نبض مصر

دورات عسكريّة للقضاة في مصر... هل يعيد السيسي تجربة التنظيم الطليعيّ؟

p
بقلم
بإختصار
تسعى الدولة إلى تجنيد القضاة فكريّاً وليس عن طريق إجبارهم على الانضمام إلى تنظيم سرّيّ، مثلما كان يحدث في عهد جمال عبد الناصر.

القاهرة — يعكف النظام المصريّ منذ أشهر عدّة على إلحاق القضاة ومختلف أعضاء الجهات والهيئات القضائيّة في أنحاء الجمهوريّة، بدورات تدريبيّة، في الدراسات الاستراتيجيّة والأمن القوميّ، في أكاديميّة ناصر العسكريّة العليا، بحسب ما كشف مصدر قضائي حضر الدوراات لموقع "المونيتور. ولا تزال هذه الدورات التي انطلقت منذ ثلاثة أشهر مستمرة لتغطية كافة الجهات والهيئات القضائية في مصر.

وبحسب الباحث في الشأن السياسيّ أ.س.، إنّ اتّجاه السلطات المصريّة إلى إلزام القضاة وأعضاء الجهات القضائيّة بالالتحاق بهذه الدورات التي يحاضر فيها جنرالات عسكريّون، أعاد إلى الأذهان ممارسات نظام جمال عبد الناصر في إنشاء التنظيم الطليعيّ كتنظيم سرّيّ داخل القضاء هدفه استمالة الأعضاء للأفكار السياسيّة والتنظيميّة للاتّحاد الاشتراكيّ حينها.

ويضيف الباحث الذي رفض الكشف عن هويّته، أنّ الدورات المنعقدة حاليّاً تتمّ في شكل أكثر حداثة، فالدولة تسعى إلى تجنيد القضاة، لكن فكريّاً وليس عن طريق إجبارهم على الانضمام إلى تنظيم سرّيّ مثلما كان يحدث في عهد عبد الناصر، لافتاً إلى المفارقة بين إنشاء التنظيم الطليعيّ في عهد عبد الناصر وبين اسم الأكاديميّة التي تضطلع بالمهام نفسها حاليّاً، لكن في شكل أكثر حداثة.

وقد صدر قرار جمهوريّ بإنشاء أكاديميّة ناصر العسكريّة العليا في 18 كانون الثاني/يناير 1965، وافتتحها الرئيس عبد النّاصر في 6 آذار/مارس 1965، وبدأت الدراسة في كليّة الحرب للدورة الأولى في 13 آذار/مارس.

ومن ضمن الأهداف الرئيسيّة المعلنة من دورات أكاديميّة ناصر العسكريّة العليا المتخصّصة في استراتيجيّات الأمن القوميّ، تأهيل قدرات كبار العاملين المدنيّين في مختلف القطاعات في الدولة ومهاراتهم، وتنميتها، لتولّي المناصب القياديّة، كما أنّ عدداً كبيراً من الصحافيّين والإداريّين في وزارات حكوميّة عدّة ورؤساء القطاعات الهامّة في مصر يجب أن يمرّوا بهذه الدورة كشرط لتولّي تلك المناصب.

يقول مصدر قضائيّ عضو في أحد الهيئات القضائيّة المصريّة في حديث إلى "المونيتور" إنّه تلقّى دورة "الدراسات الاستراتيجيّة والأمن القوميّ" في أكاديميّة ناصر العسكريّة العليا التي يقع مقرّها في منطقة الدقي في محافظة الجيزة، بتكليف رسميّ، مشيراً إلى أنّ حضور هذه الدورات أصبح إلزاميّاً ومعمّماً على جميع أعضاء الجهات القضائيّة.

ويشير المصدر، الذي تحفّظ على نشر اسمه أو صورته خشية الإضرار به، إلى أنّ هذه الدورة مدّتها أسبوعان، بواقع 6 ساعات تدريبيّة في اليوم الواحد، ويتمّ فيها إبراز مفاهيم الأمن القوميّ واستراتيجيّاته وارتباط ذلك بالإفصاح عن المعلومات أو إبداء الآراء السياسيّة في شكل عامّ، والمعلومات التي تخصّ القضايا التي ينظرون فيها أو يحقّقون بها في شكل خاصّ.

بحسب المصدر، إنّ هذه الدورات "تهدف إلى توحيد صفوف القضاة وتعريفهم بمفاهيم الأمن القوميّ وضرورات التكتّم على المعلومات".

"تمّ التحذير مرّات عدّة في الدورة من إمكان تصيّد الصحافييّن أخطاء القضاة والتربّص بهم وتتبّع أحاديثهم على مواقع التواصل الاجتماعيّ"، يقول المصدر، مضيفاً أنّه تمّ التشديد عليهم في شأن ضرورات عدم التحدّث إلى ممثّلي وسائل الإعلام سواء المصريّة أم الأجنبيّة، وأن يكون التواصل مع المتحدّث الرسميّ لتلك الجهات فقط.

وتتضمّن الدورات محاضرات عدّة يحاضر فيها كبار الجنرالات في الجيش المصريّ وعدد من المتخصّصين والسفراء السابقين وأساتذة الإعلام والاتّصال، وتشتمل الدورات على محاضرات للّواء الدكتور جمال حواش للحديث عن إدارة الأزمات، ومفهوم الشريعة الدستوريّة ودور القانون في الدفاع عن الدولة وارتباط ذلك بضرورات الحفاظ على الأمن القوميّ المصريّ من الاختراق، كما يشرح المصدر.

كما اشتملت على محاضرات أخرى للّواء الدكتور محمّد حسني عزب، تحدّث فيها عن أجهزة المعلومات ومصادرها، وكيفيّة تقسيم المعلومات ودورها في إدارة الأزمات، وضرورات الحفاظ على سرّيّة المعلومات والإفصاح عنها، في ما يخدم الكيان فقط من دون التطرّق إلى النقد أو الأمور السلبيّة الخاصّة بكلّ جهة أو قطاع من قطاعات مؤسّسات الدولة، على حدّ قوله.

تجنيد سياسيّ للقضاة:

يضيف الباحث السياسيّ أ.س. أنّ فترة حكم عبد الناصر كانت تميّزت بإنشاء الاتّحاد الاشتراكيّ الذي يقوم على محاولة تدجين كلّ طوائف المجتمع، وكانت من أبرز أهدافه الهيمنة الكاملة على مؤسّسات الإعلام والقضاء والمناصب القياديّة في الدولة، ثمّ إنشاء الاتّحاد الاشتراكيّ لما يسمّى بالتنظيم الطليعيّ.

ويقول الباحث إنّ "من أهمّ أدوار التنظيم هو تجنيد الأفراد في مختلف مؤسّسات الدولة عن طريق تلقينهم دورات تختصّ بضرورة الحفاظ على الأمن القوميّ وعلى الثورة الوليدة حتّى لا تجهض من بقايا الإقطاعييّن والمنحازين إلى النظام الملكيّ الذي سقط على يد تنظيم الضبّاط الأحرار في عام 1952".

أمّا في القضاء فقد أنشأوا تنظيماً سرّيّاً، ومنذ ذلك الحين، بدأ التجنيد السياسيّ للقضاة، واختلط القانون بالسياسة فأصبح بعض القضاة أبواقاً للنظام.

حلقة في مسلسل السيطرة على القضاء:

ويلفت الباحث إلى أنّ الإلزام بحضور تلك الدورات يعتبر نوعاً من التجنيد الفكريّ، ولا ينبغي أن يفصل عن سياقه الأكبر في إطار محاولات النظام للسيطرة الكاملة على مؤسّسة القضاء، فهذه الدورات تمثّل الجانب الإيديولوجيّ للسيطرة، وتعمل على ترغيب القضاة على اعتناق أفكار النظام الجديد، لكنّها حلقة في مسلسل احتواء القضاء.

ويضيف أنّ هذه الدورات لم تكن هى المسعى الوحيد للسلطات المصريّة لاحتواء القضاة والسيطرة عليهم، فمنذ أشهر وتحديداً في 28 نيسان/أبريل الماضي، أصدر الرئيس عبد الفتّاح السيسي قانوناً لتعديل طريقة اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائيّة حمل رقم 13 لسنة 2017، ورفضته كلّ الهيئات والجهات القضائيّة، وطعن به 3 من كبار القضاة الذين تمّ تخطّيهم في التعيين طبقاً لقاعدة الأقدميّة المعمول بها قبل صدور القانون.

ويشير الباحث إلى أنّ رفض الجهات القضائيّة هذا القانون جاء لمحاولته السيطرة على تعيينات القضاة واختيار من يوافق فكر مؤسّسة رئاسة الجمهوريّة، كما يسمح للجهات الأمنيّة بالتحكم في من يتمّ تعيينه عن طريق التحرّيّات والتقارير الأمنيّة المرفوعة عن شخص القاضي القادم إلى رئاسة الجهة.

وأضاف أنّ المحاولات الأخرى لاحتواء القضاة تمثّلت في زيادة المرتّبات، فوزير العدل الأسبق أحمد الزند نجح في 27 أيّار/مايو 2015 في صرف البدلات المتأخّرة لعلاج القضاة والتي تقدّر بـ3 آلاف جنيه مصريّ لكلّ قاضٍ وعضو نيابة، وبعدها قرّر مجلس القضاء الأعلى المصريّ في 15 حزيران/يونيو زيادة مرتّبات أعضاء النيابة العامّة والقضاة بمختلف درجاتهم بنسبة 30%، إلى أن جاءت تلك الدورات لتدجينهم إيديولوجيّاً داخل أكاديميّة عسكريّة.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X