر إقامة قاعدة عسكرية في جزيرة سواكن لخدمة الأهداف التوسعية لتركيا وزيادة نفوذها العسكري في البحر الأحمر.

وتأتي الخطوة الأخيرة من السلطات المصريّة كمحاولة لتشويه الصورة الذهنيّة عن سلاطين تركيا، الذين يحظون بشعبيّة كبيرة بصفتهم خلفاء مسلمين، لافتاً إلى أنّ سلاطين الدولة العثمانيّة داخل كلّ منزل مصريّ من خلال القوّة الناعمة التركيّة فمسلسل "ارطغرل" يحظي بأعلى نسبة مشاهدة حاليّاً في مصر.

ولذا، فإنّ تركيا تستثمر قوّتها الناعمة لتحقيق صورة ذهنيّة تخدم توسّع نفوذها الإقليميّ والدوليّ، وقال: "إنّ مصر لديها القوّة الناعمة أيضاً، ولكن لا يتّم الدفع بها بالصورة التي تخدم توسّع نفوذها إقليميّاً ودوليّاً. لقد نجحت تركيّا في تصدير المسلسلات التركيّة وما تطرحه من أفلام دينيّة وتاريخيّة تتناسب مع العالم الإسلاميّ لترسيخ فكر أردوغان، وهو وضع تركيا قائدة للعالم الإسلاميّ ووضعه هو كخليفة للمسلمين. مصر تمتلك ثلثيّ آثار العالم، وإذا ما قورنت بتركيّا فإنّ لديها نقاطاً فكريّة وميراثاً تاريخيّاً يمتدّ إلى أكثر من 7 آلاف سنة، ولكن تكمن المشكلة في سوء توظيف القوّة الناعمة لمصلحة تعضيد الدور المصريّ".

أمّا الناقد الفنيّ طارق الشنّاوي فقال لـ"المونيتور": إنّ تغيير اسم الشوارع لن يؤدّي إلى جديد، فالاسم الأوّل يظلّ في الذاكرة، إلاّ إذا كان الاسم الجديد أكثر قوّة وأقرب إلى الناس، فعلى سبيل المثال تغيير اسم ميدان الملكة نازلي والدة الملك فاروق إلى ميدان رمسيس بعد ثورة تمّوز/يوليو من عام 1952 لمحو أيّ أثر للنظام الملكيّ واستعانت قيادة الثورة بالتمثال العظيم للملك رمسيس لخلق صورة ذهنيّة جديدة عن الميدان.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

رامي جلال عمل بقسم التحقيقات بالعديد من الجرائد والبوابات الإخبارية المصرية روز اليوسف,صوت الأمة ,العربية ,شارك في عدد من التحقيقات الاستقصائية ويشغل حاليا منصب مساعد مدير تحرير جريدة وبوابة "الآن"

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept